تغير النظام.. على اللبنانيين أخذ العلم

الاثنين 2013/12/23

تكمن إحدى المشاكل الأساسية لـ”حزب الله” في أنّه لم يعد ينطلي على أحد. لا على العرب عموما، خصوصا عندما يهاجم المملكة العربية السعودية، ولا على اللبنانيين خصوصا. هذا لا يعني في أي شكل أنه لم يعد يشكل خطرا. على العكس من ذلك، إن خطره اليوم أكبر من أي وقت بعدما صار يتصرّف من منطلق أنّه القوّة الأساسية في لبنان، وأن دويلته فوق الدولة اللبنانية.

هذا من جهة. هناك من جهة أخرى ترجمة على الأرض لهذا التصرّف، فحواها أنّ النظام في لبنان تغيّر عمليا بقوة سلاح الحزب. صارت النصوص، بما في ذلك الدستور اللبناني مجرّد حبر على ورق.

جاء الخطاب الأخير للأمين العام لـ”حزب الله” بدليل تلو الآخر على أن لبنان مستعمرة إيرانية لا أكثر، وأن الميليشيا المذهبية التابعة لإيران تتولى حكم الوطن الصغير وتنفيذ التعليمات الصادرة من طهران.

من بين هذه التعليمات منع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء المكلّف من تشكيل حكومة. وهذا يعني أن السلاح غير الشرعي الذي يمتلكه الحزب هو الذي يقرّر شكل الحكومة اللبنانية ويحدّد الشروط التي تتشكل هذه الحكومة بموجبها. هذه هي الرسالة التي شاء حسن نصرالله توجيهها إلى اللبنانيين.

إنّه يقول لهم بالفم الملآن أن ليس من حق أي لبناني الاعتراض على الطريقة الجديدة المعتمدة في إدارة شؤون البلد، ولا على الصيغة الجديدة المفروضة على لبنان. لقد تغيّر النظام وعلى اللبنانيين أخذ العلم بذلك. ومن يعترض على الأمر الواقع، يعرف المصير الذي يمكن أن يلقاه. هل هناك رسالة أوضح من هذه الرسالة، خصوصا عندما يحذّر نصرالله من “اللعب معنا”.

كلّ ما في الأمر أن هناك انقلابا حصل في لبنان. هذا ما يفترض باللبنانيين إعلان قبولهم به. الكلام الحقيقي ليس ذلك الكلام الذي يقوله حسن نصرالله عن رفض “حكومة أمر واقع» تضمّ سياسيين محايدين يحبّذ رئيس الجمهورية تشكيلها بالاتفاق مع رئيس الوزراء المكلّف تمّام سلام. الكلام الحقيقي مرتبط قبل أي شيء بالواقع اللبناني الجديد. من يؤلّف الحكومة في لبنان هو “حزب الله”، ولا أحد آخر غير “حزب الله”. لا وزن سياسيا للسنّة في لبنان، ولا وزن للمسيحيين. أما الدروز، فمغلوب على أمرهم بعدما صارت قراهم ومناطقهم مهدّدة بشكل يومي.

كان الخطاب الأخير لحسن نصرالله من أجل تكريس ما يعتقد أنه نجاح للانقلاب الإيراني في لبنان. بيروت مدينة إيرانية على المتوسط. بيروت رهينة إيرانية. لبنان كلّه رهينة. لا حكومة في لبنان إذا لم يكن الغرض من تشكيل هذه الحكومة تغطية ما يرتكبه “حزب الله” في سوريا. فالتدخل الإيراني المباشر وغير المباشر إلى جانب النظام الفئوي في سوريا قضية “وجود” بالنسبة إلى الحزب. كلّ ما تبقى تفاصيل بما في ذلك مصير لبنان واللبنانيين وسوريا والسوريين. مطلوب من الحكومة اللبنانية التصفيق لـ”حزب الله” لأنه يقتل سوريين ويهجّر قرى ويسوي بالأرض أحياء في مدن عريقة.

