تغييرات صحافية بمصر تفتح الباب لدمج المؤسسات الخاسرة أو غلقها

الحكومة تتعامل مع مؤسساتها الصحافية ككيانات ميتة إكلينيكيا.
الاثنين 2020/09/28
تغيير لا ينهي التراجع المستمر

تحولت غالبية الصحف الحكومية في مصر إلى نشرات حكومية، وصارت بعيدة عن الشارع ومشكلاته. وكان الصحافيون يأملون أن يكون تغيير رؤساء مجالس إدارات وتحرير الصحف مقدمة للحل، إلا أنهم فوجئوا أن التغيير المفترض جاء بعنوان "يبقى الوضع على ما هو عليه".

القاهرة - استقبلت الجماعة الصحافية في مصر، تغييرات رؤساء مجالس إدارات وتحرير الصحف الحكومية (القومية)، السبت، بحالة من التعجب، بعد الإبقاء على أغلب الأسماء التي كانت مرشحة للرحيل عن مناصبها، لإخفاقها في أداء المهمة، وتعميق أزمات الصحف التي تديرها، على المستوى التحريري والإداري والاقتصادي.

لم يتغير سوى عدد محدود من القيادات الصحافية، على رأسهم ياسر رزق رئيس مجلس إدارة وتحرير مؤسسة أخبار اليوم، وهو من أقرب الصحافيين إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي، وجرى تغيير آمال فوزي زوجة أسامة هيكل وزير الدولة للإعلام، وترأست تحرير مجلة نصف الدنيا النسائية الفترة الماضية، في مؤشر يعكس رفض بقاء أسماء يعتقد البعض أنها تمثل مراكز قوى في المشهد الإعلامي.

وارتبطت المفاجأة عند أبناء المهنة بأن الكثير من الأسماء المستمرة في مناصبها، لم تصنع لإصداراتها الصحافية انتصارا مهنيا لافتا يمكن أن يشفع لها بالاستمرار عند تقييم الأداء، ويكون دافعا لدى الجهات المعنية بإدارة المشهد، للإبقاء عليها وتحقيق المزيد من النجاحات، فكل المؤسسات تعاني من أوضاع مأساوية دفعت الجمهور إلى هجرتها والانصراف عنها إلى صحف ومواقع خاصة.

ويشعر عدد كبير من الصحافيين بأن حركة التغييرات، التي جرت السبت، مقدمة لتفعيل نصوص قانون تنظيم الصحافة والإعلام، الذي يسمح للحكومة بغلق ودمج الإصدارات الخاسرة، لترشيد النفقات والحد من الخسائر.

وتم إلحاق جميع الإصدارات الإلكترونية تحت مظلة صحف ورقية مسائية، بمعنى أنها لم تعد مستقلة المحتوى، بما يتيح لها التغريد خارج السرب.

ودمجت إصدارات ورقية أسبوعية مع أخرى تحت إشراف تحريري واحد، في اختبار حكومي لإمكانية التوسع والانطلاق نحو تطبيق القانون حرفيا، وسط مخاوف من العاملين بالمؤسسات من أن يتم التركيز على انتشال الصحف من عثراتها اقتصادية على حساب تطوير المحتوى التحريري، ليكون ذلك بمثابة مدخل نحو خصخصتها.

يحيى قلاش: يصعب احتواء أزمات المؤسسات بعيدا عن نظرة الشارع لها
يحيى قلاش: يصعب احتواء أزمات المؤسسات بعيدا عن نظرة الشارع لها

ولن تواجه الحكومة معضلة في توسيع قاعدة الدمج والإغلاق للإصدارات الصحافية، كذلك لن تغامر قيادة صحافية بالدخول في مواجهة غير محسوبة لمنع اندثار صوت إعلامي إلى الأبد، كما أن عددا من أعضاء مجلس نقابة الصحافيين المعنية بحماية المهنة، رؤساء تحرير ومجالس إدارات لإصدارات قومية.

وأكد يحيى قلاش نقيب الصحافيين السابق، أن مشكلة الحكومة في اقتناعها بأن أزمات الصحف القومية تقتصر على تغيير الأسماء دون النظر لتطوير المحتوى، ويصعب احتواء أزمات المؤسسات بعيدا عن نظرة الشارع لها، فالمواطن قد يكتفي بشراء صحيفة واحدة، لأنه على ثقة بأن كل الإصدارات تنشر نفس المضمون.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، أن العنوان الرئيسي لحركة التغييرات الصحافية هو “يبقى الوضع على ما هو عليه”، مع أن المهنة تتغير بشكل متسارع لتواجه تطورات العصر، ولا وقت للتراخي أو الاستخفاف بتداعيات التأخر عن التطوير، لأن ذلك يقود إلى المزيد من الانهيار والقطيعة مع الجمهور، والحكومة هي الخاسر الأول لأنها بذلك تهدم منبرا هاما يستطيع أن ينقل صوتها للناس.

