تغريد درغوث ترسم الآلام الإنسانية من عيون اللوحات

تتميز لوحة الفنانة التشكيلية تغريد درغوث (1979) بأنها لوحة مباشرة، لها خلفية لونية شبه مسطحة وبالغة الوضوح. لا ينتقص ذلك من عملها الفني في شيء، بل يساهم في دعم نصها الفكري المركب والمغاير لوضوح الأشياء والوجوه التي ترسمها. لا بل إن هذا الوضوح الملتبس الذي ينطق بهواجسها الاجتماعية والسياسية هو أكثر ما يميز أعمالها السابقة والجديدة.
الخميس 2015/06/11
قوس قزح الموت والدمار الشامل

بيروت - المتابع لأعمال الفنانة اللبنانية تغريد درغوث لن يجد في أعمالها ما يصعب التعرف عليه. كل شيء واضح المعالم، الأشياء التي ترسمها، ووجوه الأشخاص الذين ترسمهم في لوحاتها، وهذه النفحة العقلانية التي تشدّ الخناق على عنصر اللون في اللوحة لتجعله خاضعا لمزاجها ودقة ووضوح أفكارها.

لا لون يحلق بعيدا عن رغبة سيّدته، أي الفنانة، وهو من أكثر العناصر التشكيلية عرضة لسلطتها الناعمة، نعومة الحب حين يكون قاطعا. تقول الفنانة إن “الألوان الأقل جاذبية بالنسبة إليّ هي اللون الأزرق والأصفر”، أما بقية الألوان فمرحب بحضورها في لوحاتها، وهي غالبا ما تكوّن خلفية للأشياء والوجوه المشكلة في اللوحة.

لون واحد في خلفية اللوحة الواحدة، أصفر، أخضر، رمادي أو أحمر. هذا هو شرط الفنانة لدخول اللون إلى عالمها الفني. لا إسراف في استخدام الألوان. أغلب الظن أن لا أحد سيعثر في لوحة من اللوحات التي يشاهدها عادة في المعارض المختلفة على لون ورديّ كالذي تضعه تغريد في لوحاتها. لون ورديّ اقتحمه اللون الأسود فكبح من جماحه دون أن يجعله متسخا ومنفرا للنظر.

اللون الأسود في لوحاتها له حضور بارز، يدخل إلى كل اللوحات، ويتسلل إلى كل الألوان تاركا أثره البليغ الذي يضفي على الأعمال جوّا من الجدية العارمة. ربما مردّ ذلك يعود إلى تأثر الفنانة باللوحة التعبيرية الألمانية ذات الوقع الدرامي غير التراجيدي.

فن يحارب الانتهاك

اللوحات مشغولة بمادة الأكريليك وهي مادة أقل حساسية من المادة الزيتية. تقول الفنانة “مادة الأكريليك تلائم مزاجي الذي لا ينحو إلى تصوير التدرجات اللونية أو الظلال، بقدر ما يريد فرض وجود الأحجام والأشكال المحددة بصريا”.

تتجاهل درغوث المبدأ التشكيلي الذي لا يحبذ وضع العنصر البصري الأساسي في وسط اللوحة تماما، إذ تضعه دائما، إن كان شيئا أم وجها، في عين اللوحة، جليا مرئيا لا لبس فيه، يصدح بحضور نافذ يستحوذ على الفضاء الكامل للعمل الفني.

تغريد درغوث: المنتصر في الحرب القادمة هو الذي يمتلك البصر والبصيرة

أقامت الفنانة عدة معارض تعرضت فيها لمواضيع اجتماعية أو سياسية شائكة، حيث تلقي تغريد الضوء على هذه المواضيع من خلال سلسلة من اللوحات المتشابهة ظاهريا والمتشعبة داخليا.

إذا عدنا إلى المعرض الذي قدمته الفنانة عن العمليات التجميلية، فإن سلسلة الحالات التي تظهرها درغوث عبر مجموعة من اللوحات المتشابهة وغير المتشابهة تصور الألم إثر هذه العمليات، تشظي الذات بعدها، نجاحها وإخفاقها، تفاصيلها الطبية الجارحة، تهشم الثقة بالذات، والرضوخ لمعايير جمالية واحدة كتعبير عن نوع من العبودية. هكذا تقرأ لوحة تغريد درغوث، تقرأ عبر سلسلة لوحات ترصد الموضوع ذاته من جوانب عدة.

