تغييب ممنهج للأكراد بلجنة صياغة الدستور السوري الجديد

التشذرم دفع تركيا للتمادي بإقصاء الأكراد من المشاركة في كل المقررات.
الاثنين 2019/09/30
فوبيا الأكراد تقلق مضجع تركيا

أبصرت اللجنة الدستورية السورية النور أخيرا، بعد إعلان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن تشكيلها بموافقة النظام السوري والمعارضة. غير أن حضور أكراد سوريا ضمن فريق صياغة الدستور الجديد، ظل ضعيفا ومهمشا، ما يعكس إقصاء للأكراد بتغييب ممنهج تقف وراءه تركيا، التي تلتقي مع النظام السوري على ضرورة معاداة نفوذ المكون الكردي بالمنطقة.

أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، خلال مؤتمر صحافي عقده في مقر المنظمة الأممية بنيويورك في الـ18 من الشهر الجاري، عن التوصل إلى اتفاق على تشكيل لجنة صياغة الدستور السوري الجديد وسط تساؤلات عديدة حول غياب أو تغييب التمثيل الكردي السوري الحقيقي والواقعي في تلك اللجنة.

وقال غوتيريش خلال ذلك المؤتمر الصحافي “يوجد الآن اتفاق بين جميع الأطراف على تكوين اللجنة… آمل أن تكون هذه الخطوة مهمة للغاية في تهيئة الظروف لحل سياسي لهذا الصراع المأساوي”.

وتضمّ اللجنة الدستورية 150 عضوا، 50 منهم تختارهم دمشق، و50 تختارهم المعارضة، و50 ممثلا عن المجتمع المدني السوري. في المقابل، لم يكن نصيب الأكراد الذين يتراوح تعدادهم في سوريا بين أربعة وخمسة ملايين نسمة، وبنسبة تتفاوت بين 15 و20 بالمئة من مجموع السكان، من نسبة تمثيل لجنة صياغة الدستور سوى الصفر تقريبا.

من البديهي القول إن قائمة النظام ستخلو من أي ممثل عن الأكراد في سوريا وذلك لطبيعة النظام الشمولية والاستبدادية وعدم اعترافه بالأساس بوجود قضية كردية في سوريا بالمعنى الجيوسياسي للكلمة.

 بدوره، منح الائتلاف السوري المعارض -الموالي لتركيا والذي يتخذ من إسطنبول مقرا رئيسيا له-المجلس الوطني الكردي الذي يعتبر أحد مكونات الائتلاف، شرف الانضمام إلى لجنة صياغة الدستور بشخص واحد فقط، وذلك ضمن وفد الائتلاف وكممثل عنه وليس ممثلا عن المكوّن الكردي في سوريا.

اللافت للنظر، أن تصريح غوتيريش بخصوص تشكيل لجنة صياغة الدستور السوري الجديد أعقب قمة أنقرة الأخيرة التي جمعت بين الدول الضامنة الثلاث لمسار أستانة وهي تركيا، روسيا وإيران. وهذا بدوره، يشير إلى البصمات الواضحة والإملاءات الفاضحة لهذه الدول الثلاث، وخاصة تركيا، في إقصاء المكون الكردي من المشاركة في لجنة صياغة الدستور أو الحيلولة دون إضفاء طابع الخصوصية والاستقلالية لتمثيل مطالب وتطلعات الأغلبية من هذا المكون.

كل دولة من هذه الدول الثلاث لها مشكلتها الثأرية الخاصة مع الأكراد في سوريا. لكن قبل الخوض في غمار مواقف الدول الثلاث وتقاطعها مؤخرا لحرمان الأكراد بسوريا من المشاركة في لجنة صياغة الدستور بوفد خاص ومستقل، لا مناص من تسليط بعض الأضواء على ما نعنيه بالتمثيل السياسي للأكراد في سوريا والممثلين السياسيين لهم.

