تغييرات عميقة في المؤسسة العسكرية الجزائرية

الجنرال أحمد قايد صالح يحدث صدمة داخل الجيش والمؤسسات المدنية.
الأحد 2018/08/19
دور محوري للمؤسسة العسكرية

أعفى الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة اثنين من أكبر ضباط المؤسسة العسكرية، وهما الجنرالان الحبيب شنتوف وسعيد باي، الرجلان القويان في الجيش خلال العقدين الماضيين. وتعيد إقالة المسؤولين العسكريين البارزين إلى ذاكرة الجزائريين ظروفا مشابهة سابقة تأتي في خضم الصراع على السلطة، الذي يتكرّر حاليا مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي، ومع عودة قوية للجنرال أحمد قايد صالح إلى الواجهة.

الجزائر - أنهى الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة مهام ضابطين كبيرين في قيادة الجيش وهما اللواء الحبيب شنتوف قائد الناحية العسكرية الأولى، وقائد الناحية العسكرية الثانية اللواء سعيد باي.

وتمت إقالة الجنرالين عن قيادة الناحيتين العسكريتين الأولى والثانية في ظروف متشابهة سابقة، الأمر الذي يكشف عن وقوع المؤسسة العسكرية في صلب التجاذبات السياسية في البلاد، رغم خطاب الحياد الذي تروج له القيادة مع اقتراب المواعيد الانتخابية أبرزها السباق الرئاسي في أبريل 2019.

وتنقسم الجزائر إلى ست نواحي عسكرية، وتعد الناحية العسكرية الأولى أهم هذه النواحي لأنها تضم العاصمة الجزائر، أما الناحية العسكرية الثانية فذات أهمية خاصة لأنها تضم مدينة وهران، كبرى مدن منطقة الغرب الجزائري، على الحدود مع المغرب.

وكان الجنرالان المبعدان، الجمعة، قد عيّنا على رأس الناحيتين العسكريتين المذكورتين عام 2004، في خضم تحولات كبيرة، ارتبطت حينها بصراع شرس بين الرئيس الحالي للمرور إلى ولايته الثانية وبين منافسه علي بن فليس، المدعوم آنذاك من طرف ضباط كبار عارضوا استمرار بوتفليقة في السلطة.

وعملية إقالة المسؤولين العسكريين ليست بمنأى عن محاولات الاستحواذ على السلطة، السيناريو الذي ظل يتكرر في المشهد السياسي بالبلاد، حيث يتجنّد محيط بوتفليقة والأحزاب الموالية له، لدعمه في ولاية رئاسية هي الخامسة على التوالي، وسط ردود فعل رافضة لقوى المعارضة، ودعوات من طرف بعض الأطراف لمرافقة الجيش لعملية انتقال سياسي واقتصادي في البلاد.

وأطاح حراك 2004 بقائد أركان الجيش الجنرال الراحل محمد العماري، وتمت هيكلة قيادات المؤسسة بضباط سامين جدد، على رأسهم الجنرالان المذكوران، وقائد الأركان الحالي الجنرال أحمد قايد صالح، الذي كان حينها قاب قوسين أو أدنى من إنهاء المهام، لولا إنقاذه في آخر المطاف من طرف بوتفليقة وتعيينه خلفا للعماري في إطار ترويض المشكوك في ولائهم له.

وتعيش الجزائر حاليا ذات الحراك بإيعاز من الجنرال أحمد قايد صالح، في سبيل عملية ترتيب وتطهير مشابهة، لتأمين عودة قوية للساحة السياسية، بعد الانطباع الذي ساد خلال السنوات الأخيرة، حول تراجع نفوذ الجيش، خاصة بعد تخلص بوتفليقة من ألد خصومه في المؤسسة العسكرية، وهو مدير جهاز الاستخبارات السابق الجنرال محمد مدين (توفيق) عام 2015، وقبله عدد من ضباط الجهاز الكبار.