ما يفعله “حزب الله” في سوريا سبق وفعله في لبنان، هو الذي هجّر في الثمانينات من القرن الماضي أكبر عدد من المسيحيين من بيروت الغربية، كي يأخذ مكانهم وكي يصبح سلاحه موجها إلى الأحياء السنّية في العاصمة. يتبيّن اليوم أن عملية تهجير المسيحيين، بمن في ذلك الأرمن من أحياء في بيروت الغربية، كان سياسة مدروسة بدقّة تستهدف تفادي المواجهة المباشرة مع السنّة في مرحلة أولى.. وصولا إلى غزوة السابع والثامن أيار- مايو 2008.

كان “حزب الله” يطمح إلى عمل الشيء نفسه في طرابلس لو استطاع ذلك ولو لم يتبيّن أن أهل المدينة واعون لمخططاته وعلى استعداد للتصدي لها مهما أرسل إليها من سلاح وغير السلاح.

هناك تتمة للخطاب الأخير لحسن نصرالله. فعندما يؤكد أن المطلوب انتخاب رئيس جديد للجمهورية، نظرا إلى أن ولاية الرئيس الحالي تنتهي في الخامس والعشرين من أيّار- مايو 2014، يجب على اللبنانيين وضع أيديهم على قلوبهم. فهذا يعني أنّه مع الفراغ. ليس صحيحا أنّه ضد الفراغ السياسي في لبنان. مطلوب أن يحصل فراغ، وأن لا يتمكن النواب من انتخاب رئيس للجمهورية، وذلك تمهيدا للانتقال إلى المرحلة الأخيرة من الخطة الإيرانية.

هذه الخطة تعني أوّل ما تعني الانتقال إلى مرحلة تثبيت المثالثة في النصوص وذلك بما يسمح لـ”حزب الله” بحكم لبنان بواسطة الدستور، وليس فقط بواسطة سلاحه غير الشرعي الذي يصرّ على تسميته بسلاح “المقاومة” في حين أنّه لا يقاوم شيئا سوى ثقافة الحياة في لبنان.

شيئا فشيئا، يستفرد “حزب الله” بمؤسسات الدولة اللبنانية من دون استثناء. يعمل على تدمير هذه المؤسسات أو احتوائها الواحدة تلو الأخرى.

لا خيار أمام اللبنانيين، من كلّ الطوائف والمذاهب، من شيعة وسنّة ودروز ومسيحيين، سوى المقاومة، مقاومة ثقافة الموت التي يسعى “حزب الله” إلى فرضها عليهم. ربّما يفسر كمّية الحقد لدى “حزب الله” على طرابلس والشمال اللبناني، وصولا إلى عرسال المرتبطة بالبقاع، أن أهل طرابلس والشمال وعرسال، كما أهل بيروت وصيدا وكلّ منطقة لبنانية يعرفون أن كلّ الكلام عن المقاومة وعن مواجهة اسرائيل ليس سوى كلام. المعركة الحقيقية لـ”حزب الله” ومن خلفه إيران في لبنان وسوريا.

كل المطلوب ابتلاع لبنان بكلّ الوسائل الممكنة بما في ذلك المثالثة، أي تقسيم البلد بين الشيعة والسنّة والمسيحيين، بدل المناصفة بين المسيحيين والمسلمين التي أقرّها اتّفاق الطائف.

أما بالنسبة إلى سوريا، التي يشارك “حزب الله” في المجزرة التي يتعرّض لها شعبها، فهي إمّا مستعمرة ايرانية، كما الحال منذ عشر سنوات على الأقلّ.. وإما بلد مقسّم على أسس عرقية وطائفية ومذهبية.

هل يمكن لإسرائيل أن تكون معارضة لمشروع من هذا النوع يحقق لها كلّ أمنياتها، بل ما يتعدى ذلك؟ هل هذا ما يجعل الأمين العام لـ”حزب الله” يبدو مرتاحا، أقلّه ظاهرا، لدى إلقاء خطابه؟

إعلامي لبناني

8