انقسام البيت الكردي

تمثل الإدارة الذاتية لشمال وشمال شرقي سوريا التي يتحكم في مفاصلها حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه العسكري قوات سوريا الديمقراطية، جزءا من مطالب وطموحات الأكراد في سوريا على الرغم من أن برنامج وأطروحات الحزب لا يكتسيان الطابع القومي التقليدي، لكنه مع ذلك يستحوذ على تأييد وتعاطف مئات الآلاف من الأكراد في سوريا.

وسلطة الإدارة الذاتية هي حالة سياسية وعسكرية واقعية وميدانية ملموسة، بحيث إن هذه هي المرة الأولى التي يتمتع فيها الأكراد في سوريا خلال تاريخهم بهذا الوزن والأهمية على المستويين الإقليمي والدولي منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا سنة 2011.

ويعتبر حزب الاتحاد الديمقراطي فرعا لحزب العمال الكردستاني في كردستان سوريا وتابعا لمحور قنديل في المعادلة الكردستانية. في المقابل، غريمه اللدود، المجلس الوطني الكردي، المنضوي تحت راية الائتلاف السوري المعارض، والذي يتألف من حوالي خمسة عشر حزبا كرديا كلاسيكيا، يمثل أيضا تطلعات وآراء شرائح واسعة من الأكراد في سوريا، وهو تابع لمحور أربيل في كردستان العراق.

ما قضية البعثرة والشقاق حول التمثيل الكردي في لجنة صياغة الدستور سوى مظهر من مظاهر البؤس السياسي والفكري الكردي الموغل في القدم بسوريا

 لكن أحزاب المجلس الوطني الكردي تعتبر حالة افتراضية ونظرية لم يرق خطابها بأن يتحول إلى واقع وحقيقة طيلة عقود كاملة، وقد فقد هذا المجلس مؤخرا الكثير من شعبيته ومصداقيته في الشارع الكردي بسوريا وخاصة بعد ما حدث في عفرين منذ حوالي السنة والنصف من احتلال وقتل وتشريد بحق سكانها الأكراد من قبل تركيا والفصائل العسكرية المتشددة والموالية للائتلاف السوري الذي ينتمي إليه المجلس الكردي نفسه. بمعنى آخر وعبارة أدق، الأكراد في سوريا منقسمون في الأعم الأغلب في الولاء إلى محورين كردستانيين متناقضين ومتخاصمين، وهما البارزانية في كردستان العراق والأوجلانية في كردستان تركيا.

هذه الانقسامات الحادة والمزمنة التي تعصف بالحياة السياسية والحزبية للأكراد منذ أمد طويل انعكست سلبيا على آفاق حل القضية الكردية في سوريا، وما قضية البعثرة والشقاق حول التمثيل الكردي في لجنة صياغة الدستور السوري الجديد سوى فصل ومظهر من مظاهر هذا البؤس السياسي والفكري الكردي الموغل في القدم بسوريا.

بدوره، شجع التشرذم الكردي الداخلي في سوريا الدول الضامنة الثلاث، وعلى وجه الخصوص تركيا على التمادي في تحييد وإبعاد الجانب الكردي عن إمكانية الحضور الخاص والمستقل في لجنة صياغة الدستور السوري.

 فوبيا الأكراد

لكل دولة من الدول الضامنة الثلاث قصتها السلبية الخاصة مع الأكراد وممثليهم السياسيين في سوريا، والتي تنطوي على الانتقام والتشفي.

المعاداة التركية التاريخية الممنهجة والمؤدلجة للتطلعات الكردية المشروعة في كافة أجزاء كردستان منذ تشكيل الدولة التركية الحديثة سنة 1923 وإلى الوقت الحاضر، خاصة بعد استلام حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا سنة 2002، ظاهرة مرضية لا تحتاج إلى بذل الكثير من الجهد والعناء للتوكيد.

 منذ ذلك الحين وتركيا تعاني من الفوبيا الكردية التي تتعاظم أعراضها باطّراد واستمرار. خاصة بعد الحالة العسكرية الكردية في سوريا منذ 2012 والمتمثلة في قوات وحدات حماية الشعب وقوات وحدات حماية المرأة التي تشكل النواة الرئيسية والعمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية والتي تعتبر بدورها القوة الضاربة التي قصمت ظهر تنظيم داعش في سوريا والمدعومة من الولايات المتحدة.

