تغييرات في التمثيل السياسي لسنّة العراق باستبدال الوجوه المستهلكة

التقاء مصالح بين الأحزاب الشيعية الحاكمة ونخب سنية صاعدة، وصراع داخلي يدخل سكان المناطق السنية في متاهة جديدة.
الاثنين 2018/04/02
فريق من مكتوفي الأيدي في دوري الأحزاب المسلحة

بغداد - تصارع القوى السياسية التقليدية في الأوساط السنية العراقية، للحفاظ على حضورها، قبيل الانتخابات العامة المقررة لشهر مايو القادم، وسط صعود ملحوظ لأحزاب ناشئة تطرح نفسها ممثلا جديدا للمكوّن السنّي.

غير أن متابعين للشأن العراقي يقولون إن ظهور تلك القوى ليس تلقائيا، وإنّ القوى الشيعية المتحكّمة بالمشهد غير بعيدة عن ذلك.

ويشرح هؤلاء أنّه بعد ما تعرّضت له المدن ذات الغالبية السنية من خراب بسبب الحرب على داعش، فإن سكانها لم يعودوا يثقون بممثليهم التقليديين في مجلس النواب والحكومة، وأنّ هناك شعورا بالخيانة سيحبط محاولات البعض للبقاء في السلطتين التشريعية والتنفيذية. وهو ما أدركته الأحزاب الشيعية في التحالف الوطني الحاكم وسارعت إلى دعم وجوه سنيّة جديدة ظهرت كما لو أنها تشكل بديلا مقنعا يمهد للتغيير الذي يأمل به غير الراضين عن أداء الأحزاب السنية التقليدية.

غير أنّه يظلّ من الصعب -حسب المراقبين- التكهن بوقوع أي نوع من التغيير في ظل الاستقطابات العائلية والعشائرية التي تسود المناطق السنية مع غياب كامل لمشروع سياسي أو خدمي شامل، وهو ما تحتاجه مدن تعرضت أجزاء كبيرة منها للدمار ولا يزال سكانها يعيشون في مخيمات الإيواء المؤقت باعتبارهم نازحين، وسيُحرم الجزء الأكبر منهم من حق التصويت بسبب وضعهم الإنساني الصعب. الأمر الذي سيؤدي إلى وقوع عمليات تزوير لا تمتلك الحكومة القدرة على منع وقوعها. هذا إذا كانت راغبة أصلا في القيام بذلك.

ويقول نائب سنّي سابق بالبرلمان العراقي، آثر عدم الترشّح مجدّدا للانتخابات بسبب قناعته “بانعدام أي إمكانية لإحداث أي تغيير إيجابي بواسطتها”، إنّ “من المؤكد حتى هذه اللحظة أن هناك رغبة مشتركة بين الأحزاب الشيعية الحاكمة والنخب السنية الطالعة من غمار الحرب في التخلص من الوجوه السنية التقليدية واستبدالها بوجوه جديدة بضمان نوع من التهدئة في ظل تعثر عمليات الإعمار أو غيابها”. وهو ما يعني، بحسب ذات المتحدّث “إدخال سكان المناطق السنية في متاهة جديدة، يكون محورها هذه المرة صراع داخلي ستكون الحكومة بعيدة عن تداعياته”.

ويضيف “سنوات أربع جديدة من الفوضى والتهميش ستكون بمثابة خلاصة لفشل المكون السني في الوصول إلى الصيغة السياسية التي يدافع من خلالها سنة العراق عن حقوقهم المدنية في المواطنة والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم”.

الانتخابات ستدخل سنة العراق في 4 سنوات جديدة من الفوضى والتهميش كخلاصة للفشل في إيجاد صيغة للدفاع عن حقوقهم

وتضم جبهة القوى السنية التقليدية في العراق زعيم ائتلاف متحدون أسامة النجيفي وشقيقه أثيل، وزعيم المشروع العربي خميس الخنجر، والحزب الإسلامي بزعامة إياد السامرائي، وجبهة الحوار بزعامة صالح المطلك، وشخصيات مختلفة من محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى، فضلا عن أجزاء من بغداد وديالى وكركوك.

