تغريد البقشي الموناليزا بالحجاب والعذراء من وراء نقاب

الأحد 2014/03/30
الفنانة تغريد البقشي بجوار إحدى لوحاتها: بعد تصوفي معاصر

الخبر- السعودية - تأتي تجربة “إنه قمر وليس برتقالة” بعد أكثر من تسعة معارض شخصية شاركت بها الفنانة التشكيلية السعودية تغريد البقشي، التي اتسمت بجرأتها في تناول القضايا الخاصة بالمرأة السعودية، والتي غالباً ما تلامس مفاهيم “الحرية” و”الذكورية” و”قيادة المرأة”.

ربما الجديد في تجربتها الحالية التي قدمتها في صالة “تراث الصحراء” بالخبر شرق السعودية في بداية مارس الحالي يكمن في كون البقشي لم ترد لمعرضها أن يخرج بصورة كلاسيكية، فقدمت اشتغالاتها على شكل مشاريع مختلفة “مشروع الحقيبة”، “مشروع القهوة” وتجارب تشكيلية جاورتها تختلف في التكوين اللوني والبصري لكنها تتوحّد جميعها في الرؤية. تقول البقشي عن تجربتها: “يحتوي الحدث على مجموعة أعمال فنية، لكل منها مفهوم يختلف تفسيره من متلقٍ إلى آخر، معتمداً على طريقة التفكير، وترجمة الصورة إلى مفردات وصياغات تكون جملاً لفظية لها دلالات مختلفة تعتمد على التراكمات الثقافية والاجتماعية للأفراد”.


حقيبة ملونة


قبل عام من مشروعها الحالي استوحت البقشي من مفهوم الانتظار مشروع “حقيبة” حيث أطلقت فكرتها على مرحلتين مستخدمةً الإنترنت كوسيط بينها وبين المتلقي، الأولى “معرض حقيبة على الإنتسغرام”، والثانية “معرض حقيبة من جهاز سكنر”. حيث عرضت لسبعة أيام ما يقارب الـ100 صورة لحقائب متنوعة قام بتصويرها مسافرون من مختلف أنحاء العالم مع إرفاق اسم صاحب الحقيبة، ومكان التقاط الصورة، والزمان، والتاريخ. كان بعضهم فنانين معروفين مثل الفنان أيمن يسري، والبعض الآخر تركته لكل من أراد المشاركة بهذه الحالة الفنية التفاعلية.

تقول البقشي: “لقد بلغ مستوى حالات التفاعل الإلكترونية للتجربة ما يقارب 2000 حالة تفاعل”. حاولت البقشي عبر هذا المشروع أن تخلق نفس الحالة الوجودية التي تستشعرها من بعض المفاهيم الفلسفية، مثل مفهوم “الحنين” و”الحب” و”الانتظار”. ومن خلالها قدمت عشرات الصور وخمس لوحات سكنر بالإضافة إلى ثماني لوحات تشكيلية بمساحات مختلفة تحاكي نفس الفكرة.

أرادت البقشي أن تمارس سخريتها من ملابسات النمط الحياتي اليومي ضمن افتراضات مربكة أدهشت المتلقين

وعن هذا المشروع تقول: “وجد الفن من أجل الناس جميعاً، لذا أتى هذا المشروع لتعزيز التبادل الثقافي والتواصل الاجتماعي، وبناء الهوية، والنظر في الأثر المتراكم للتنقل من مكان إلى آخر. وانتشار مفهوم العولمة من مبدأ المعاصرة في الفنون”. وأضافت: “تم المشروع عن طريق مشاركة أفراد من مختلف شرائح المجتمع ومن مختلف الأعمار، والربط بين رحلات سفر المبتعثين وما يحملون في حقائبهم من ثقافة مجتمعهم، وبما يعودون به من ثقافة مجتمع آخر”.


مشروع القهوة


تنطلق البقشي في هذا المشروع بمجموعة لوحات ومكوّنات فنية استخدمت فيها القهوة بجانب جدارية طولية كتبت عليها نص الشاعر محمود درويش “أريد رائحة القهوة”. مستحضرة عبر دلالات القهوة في صناعتها وتكوينها وغليانها ورغوتها حالات الوطن العربي المشتعلة والثائرة بإدمان التغيير والتجدد.

تقول البقشي: “القهوة لها دلالتها العميقة في الثقافة العربية، بالإضافة إلى رمزيتها ومزاجيتها وتقلباتها، لهذا وضعت بالقرب من المشروع عرض “تي في” لقهوة وهي تفور وتتشكّل لأربط ذاكرة المتلقي بمعانيها العميقة ودلالاتها العربية”.

مخيلة طليقة ولغة فنية تكسر المنظور التقليدي وتستلهم البعد الطفولي في الكائن


دافنشي ومايكل أنجلو


لا تتوقف البقشي عن محاولاتها في السخرية بطريقتها من الواقع الذي يفرض خناقه الخاص على المرأة والرجل في السعودية لذا تواجهنا عبر مجموعة لوحات عالمية لدافنشي ومايكل أنجلو قامت بالاشتغال عليها وتغيير ملامحها وفق رؤيتها لـ “الخصوصية السعودية” لتعيد صناعة الموناليزا بحجابها، والعذراء بنقابها، والمسيح بشماغه، وتمثال داوود سعودياً. أرادت البقشي أن تمارس سخريتها من ملابسات النمط الحياتي اليومي ضمن افتراضات مربكة أدهشت المتلقين بجرأتها في التعاطي الذكي مع قضاياها التي تؤرقها منذ وقت مبكّر. تقول البقشي عن التجربة: “كنت أحاول أن أكسر الألفة بين المتلقي وبين فنون عصر النهضة، وذلك عبر الإرباك الذي تشعله السخرية من الهوية الظاهرية للأشياء، مثل الملابس. أعتقد أن الإنسان جوهر عميق وعلينا أن نلتفت له من هذه الزاوية”.


كائنات سماوية


اتسمت بعض اللوحات في تجربة “إنه قمر وليس برتقالة” بحالات مفاهيمية أخذت بعدا مسكونا بالتصوّف، ففي عدّة اشتغالات يلمس المتلقي دلالة بعض المكوّنات مثل الماء والمطر والأرض والحمامات بصورة شفافة تقول عنها البقشي “إنها تتخيّل نفسها في حضرتها مثل قطرة المطر التي أنجبتها الغيمة فغرقت في المدينة”. لهذا فهي لا تخفي تعلّقها الفلسفي بـ”الأشياء السماوية”. وعن ذلك تقول: “إنني أحاول أن أكسر العلاقات النمطية لأكسب عوالمي الفنية حالة نقية يستقبلها المتلقي بصفاء خالص”.


ولادة مقلوبة


على عكس سيرة الفنانين في طقوس الرسم تبدأ البقشي من النهاية برسم لوحتها على الكانفس ثم تعيد تكوينها من جديد على سكتشات صغيرة.

وعن تلك التجربة تحدّث “العرب” قائلة: “على عكس الفنانين آتي اللوحة دون تصوّر مسبق لها، وأطلق طاقة اللاوعي المحمومة لتعمل بكل تفاصيلها على اللوحة، فهذه اللحظة الوجودية مهمة جداً في تفتيق مكامن الفن ولا بدّ من استثمارها. لاحقاً، وبعد الانتهاء من اللوحة أبدأ برسمها على سكتشات صغيرة لأشهد ولادتها بالمقلوب”.

16