تغير السلوك الاستهلاكي للأوروبيين يكشف عمق أزمتهم

الاثنين 2016/05/16
الأزمة لم تترك الكثير من الخيارات

باريس- تتحول الفضاءات العامة في عدد من المدن الأوروبية إلى مساحات مكشوفة تعري الواقع الاقتصادي المتراجع وتأثير ذلك على الحياة الاجتماعية والسياسية لأوروبا. ولعل تفاصيل حياة بعض الأوروبيين اليومية كفيلة بكشف ظواهر جديدة قد تكون محل توظيف من قبل اليمين المتطرف الذي يسعى للصعود إلى السلطة بأي ثمن، ومن بين ذلك عودة الأوربيين إلى أسواق الملابس المستعملة، كإشارة على تراجع قدرتهم الاستهلاكية.

والأمر ليس جديدا بالنسبة إلى الفرنسيين، فقد خبروا أسواق الملابس المستعملة منذ ما يقارب العشر سنوات من الآن بعد أن مر الاقتصاد الفرنسي بأسوأ حالاته على الإطلاق. فبالعودة إلى سنة 2006 عندما بدأ البرلمان الفرنسي في نقاش قانون عقود العمل التي وقع إبرامها لأول مرة والإجراءات التي صاحبت القانون من تخفيض في أجور الموظفين الجدد وقيامهم بساعات عمل إضافية، فإن ما يمكن ملاحظته أن مرحلة التقشف الشديدة قد ازدادت بشكل ملحوظ في الإجراءات الإدارية والمالية في فرنسا خلال الفترة الأخيرة.

وبدا أن أسواق الملابس المستعملة التي تعج بالمواطنين المحليين بعد أن كانت موجهة بالأساس إلى التصدير نحو الدول التي تحتاجها مثل دول شمال ووسط أفريقيا، ليست مقتصرة على الفرنسيين فقط بل إن الإيطاليين أيضا يمارسون السلوك نفسه وبنسبة أعلى.

الحركة اليمينية في أوروبا تسعى إلى تضخيم بعض الأزمات الاجتماعية والاقتصادية كي تكون جمهورا واسعا من الناخبين

فقد نشرت صحيفة “سولي 24” التي تصدر في الشمال الإيطالي مجموعة إحصاءات جديدة في خصوص السلوك الاستهلاكي للمواطن الإيطالي وتغيراته في العشر سنوات الأخيرة. وتوصلت الصحيفة بناء على عمل ميداني قام به المعهد الوطني الإيطالي للبحوث “ديبلوميس” إلى أن السلوك الاستهلاكي للمواطن الإيطالي قد تغير بدرجة واضحة جدا، حيث أصبح الإيطاليون يفضلون شراء الملابس المستعملة والاستغناء عن الملابس الجديدة نظرا لعدم تمكنهم من توفير أثمان تلك الملابس الجاهزة.

وقد أشارت مصادر رسمية إلى أن 65 بالمئة من الأوروبيين أكدوا أن سلوكهم الاستهلاكي قد تغير تماما، بما في ذلك طريقة شرائهم للملابس. ويشير تقرير المرصد الفرنسي للاستهلاك “سيتيلام” إلى أن هذه النسبة تعد بشكل أو بآخر تعبيرا عن التحولات الطبقية في أوروبا خاصة أن تلك النسبة في أغلبها تمثل الطبقة الوسطى التي تعيش في دول الاتحاد الأوروبي.