تتوالى اهتمامات الفنانة البصرية المثقلة بالمعاني والآراء الشخصية المبنية على أسس إنسانية بحتة. فمن العمليات التجميلية و”فداحة” دلالاتها، إلى عرض لأسلحة الدمار الشامل، يليه معرض آخر عن الفجوات والتضاريس التي أحدثتها ولا تزال تحدثها هذه التجارب. تقول الفنانة إنها في الوقت الحالي تعمل على مجموعة من اللوحات تصور آلات المراقبة كالكاميرات والأقمار الاصطناعية. وتضيف قائلة: عنوان هذه المجموعة مستوحى من فكرة للمفكر بول فيريليو تقول إن “المنتصر في الحرب القادمة هو الذي يمتلك البصر والبصيرة”.

ترفد تغريد درغوث تجربتها الفنية بقراءات شعرية وتاريخية وفكرية حثيثة، وتضفي على عملها بعدا وعمقا، إذ تقوم بنسج أواصره بمتانة بصرية بغية إيصال الفكرة إلى المشاهد.

حول معرضها عن أسلحة الدمار الشامل تقول الفنانة: أثناء قراءتي عن البرنامج النووي الغربي إبان الحرب العالمية الثانية، وخاصة البرنامج المرتبط ببريطانيا لفتت انتباهي تسمية القنابل النووية المختلفة بمجموعة “قوس قزح”، استغربت كثيرا لحظة اكتشافي أن القنابل القاتلة كان يطلق عليها أسماء لطيفة من قبيل “الأرنب الأزرق”، “الوردة الحمراء”، “العصفور الأخضر”، و”الشمس الصفراء”. قوس قزح هي إذن، ولكن من موت ودمار شامل.

تغريد درغوث تميط اللثام عن العمليات التجميلية وفداحة دلالاتها

إشكالية المعنى

إذا ما عدنا إلى عالمنا اليوم فإن الحديث الواضح والباطني على السواء عن أسلحة الدمار الشامل في منطقة الشرق الأوسط لا يختلف كثيرا عن المنطق البصري، الملبد بالافتراضات، الذي قدمته الفنانة -أيضا عبر سلسلة من اللوحات- تصور انفجارات نووية بشكل واضح.

كل واحدة من تلك اللوحات مصبوغة بلون من ألوان قوس قزح تفشّت فيه هو الآخر بضع قطرات من اللون الأسود؛ بضع قطرات ولكن كافية لكي تسم الجوّ كله. لعل اهتمام الفنانة بهذا “اللغط التعريفي” لقبح الأشياء أو جماليتها دليل آخر على مزاج الفنانة القائم على رسم الأشياء الصامتة أو الواضحة في الظاهر، والثرثارة أو المتشعبة في الداخل.

كما يدخل مفهوم التناقض إلى أعمالها من الباب العريض مغلفا بوضوح ملتبس، كما في اللوحات التي تصور العاملة المنزلية حزينة العيون وفي حضنها طفل مأخوذ بحنانها، أو اللوحة التي تظهر فيها “مريم” الصبية تحدق في مرآتها بقلق وجودي بعد “نجاح” عملية التجميل التي خضعت لها.

تختصر مجموعة الجماجم التي عرضتها الفنانة في أحد المعارض التشنج القائم بين الظاهر والباطن في مجمل لوحاتها.

الجماجم البشرية تاريخيا في اللوحة التشكيلية ترمز إلى الفناء وهباء الأشياء الدنيوية، ولكن في لوحة تغريد درغوث ينقلب المنطق إلى ضده، إذ تقف الجماجم على خلفيات ملونة حينا ومطبوعة حينا آخر بنوتات موسيقية وورود تزيينيّة. إنها الحياة المعاصرة، إنها الحياة الأزلية التي تعيد إنتاج الموت.

16