تغيير الصورة الرمادية لمصر

الاثنين 2014/01/13

جزء من الناظرين إلى مصر من الخارج يرونها على أعتاب دولة مدنية ديمقراطية، بعد أن تخلصت من حكم جماعة الإخوان، وما حدث في الثلاثين من يونيو الماضي وما تلاه من ترتيبات سياسية هو ثورة شعبية بامتياز. وجزء آخر يتعاطف مع الإخوان، ويعتقد أن إزاحتهم عن السلطة مرفوضة وتمت، في نظرهم، بفعل “انقلاب عسكري”. لكن هناك جزءا ثالثا تبدو رؤيته للمسألة رمادية، لا يستطيع الميل إلى هذا الطرف أو ذاك نهائيا، وبقيت نظرته تترنح بينهما.

إذا كان الانقسام مفهوما بين المصريين في الخارج، فإنه بدا محيرا بالنسبة إلى غيرهم، من المواطنين الذين يعيشون في دول غربية مختلفة، وليسوا بمصريين، خاصة أن عددا كبيرا منهم أصبح مائلا تجاه موقف الإخوان، ومنحازا إلى جانب معتبر من خطابهم، مع أنه مليء بالثقوب السياسية. وقد ظهرت تجليات الميل والانحياز في الخطاب الإعلامي إلى بعض الفضائيات الغربية الناطقة بالإنكليزية والفرنسية والألمانية والناطقة بالعربية وتصدر من دول غربية وربما عربية. وهناك كتاب معروفون أفرطوا في تأييدهم للإخوان وتمادوا في نقدهم للسلطات الرسمية الحالية في مصر. ومع أن ثمة جهات غربية (رسمية) وإعلامية متباينة عدلت مواقفها وتعاملت بإيجابية مع المستجدات التي تلت 30 يونيو حفاظا على مصالحها، لكن بقيت شريحة كبيرة من المواطنين لا تزال مقتنعة بدعم الإخوان.

احترت في تفسير انحياز قطاع من الناس العاديين في الغرب إلى الإخوان، ولم أجد مبررا للصورة الرمادية التي يبدو عليها قطاع آخر. فهناك مقاييس كثيرة تؤكد أن الرئيس المصري السابق أزيح بموجب ثورة شعبية خرج فيها ملايين البشر، وتوجد شواهد على أن المؤسسة العسكرية لم تنخرط في الحياة السياسية، فقط أيدت خيار المواطنين، ويمكن سرد قائمة طويلة من المبررات التي تدعم ضرورة خلع الإخوان من السلطة، لما ارتكبوه من أخطاء وحماقات سياسية، وحتى ما يجري الآن من صدامات بين أجهزة الشرطة والجيش، وبين أنصار الإخوان له أسبابه الأمنية، لأن مؤيدي الجماعة يريدون نشر الفوضى بأي ثمن. ورغم أن رؤية الصورة على هذا النحو تؤدي إلى الغضب من ممارسات الإخوان، مع ذلك ما نراه من شريحة كبيرة تعيش في الغرب، هو اصرار على التعاطف مع تصرفاتهم، وفي أحسن الأحوال تحفظ على مواقفهم، وعدم اقتناع بتوجهات السلطات الراهنة.

عندما التقيت في القاهرة قبل أيام صديق عائد للتو من إحدى العواصم الأوروبية، اقتربت من تفسير سر انحياز الناس البسطاء إلى الإخوان، فقد شعر صديقي للوهلة الأولى بفجوة بين ما سمعه وشاهده وقرأه وهو في عاصمته ومكان عمله، وبين ما رآه على أرض الواقع في مصر، من درجة عالية من الهدوء والاستقرار، مقابل صورة سلبية لم تغادر مخيلته وهو بعيد، حول مظاهرات ضخمة لا تنقطع، واحتجاجات كثيفة تجوب الشوارع. وقتها شعر بالتناقض، لاتساع حجم الخيال الذي عاشه لفترة طويلة. وتناقشنا للوصول إلى نقاط محددة لتفسير الفجوة التي عاشها، ولا يزال يعيشها ملايين المصريين والعرب والأوروبيين، واتفقنا على النقاط التالية.

أولا، في الغرب عموما يقدرون نتائج صناديق الاقتراع، بل يعتبرونها شيئا مقدسا، والناس ترى أن هناك مساسا بهذا الثابت حدث في مصر، بصرف النظر عن الدوافع التي أفضت إلى إزاحة محمد مرسي، فالاعتداء على شرعية الصندوق نتيجة لا تغتفر. وثانيا، الانحياز المبدئي ضد الحكومات، فالناس في دول غربية كثيرة، تتعاطف تلقائيا مع الأشخاص والجماعات والأحزاب، ولا تؤيد المواقف الرسمية دون التفات إلى الأسباب التي تدفع الحكومات أحيانا إلى استخدام العنف. وثالثا، التحركات الشعبية الدؤوبة لأنصار الإخوان، وقدرتهم على توصيل الخطاب السياسي للجماعة لقنوات متباينة، مع توظيف جيد لأدنى درجة من العنف والانتهاكات ضد قياداتها وكوادرها، ويتم الإمعان في تقديم الجميع في صورة الضحية، وتتعاظم نتائج هذا السلوك وسط نجاح في الوصول إلى عدد من وسائل الإعلام المؤثرة. ورابعا، وجود جاليات إسلامية منحازة إلى الإخوان تتحرك في المجتمعات الأوروبية واستطاعت توصيل صوت الجماعة “المظلوم”، وتمكنت من “الشوشرة” على أي صوت مناهض لها، لكي لا يصل إلى الجمهور في الغرب.

الأخطر الذي قاله صديقي، أن هناك غيابا في الدفاع عن موقف السلطات الرسمية، وتراخٍ وكسل في الدفاع عن مكتسبات ثورة 30 يونيو ومبررات إزاحة الإخوان، وبدت الساحة لأنصار الجماعة فارغة يتحركون فيها كيفما يريدون، فكان من المنطقي أن تقف شريحة من الناس في أوروبا إلى جوار الإخوان، وعندما وجدت بعض الجهات اتهامات، بالتصريح والتلميح، لدعم الجماعة، تبنت موقفا رماديا، يبعدها عن الوقوف في خندق الإخوان، ولا يجعلها تقف على أرضية السلطات الحاكمة في مصر، وضرب الصديق مثلا بإحدى الفضائيات الناطقة بالعربية في الغرب، التي لجأت إلى التحايل بتبنى شعار “مصر بعد ثورة 30 يونيو” للخروج من مطب الانحياز لأي من الطرفين، وأجلست العاملين فيها، والمشاهدين لبرامجها عن مصر، على مقعد الصورة الرمادية المريح للجميع.


كاتب مصري

9