تعاظم القلق التركي وتضاعف بعد تأسيس الإدارة الذاتية لشمال وشمال شرقي سوريا سنة 2014 من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يعتبر الغطاء السياسي لمجاميع تلك القوات العسكرية الآنفة الذكر والتي تندرج في عداد امتدادات حزب العمال الكردستاني في تركيا الذي يحارب الدولة التركية منذ عام 1984.

وتسيطر هذه الإدارة على أكثر من ثلث الأراضي السورية الغنية بالنفط والغاز، وتتمتع بصفة مباشرة بدعم ورعاية من قبل واشنطن. لذلك كان إقصاء ممثلي الإدارة الذاتية عن لجنة صياغة الدستور السوري الجديد هاجس تركيا الأول والأساسي.

 بدورها تريد روسيا معاقبة الأكراد في سوريا وخاصة الإدارة الذاتية وغطاءها السياسي والعسكري، أي حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات سوريا الديمقراطية وذلك لتعاونهم اللامتناهي واللامحدود مع الولايات المتحدة التي تمدّهم بشتى أنواع الدعم العسكري واللوجستي والمالي.

 إيران أيضا تواقة إلى معاقبة حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه العسكري؛ قوات قسد، لتعاونهما مع واشنطن التي تستبسل في تحجيم الدور الإيراني المقيت في سوريا، خاصة وأن الميليشيات الطائفية المدعومة من إيران والنظام السوري اصطدمت عدة مرات مع قوات قسد في شرق سوريا وتكبدت خسائر فادحة في الأرواح والعتاد بعد مؤازرة الولايات المتحدة القوية لقوات قسد. وبدورها رحبت الخارجية الأميركية بتشكيل اللجنة الدستورية السورية دون التعليق الفائض حول إشكالية التمثيل الكردي المغيب.

دستور قديم- جديد

معاداة تركية تاريخية ممنهجة
معاداة تركية تاريخية ممنهجة

لم تكن ولادة لجنة صياغة الدستور السوري الجديد قيصرية ومبكرة فحسب، لكن أيضا جاء الجنين المسمى “باللجنة الدستورية” مشوّها وممسوخا خلقيا وعقليا. ويعتبر الإقصاء الكردي بالتغييب المبرمج والممنهج عن المشاركة في لجنة صياغة الدستور السوري من قبل الدول الضامنة الثلاث، وعلى وجه الخصوص تركيا، وكذلك من قبل النظام السوري والمعارضة السورية سواء كان ذلك بإبعاد ممثلي الإدارة الذاتية لشمال وشمال شرقي سوريا التي تسيطر على أكثر من ثلث الجغرافيا السورية أو من خلال تقزيم الائتلاف السوري المعارض لتمثيل المجلس الوطني الكردي بمندوب واحد فقط، أحد تجليات هذه الولادة القيصرية والشلل الخلقي والعقلي لهذا القزم السياسي المسمى بلجنة إعداد الدستور السوري.

في المقابل، وعلى النقيض من ذلك، فإن مشاركة الأكراد السياسية والمدنية في إعداد وصياغة الدستور السوري الجديد بما يتناسب طردا مع نسبتهم وعددهم وكذلك مع جماهيرية وفاعلية قواهم السياسية، كانت من شأنها أن تكون علامة فارقة وبرهانا ساطعا على احتمال جنوح الدستور الجديد والفعل الذي قد يتمخض عنه نحو القليل من الواقعية والديمقراطية والتعددية.

 لكن مع الأسف، فقد تمخض جبل الدول الضامنة الثلاث بالإضافة إلى جبل النظام والمعارضة في سوريا وكان المولود فأرا أسموه “لجنة صياغة الدستور السوري” القديم- الجديد، وهكذا بينما كان الدستور القديم مصبوغا ومتخما بالطابع البعثي العروبي، فإن ما يسمى بالدستور الجديد يبدو أنه لن يطرأ عليه أي تغيير جذري سوى إضافة بعض خاصيات الإسلام السياسي إليه في إطار نكهة الإخوان المسلمين السامة.

7