ولفت قلاش، إلى أن هناك شعورا قويا بأن تغييب الكوادر المهنية والإدارية عن تولي مهام الصحف القومية شبه متعمد، لتزداد مشكلاتها ويكون التدخل لتصفيتها مشروعا. فبعض الأسماء سوف تزيد أزمات لمؤسساتها، وأخرى مكلفة بالإدارة وهي لا تجيد ذلك لاقتصار خبراتها وتراكماتها على العمل الصحافي فقط، فكيف ينتشل هؤلاء مؤسساتهم من الأزمة الاقتصادية؟

ويبدو أن استراتيجية الحكومة في التعامل مع مؤسساتها الصحافية خلال الفترة المقبلة، سوف تقوم على سياسة توزيع الأدوار، بحيث تتولى بنفسها مهمة حل المشكلات المالية والاقتصادية بعيدا عن القيادات الموجودة، وتكون قراراتها إلزامية (مثل الدمج والغلق وبيع الأصول)، وتترك لهم فقط المهمة التحريرية، التي هي بالأساس قائمة على تلميع صورة الحكومة.

وكشفت التغييرات أن الحكومة أصبحت تتعامل مع مؤسساتها الصحافية ككيانات ماتت إكلينيكيا، ولا تريد ضخ الدماء في عروقها لتطويرها، ولم تعد تهتم بانتقاء قياداتها بشكل احترافي لتجعل منهم قادة رأي وفكر وأصحاب صوت مؤثر.

الكثير من الأسماء المستمرة في مناصبها، لم تصنع لإصداراتها الصحافية انتصارا مهنيا لافتا يمكن أن يشفع لها بالاستمرار عند تقييم الأداء
الكثير من الأسماء المستمرة في مناصبها، لم تصنع لإصداراتها الصحافية انتصارا مهنيا لافتا يمكن أن يشفع لها بالاستمرار عند تقييم الأداء

وتحولت غالبية الصحف القومية إلى نشرات حكومية، وصارت بعيدة عن الشارع ومشكلاته وأزماته، حيث يسارع المسؤولون إلى منع نشر محتويات تحوي آراء معارضة خوفا من المساءلة.

يقول مراقبون، إن التغيير الذي أبقى على معظم القيادات السابقة يُنذر باستمرار التردي في الوضع المهني، لأن مساحة الحرية النسبية والاختلاف يرفض رؤساء التحرير استغلالها، خوفا من الوقوع في بعض المحظورات، مع أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي طالب الصحف أن تساعده وتصبح شريكة في مراقبة أداء المؤسسات المختلفة.

عندما استطلعت “العرب” آراء البعض من الصحافيين بالمؤسسات القومية حول التغييرات، جاءت ردودهم متشائمة حيال إمكانية أن يكون هناك تطوير في المستقبل، لأن من بقوا في مناصبهم ظهروا كأنهم كوفئوا على ما قدموه من ولاء مطلق للحكومة دون بذل جهد حقيقي، ومن الصعب تغيير سياساتهم التحريرية لتكون أكثر مهنية وموضوعية وتلامس رغبات الناس وتطلعات الشارع.

قال أحمد سعد، وهو اسم مستعار لصحافي بمؤسسة قومية لـ”العرب”، إن الحكومة كانت سابقا تهتم باختيار قيادات ذات ثقل مهني لحاجتها إلى الصحافة، وبعد توافر بدائل كثيرة، أهمها مواقع التواصل الاجتماعي، لم تعد بحاجة للصحف الرسمية.

سقطت الصحافة القومية في دوامة من الأزمات ولم تعمل الحكومة على مساعدتها لتجاوزها، فهناك خسائر مادية بالجملة، وتراكم كبير للديون، وتأخر للمستحقات المالية للصحافيين، وتراجع فاضح في نسب التوزيع.

تعزز هذه المشكلات تراجع نظرة الحكومة للصحف القومية على أنها المنبر الإعلامي الأكثر تأثيرا في الناس، فلم تعد مهتمة بتوصيل رسائلها للجمهور من خلال إصداراتها اليومية أو حتى الإلكترونية، ونادرا ما يخص مسؤول كبير إحدى الصحف بحوار حصري، حتى الرئيس السيسي الذي كان يحاور رموزها على فترات لم يعد يفعل ذلك، وكأنها رسالة احتجاج ضمني على الحال الذي وصلته الصحافة.

وكان آخر حوار أجراه السيسي مع رؤساء تحرير الصحف القومية، في مايو 2017، وهو ما اعتبره متابعون رسالة سلبية للصحافة، وأنها لم تقم بدورها على أكمل وجه.

ويعزو بعض المراقبين غياب الأسماء الأكثر قدرة على التغيير في المؤسسات القومية إلى عدم وجود فرز للكفاءات، وبدت خيارات الحكومة محدودة للغاية، فإما أن تُجازف باختيار مهنيين من الصفوف الثانية قد يثيروا لها مشكلات، أو تواصل الاستعانة بأهل الثقة لتجنب حدوث منغصات فتجد نفسها أمام مطالبات حقيقية بالإصلاح.

18