وهذا التحليل يكشف سر تعلق الأوروبيين مرة أخرى بأسواق الملابس المستعملة باعتبارها أسواقا بديلة ويمكن لها أن توفر على الزبون الواحد ما نسبته 60 بالمئة من ثمن الملابس ذاتها التي سوف يقتنيها من محل الملابس الجاهزة، بحسب ما نشره تقرير المرصد. ويقول ميشيل وينتروب، وهو صحافي فرنسي بجريدة “لاكروا” في تحقيق قام به حول أسواق الملابس المستعملة في ضواحي باريس، “أحيانا الفرنسيون أكثر من الأجانب في تلك الأسواق، وهنا أتحدث عن الفرنسيين من الطبقة الوسطى مقارنة بالأجانب الذين يسكنون أحياء بعيدة عن وسط العاصمة لأنهم يفتقدون لتراخيص وأوراق البقاء في فرنسا”. وتساءل وينتروب عن مدى تواصل هذه الظاهرة التي لم تلفت انتباه السلطات بقدر جذبها لاهتمام الصحافيين وباحثي علم الاجتماع والاقتصاد.

الإشكال الذي بدأ في الظهور منذ ما يقرب من العشر سنوات هو أن الجمعيات الخيرية التي تجمع الملابس أكدت في أكثر من مناسبة أن أغلب الأحياء التي كانت تزخر بنقاط التجميع قد انخفضت فيها بشكل ملحوظ نسب التبرع بما يزيد عن حاجتها من المنتوج، الأمر الذي تسبب في إخلاء نقاط التجميع وتحويلها إلى مناطق أخرى ربما تكون أكثر ثراء، وهذا ما أثر على الورشات التي تشتري البضاعة الأولية وتسبب في غلق الكثير منها.

الجمعيات الخيرية التي تجمع الملابس أكدت في أكثر من مناسبة أن أغلب الأحياء التي كانت تزخر بنقاط التجميع قد انخفضت

وقد استغلت شبكات المافيا العدد الهائل من اللاجئين العرب في أوروبا الذي وصل إلى قرابة 264 ألف طلب لجوء، حيث أصبح هذا العدد الضخم خزانا فعليا لشبكات التهريب والأسواق السوداء والعمليات الخارجة عن القانون في التجارة خاصة، وليست أسواق الملابس المستعملة بمعزل عن هذه الظاهرة.

ويؤكد مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابع للأمم المتحدة أن طبيعة استقبال اللاجئين وتحويلهم إلى مراكز كبرى للتجميع وكيفية القيام بدراسة مطالبهم للجوء وعدم السماح لهم بممارسة نشاطات مهنية في الدول التي دخلوها كلاجئين، حوّلت العديد منهم إلى العمل ضمن مجموعات تقوم بأعمال غير قانونية، من ذلك أن ظاهرة انتحال شخصية ناشط بإحدى الجمعيات الخيرية التي تجمع الملابس الجاهزة وتقوم ببيعها إلى الورشات، أصبحت رائجة في العديد من المدن الألمانية والفرنسية والإيطالية وغيرها.

وقد أدت هذه الظاهرة إلى استغلالها سياسيا من قبل اليمين الفرنسي، خاصة حزب الجبهة الوطنية الذي أًصبح يركّز تصريحاته على بعض تفاصيل الحياة في فرنسا وأوروبا بشكل عام. فقد صرحت مارين لوبان، حفيدة مؤسس الجبهة جان ماري لوبان، معلقة على زيادة عدد المقبلين على الملابس المستعملة من الفرنسيين وخصوصا من الطبقة الوسطى “منذ أن كنا نصدر الملابس المستعملة إلى أفريقيا وآسيا أصبحنا نستعملها نحن لأن الأفارقة والعرب والآسيويين يشاركوننا بلدنا”.

وقد كشف هذا التصريح أن الحركة اليمينية بشكل عام في أوروبا تسعى إلى تعظيم بعض الأزمات الاجتماعية والاقتصادية كي تكوّن جمهورا واسعا من الناخبين، إذ يقول المحلل السياسي الفرنسي دومينيك راينياي، إن “الهدف من كل ذلك هو تحويل أزمة الطبقة الوسطى إلى نقاط سياسية يشملها الخطاب اليومي لليمين، فالطبقة الوسطى طبقة واسعة ويجب العمل على مشاكلها للاستقطاب لا غير”.

6