ويبقى السباق حول الرئاسة القاسم المشترك بين مختلف الحركات المهمة التي عرفتها المؤسسة العسكرية خلال العقدين الأخيرين، وإذا ارتبطت في 2004 و2013 بإبعاد الأجهزة والضباط المناوئين لبوتفليقة، فإن الحركة الأخيرة لا يزال موقفها غامضا من مسألة مرشح الانتخابات الرئاسية.

في عملية التغيير الأخيرة بالمؤسسة العسكرية، بات الجنرال أحمد قايد صالح المتواري عن الأضواء يوقع على القرارات وتنسب له بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة

ويشير مصدر مطلع إلى أن عهد الوفاء الأخلاقي المبرم بين قايد صالح وبوتفليقة منذ العام 2004، لا يمكن أن يفسخ بسهولة، وأن الأول لا يمكن أن يعارض الثاني إذا أراد الاستمرار في قصر المرادية، حيث تم إنقاذه من التسريح بقرار من قائد الأركان السابق محمد العماري وهو بمثابة جميل لا يستطيع قايد صالح إنكاره.

وتثير حملة التطهير التي شملت ضباطا عسكريين في أجهزة الدرك والأمن الذين استعان بهم بوتفليقة في وقت سابق، من أجل ضمان ميلان كفة التوازنات لصالح مؤسسة الرئاسة، تساؤلات حول الأبعاد والخلفيات التي أطاحت بأسماء ثقيلة في قيادة الجيش والأمن والدرك، ومرشحة لحصد المزيد من الرؤوس، عشية التحضير لموعد الانتخابات الرئاسية.

ويضيف المصدر أن “الجنرال  قايد صالح بات في مركز ثقل ، بعد إعادة جهازي الأمن والدرك إلى السلطة المعنوية للعسكر، وبعدما كادا أن يفلتا منه خلال السنوات الماضية بالتحول إلى قوتين موازيتين لقوة ونفوذ الجيش، بسبب التوجهات التي أدرجها قائداهما المقالان الجنرالان عبدالغني هامل ومناد نوبة على الجهازين وسيرهما نحو استقلالية عن سلطة العسكر”.

ومثلت شحنة الكوكايين الضخمة المحجوزة في نهاية مايو الماضي في ميناء وهران، الورقة التي وظفها قايد صالح، في حملة التطهير والترتيب العميقة، بعد اتهام أسماء وشخصيات من مؤسسات مختلفة في الفضيحة، وتحولها إلى قضية فساد تدين السلطة بالدرجة الأولى، فضلا عن ملفات فساد ارتبطت بضباط أحيلوا إلى القضاء العسكري بعد تنحيتهم.

ورغم الترويج لنأي المؤسسة العسكرية عن الشأن السياسي والالتزام بالمهام الدستورية، فإن تزامن عمليات التغيير العميقة مع استحقاقات سياسية مهمة، تجعل من المؤسسة في صلب التوازنات السياسية، وليس بعيدا أن يكون ما أقبل عليه قايد صالح خلال الأسابيع الأخيرة، متصلا بما حدث في 2004 و2013، رغم الفارق اللافت بينهما، ففي الأولى والثانية ظهر فيها الرئيس بوتفليقة الفاعل الأساسي، أما في العملية الأخيرة (2018)، فإن الرجل المتواري عن الأضواء هو من يوقّع على القرارات، وتنسب له بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكل شيء يتم باقتراح من قايد الأركان.

ومن المتوقع أن تطال أيادي التغيير قريبا ضباطا آخرين في وزارة الدفاع الوطني نفسها وفي عدد من المديريات، وعلى رأسها الأمين العام للوزارة ومدير أمن الجيش، لتكون بذلك أوسع وأعمق حركة تغيير داخل الجيش ، تعيد رسم التوازنات داخل المؤسسة من جهة، وداخل أركان النظام من جهة ثانية.

ويرى خبراء عسكريون أن وصول العملية إلى قادة النواحي، عبر الإطاحة بجنرالين عمّرا 14 عاما بمنصبيهما على رأس ناحيتين عسكريتين، يصنع خلفية جديدة للجيل الجديد من الضباط لا تمتّ بصلة للترتيبات السياسية التي جاءت بالكثير منهم إلى مناصبهم من أجل تمرير أجندة السلطة الحالية.

2