تغلغل الأفكار التكفيرية بين الأوساط الغنية.. الأسباب والمآلات

اعتبار أن الفقر والتهميش من الأسباب التي تجعل الشباب ينضم إلى الحركات المتطرفة لم يعد مقنعا لتوجه هذه الفئة وانقيادها إلى الأطروحات العنفية والتكفيرية، ذلك أن الأمر لم يقف عند صنف المفقّرين والمعدمين بل تجاوز ذلك ليطال شباب الأثرياء الذين تجمعهم بهذه الجماعات الجهادية نقاط التقاء فكرية وعقائدية، فيصبحون بذلك رقما جديدا في العديد من مقاتلي هذه التنظيمات والمضحين في سبيلها بالنفس والمال.
الجمعة 2015/05/15
أبناء الأثرياء سوق جديدة للاستقطاب والتجنيد في صلب الحركات الجهادية

لم يعُد الفقر ولا المستوى المتدني للحالة المعيشية للأسر سببا في انضمام الشباب والفتيات إلى الجماعات الإسلامية أو الجماعات المتطرّفة كما كان يحدث في الماضي، بل برز عدد من العوامل الجديدة في هذه التنظيمات استهوت الشباب المنتمين إلى أسر ميسورة الحال أو غنية.

هذا ما أكد عليه عدد من مراكز الأبحاث المصرية والدولية، وجعل سام كوتيسا مدير الجمعية العامة للأمم المتحدة يقول إن التنظيمات الإرهابية لعبت دورا خطيرا في اجتذاب الشباب، لا سيما الذين يتمتّعون بمستوى “غير تقليدي اقتصاديا واجتماعيا” من خلال عدد من الآليات أهمها مواقع التواصل الاجتماعي، وهيكلها الفكري القريب لنوعية بعينها من الشباب والكاريزما.

مراكز البحث والدراسات سلّطت الضوء على هذه الظاهرة المستحدثة، مع تغلغل الأفكار التكفيرية بين الأوساط الغنية، والذي نتج عنه تورّط أبنائها في الانضمام إلى هذه التنظيمات والاقتناع الشديد بأفكارها التكفيريــة، والقيام بتمويل عملياتها الإرهابية.

ويرى ماهر فرغلي الباحث السياسي المصري، أن التنظيمات الإرهابية توسّعت كثيرا خلال الفترة الماضية تبعا لرغبة العديد من الجماعات “التكفيرية الصغيرة” في الانضمام إليها، بالإضافة إلى رغبة عدد لا بأس به من الشباب في مُشاركتها.

وقال: إن هؤلاء الشباب يتميّزون بمستوى اقتصادي مُعيّن، الأمر الذي يُفسّر الأسباب والعوامل التي أدت إلى امتداد هذه التنظيمات واستهدافها للجنود في سيناء وغيرها من الأماكن.

وأضاف أن كل بلد تختلف أوضاع هذه التنظيمات فيه لأسباب تتعلّق بالبيئة التي تتواجَد فيها، لافتا إلى أن هذه التنظيمات في بلد مثل ليبيا تُساعدها عوامل خاصة على التوسّع، مثل تعدّد القبائل التي تتميّز بحالة اقتصادية ميسورة، الأمر الذي يجعلها تقوم بتنفيذ عملياتها ضمن حماية مادية مضمونة، وفي العراق هناك عوامل مُختلفة تساعد على إطالة عمر هذه الجماعات والتنظيمات، مثل امتثال الشباب واقتناعهم برؤيتها وأهدافها مع “كاريزما” خاصة تجذب إليها الشباب في الدول الغربية.

وأكد فرغلي، أن قُدرة هذه الجماعات والتنظيمات على جذب الشباب تزداد يوما بعد يوم وخاصة الأغنياء منهم، وارتباطها الوثيق برجال أعمال في عدد من الدول بينهم وبين الأنظمة والحكومات مصالح، فيريدون إنجاح مُخططات بلادهم في فرض هيمنتها السياسية على الدول المستهدفة، مُشيرا إلى أن هذا العامل من أهم العوامل التي طرحت من قِبَل بعض المراكز الاجتماعية التي تناولت قضية انضمام الأغنياء إلى التنظيمات الإرهابية.

من جانبه، يؤكد مصطفى علوي المحلل السياسي، أن هناك عوامل قوية تدفع الطبقة التي تتمتّع بالثراء إلى الانضمام أو مُساعدة التنظيمات الإرهابية أهمها الالتقاء الأيديولوجي، والذي ينبع من الاقتناع بما ينشرونه من أفكار تكفيرية، ويرونهم كيانات تُعبّر عن الدين، وبالتالي تصبح السيطرة عليهم يسيرة جدا، لأن خلفيتهم الدينية لم تؤهلهم لإدراك الخطورة الناجمة عن مُساعدتهم لهذه التنظيمات.