واحتكرت هذه القوى عملية تمثيل العرب السنّة في العراق، سياسيا، منذ العام 2003، وحافظت على حضورها في المواقع التي تحصلت عليها الطائفة بموجب صيغة المحاصصة المتّبعة في البلاد.

وتجمّعت معظم القوى التقليدية في قائمتين انتخابيتين، يقود الأولى السياسي المخضرم إياد علاوي (شيعي علماني)، فيما يتزعم الثانية نائب رئيس الجمهورية أسامة النجيفي.

وتواجه هاتان القائمتان طيفا من المنافسين في المناطق التي يغلب السنّة على سكانها، وسط توقّعات بمنافسة محتدمة مع القوى الجديدة أو المحلية. ولم تعد هذه القوى تسيطر على أي موقع تنفيذي مهم في المحافظات المذكورة، بعد إقصاء أثيل النجيفي، من منصب محافظ نينوى، وإقالة صهيب الراوي، الذي ينتمي إلى الحزب الإسلامي، من منصب محافظ الأنبار.

وخسرت القوى السنية التقليدية هذه المواقع لمصلحة أحزاب وتيارات محلية، ما يعني أن التأثير في مسار الانتخابات بات في حكم المستحيل بالنسبة لها.

وبسبب امتلاك من يشغلون منصب المحافظ صلاحيات محلية شبه مطلقة، فإنّهم يؤثّرون عادة في الاتجاهات التصويتية، وتحقق القوائم التي يترشحون ضمنها نتائج مهمة في الانتخابات.

ولم يعلن عن انتماء محافظ نينوى نوفل العاكوب إلى أي قائمة انتخابية، لكن محافظ صلاح الدين أحمد الجبوري يتزعم أهم قائمة في محافظته، فيما يقود محافظ الأنبار محمد الحلبوسي قائمة تضم مرشحين بارزين. ووفقا لمراقبين فإنّ تغييرات كبيرة قد تطرأ على خارطة التمثيل السياسي السنّي في البرلمان العراقي القادم، بسبب صعود قوى جديدة.

وبدا واضحا، أن محافظ الأنبار محمد الحلبوسي سيكتسح نتائج الانتخابات في محافظته التي سيكون لها 15 مقعدا في البرلمان القادم. وأخرج المحافظ الآلاف من مؤيديه إلى شوارع المنطقة التي تسكن فيها عائلته قرب الفلوجة، شرقي الرمادي مركز المحافظة، للتنديد بتهم تعرض لها من منافسين بشراء بطاقات انتخابية بغرض التزوير.

ويقول منافسو الحلبوسي إن محافظ الأنبار عيّن أقاربه في مكتب المفوضية الذي يشرف على جميع التفاصيل الفنية لعملية الاقتراع.

ويكاد الوضع يتكرر بصورة متطابقة في صلاح الدين، إذ يتهم المحافظ باستخدام نفوذه الكبير، للتأثير في نتائج الاقتراع، فيما تواجه نينوى وضعا مختلفا، إذ ربما يحرم نحو نصف سكانها الموصل، مركز المحافظة، من الإدلاء بأصواتهم، بسبب عدم امتلاكهم سجلات انتخابية.

واعتاد مركز الموصل على التصويت للقوى السياسية التقليدية وفي مقدمتها عائلة النجيفي.

ويبدو أن العلاقات الخارجية المهمة التي تملكها القوى التقليدية السنية، لن تكون مفيدة في الانتخابات المقبلة التي يتحدد فيها الفائزون عبر شبكة معقدة من الترتيبات المحلية، حيث تلعب مراكز النفوذ الإداري وقوات الأمن أدوارا مؤثرة فيها.

وبالنظر لصلات القوى المحلية القوية بالجمهور يمكن لها ضمان مشاركة مؤيديها في الاقتراع، في مقابل عزوف متوقع من قبل جمهور الأحزاب التقليدية في المناطق السنية، التي دمرتها الحرب على داعش، وأنهكت سكانها تجربة نزوح قاسية إلى مخيمات متناثرة في العراء.

3