تغير الوعي الأوروبي والاعتراف بفلسطين

السبت 2014/10/18

حمل قرار مجلس النواب البريطاني، أثناء تصويت رمزي غير ملزم، الاعتراف بدولة فلسطين الكثير من المعاني العاطفية، والإشارات الإيجابية للفلسطينيين. الشحنة العاطفية المكثفة جاءت من الذاكرة الأليمة التي لا يمكن التعايش معها. ففي كل عام، يستذكر الفلسطينيون، ذكرى “وعد بلفور” (1917). ويستعيدون تلك الرسالة المشؤومة التي بعث بها وزير الخارجية البريطانية إلى زعماء الحركة الصهيونية، وقد ضمّنها تعهدا بإقامة “دولة لليهود في فلسطين”.

أهمية القرار لا تقتصر فقط على كونه صادرا عن بريطانيا، الدولة الأولى التي دعمت إقامة الدولة الصهيونية على أرض فلسطين التاريخية، ولا لكونه يمثل فشلا للدبلوماسية الإسرائيلية التي حاولت ثني البرلمان البريطاني عن إقرار الاعتراف. ولكن والأهم، أن القرار يمثل الإشارة الأبرز لحدوث تحول في الرأي العام الأوروبي تجاه الدولة الصهيونية وتجاه حقوق الفلسطينيين.

طوال العقد الماضي، تحدثت جمعيات المجتمع المدني المؤيدة للقضية الفلسطينية في أوروبا عن “بداية” تحول في الرأي العام ليصبح أكثر كشفا ونقدا لسياسات إسرائيل. ويبدو أننا اليوم قد اجتزنا مرحلة البدايات، وحققنا نقلة فعلية إيجابية في الرأي العام الأوروبي.

إحدى الصحف البريطانية، نقلت في أعقاب التصويت البرلماني التاريخي عن سفير الدولة الصهيونية في لندن، أنه لمس هذا التغيير في الرأي العام. فالسفير دانيال طوب الذي ولد وترعرع في بريطانيا، لمس تغيرا كبيرا بين وجهة النظر التي خبرها زمن طفولته، والتي كانت تناصر الدولة الصهيونية دون جدال، ووجهة نظر اليوم التي تميل إلى النقد.

اختفت أفكار عديدة كانت شائعة وراسخة في الوعي العام الأوروبي حول إسرائيل والصراع الفلسطيني الإسرائيلي. اندثرت تلك الفكرة الساذجة التي سيطرت طويلا على عقول الأوروبيين، ولا تزال حاضرة في صفوف اليمين الأوروبي، والتي تصور إسرائيل جزيرة للديمقراطية في محيط صاخب من اللاعقلانية والعنف والهمجية العربية.

كما تراجعت تلك الفكرة التي هيمنت على الوعي السياسي الغربي حتى مطلع القرن الحالي، والتي تعتبر أن إسرائيل كانت دائمة الاستعداد للمفاوضات، وللتوصل إلى حل سلمي مع الطرف الفلسطيني، لكن الأخير هو من كان يرفض التسوية، وذلك بسبب هيامه بالعنف والقتل كوسيلة نضالية. وكان ذلك يحيل الفلسطينيين وفصائل منظمة التحرير إلى مجرد إرهابيين في نظر الغرب.

دعمت إسرائيل ذلك التصور، فتحدثت عن مشكلتها الأزلية مع الفلسطينيين في أنهم ليسوا شركاء سلام. وعندما ذهب الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إلى مفاوضات كامب ديفد، ورفض الإذعان والتنازل لإسرائيل عن كل فلسطين، وكان قد قبل التنازل عن معظمها، وجهت له إسرائيل التهمة الجاهزة، فلم يعد شريكا للسلام. لتقوم لاحقا باغتياله عن طريق السم.

واصلت إسرائيل سياسة الحرب على الفلسطينيين، وعملت على قضم المزيد من أراضيهم عبر التوسع الاستيطاني. كانت تقوم بذلك على مرأى من العالم أجمع بصلافة المحتل وعنجهيته. وقد أسفرت سياستها الجنونية عن تقويض حل الدولتين، وتكريس صورة لدى الرأي العام العالمي بأن إمكانية نهوض دولة فلسطينية في أرض تنحسر يومياً ويحتلها 600 ألف مستوطن، باتت مستحيلة.

هنالك وعي كبير اليوم في أوروبا بقضية الاستيطان وأثرها التدميري على عملية السلام. يعي الأوروبيون جيدا بأن نحو 14 ألف وحدة استيطانية تمت الموافقة على تشييدها أثناء محادثات السلام الأخيرة التي استمرت تسعة أشهر، لم يعد ذلك سرا تمتنع وسائل الإعلام عن عرضه، والحكومات عن نقده.

التغير الحاسم أيضا، حدث في نظرة الرأي العام الغربي إلى طبيعة الدولة الإسرائيلية، بوصفها دولة عنصرية تتناقض مع القيم الأولية للديمقراطية. فقد بات قسم كبير من الأوروبيين على درجة جيدة من الوعي بالعنصرية المتفشية في إسرائيل ضد العرب وضد القوميات والأديان غير اليهودية. إذ لا يتوقف المسؤولون الإسرائيليون عن التبجح برغبتهم في إقامة “دولة يهودية”. وتعتبر استحالة التوفيق بين أن تكون دولة ديمقراطية ليبرالية، ويهودية في نفس الوقت، من بداهات الثقافة الديمقراطية. ولا ينطلي التلاعب بتلك القيمة الجوهرية حتى على الأطفال في أوروبا.

ويبقى السؤال الأهم، متى يتغير موقف الحكومات من إسرائيل؟ متى تعتبر تلك الحكومات أن الدولة الصهيونية العنصرية باتت عبئا لا يمكن الدفاع عنه كما حدث مع دولة الابارتهايد في جنوب أفريقيا، حين تغير الموقف الدولي منها واستدعى ذلك تفكيكها.

يبدو الأمر أصعب هنا، ولو أنه شرع في التغير، إذ اعترفت 134 دولة بفلسطين، آخرها السويد قبل نحو أسبوعين. لكن الدولتين اللتين أنشأتا ورعتا إسرائيل، بريطانيا وأميركا، تبدوان بعيدتين عن الإقرار بحقوق الفلسطينيين. بالعكس من ذلك، تبدوان أقرب إلى دعم الاحتلال الوحيد المتبقي في العالم، ما يعني أن معركة الفلسطينيين والعرب مع الدولة الصهيونية وداعميها لا تزال طويلة ومركبة. وحسنا يفعل الفلسطينيون وكل المؤيدين لحقوقهم بأن يثابروا على النضال لجعل كلفة الاحتلال باهظة، إلى درجة لا يمكن احتمالها.


كاتب فلسطيني سوري

8