سام كوتيسا: التنظيمات الإرهابية اجتذبت الشباب، الذين يتمتعون بمستوى غير تقليدي اقتصاديا واجتماعيا

وقال علوي: إن بُعد الأغنياء عن بلادهم يجعلهم يشعرون بانتمائهم الفكري والحسي إلى التنظيمات التي تتخذ من الدين ستارا لفعل ما يريدون بزعم خدمة الدين، مُعتقدين أن هذا المسلك يُعزّز من تواجُد هذه التنظيمات في بعض الدول العربية، لا سيما العراق بحكم أنه الدولة الوحيدة التي أصبحت منبع التنظيمات التكفيرية.

ويضيف أن هناك أسبابا أخرى تجعل من اليسير على الأغنياء تقديم المساعدات المالية إلى التكفيريين، منها الوضع الاجتماعي الذي يتمتّع به المنضم إلى تلك الجماعات، حيث أنها توصف لدى الجميع بأنها مكان للنزهة، وهو ما يُشجّع على الانغماس في تجاربها التي تُعدّ جديدة بالنسبة إليهم.

ويضيف علوي أن النتائج التي خرج بها مركز “أحوال مصر” والتي رآها البعض غير صالحة للتعميم على جميع مَنْ هم يتمتّعون بمستوى مادي مُرتفع، لا بد من دراستها جيدا ووضعها في الاعتبار، لأن العنصر الهام الذي تقوم عليه قوة التنظيمات الإرهابية هو المادة، التي تعتبر العمود الفقري لكل التحرّكات داخل التنظيم وخارجه.

ويشير طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية، إلى أن الأمر لم يتوقّف على أبناء الأغنياء أو الطبقات التي تتمتّع بمستوى اقتصادي عالٍ، لأن النتائج التي أخرجتها بعض المراكز الاجتماعية لا تصلح للتعبير عن حالة عامة تعيشها تلك التنظيمات، مؤكدا أن هناك بعض التنظيمات التي تعتمد في استقطابها للشباب على عوامل أخرى بخلاف العامل الاقتصادي، الأمر الذي يوضح عدم اكتفائها بالمال، لأن تمويلها يعتمد على دعم الدول الكبرى والحكومات الدولية؛ مما يجعلها في استغناء تام عن دعم الأفراد أو الأسر.

وأضاف: يؤشر على ذلك الإمكانيات التسليحية والإعلامية التي تستخدمها مُعظم الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم الدولة، في تنفيذ عملياتها ضد المدنيين.

وأوضح، أنه بالرغم من أهمية العامل المالي في توسّع وامتداد تلك التنظيمات الإرهابية، إلا أن الإشكالية لم تتخذ المساحة التي تستحق الدراسة، وما أُشيع عن انضمام شباب الغرب المسلم إلى هذه التنظيمات إنما كــان حول نسبة قليـلة لا تستحق الحديث عنها.

وقال: إن هذه النسبة تشعر بعدم الانتماء إلى الدول التي تعيش فيها، وبالتالي تنظر إلى هذه الجماعات باعتبارها جماعات تُعبّر عن الدول التي نشأوا بها.

وأشار طارق فهمي إلى خطورة ذلك، لافتا إلى أن الدول التي تضم مثل هذه العقليات ستجد أن هناك مَنْ يقيم على أراضيها ويُمثّل خطورة على أمنها القومي، وستعمم النظرة إلى الإسلام والعرب، وقال: لهذا السبب فقط يمكن النظر إلى الأمر بالجدية المطلوبة حتى يمكن القضاء على هذه التحرّكات الخفية.

وأضاف: بعيدا عن الأسباب الأخرى التي تدفع هذه الفئة القليلة إلى الانضمام إلى الجماعات الإرهابية، يمكن القول إن على الدول العربية التركيز على تطوير وسائل وآليات مواجهة الفكر المتطرّف، سواء المنبثق من الجماعات المتطرّفة أو الأفراد التي تتوافَق في فكرها مع تلك الجماعات ودحر هذا الفكر نهائيا، ومن ثمة التخلّص من سيطرة الأداة التسليحية على بعض الدول العربية والتي تؤثّر بالتالي على أمنها القومي، فالأمر لم يعُد مُقتصرا على مصر فقط، بل أصبحت المشكلة شامــلة لأمن الوطن الـعربي واستقراره بأكمله.

13