تغيير المعتقد الديني في بلدان شمال أفريقيا.. أزمة سببتها أزمات

الجمعة 2016/10/28
قنوات التنصير لعبت دورا لدى المستعدين لتغيير معتقدهم الديني

الرباط - اعتبر الأكاديمي والباحث المغربي عياد أبلال في أطروحته الجامعية التي حملت عنوان "إشكالية تغيير المعتقد والأقليات الدينية بالعالم العربي: المغرب، الجزائر، تونس، ومصر نموذجاً"، أن تغيير البعض من الأشخاص لمعتقداتهم الدينية في العالم العربي مرتبط بعدة أسباب يأتي في مقدمتها الغلو في الدين والاضطهاد والبيئة الأسرية المحيطة ومدى الاندماج في الوسط .

وتوصلت الدراسة التي أعدها أبلان، إلى أن المراهقة هي المرحلة الحرجة في إمكانية تغيير المعتقد الديني، إذ تعتبر مرحلة حساسة في ما يخص توتر الهوية وكيفية تمثل صورة الأب، إذ أنّ معظم الذين عانوا من اضطرابات عاطفية إزاء الأب وبداية انسحابهم الوجداني من الأسرة والمرتبط بطرح أسئلة وجودية، وجدوا في مرحلة بناء الشخصية هذه، مرحلة بداية تغيير المعتقد نحو المسيحية أو التشيع أو الإلحاد. والمرور بطفولة ومراهقة منسجمة أو حتى ناجحة لا تحول دون التحول الديني، فهناك أزمات ناتجة عن الاضطهاد الديني والغلو في الدين والتعذيب، من شأنها أن تؤدي إلى تغيير المعتقد الديني بحسب مسارات الأفراد وقدرتهم على التكيف مع الأزمة والخروج منها.

وتغيير المعتقد الديني، بحسب أطروحة الباحث، مرتبط بأزمة يمر بها المتحول فتوجّهه إلى تبني معتقد ديني آخر يلبي متطلباته، فعلى مستوى تغيير المعتقد الديني من الإسلام إلى المسيحية، وجد عياد أبلال أن هذه الأزمة مرتبطة بثلاثة مستويات تحليلية: أزمة صورة الأب ونظرة المتحول المفترض للأسرة، وأزمة الاندماج في الوسط الاجتماعي، وأزمة التكيف مع قيم وأخلاق المجتمع.

وأفضت الدراسة إلى أنّ التنصير (الانتقال إلى المسيحية) عبر حلقة الأصدقاء، يشكل المسلك الأهم لتغيير المعتقد، وهو ما انتبهت إليه المنظمات والمؤسسات التنصيرية، إذ يتم التنصير عن طريق الأهالي أنفسهم، ولكن دون فك الارتباط مع الأسرة، إذ اتضحت، ومن خلال التعميد كمرحلة عبور نحو المسيحية، أهمية الحضور المكثف للمنصّرين (من أوروبا أو أميركا) لمباركته باعتباره قلبا للهوية الدينية واكتسابا لمعتقد جديد يتعزز بمساعدات ودعم مالي واحتضان عاطفي.

وإذا كانت استراتيجيات التنصير تشتد أكثر فأكثر في الجزائر وتونس والمغرب، وتقل نسبتها في مصر، فإنها لا تنفصل عن الاستراتيجية الكبرى المتمثلة في صناعة أقليات مسيحية.

وهنا خلصت الدراسة إلى أن الجزائر تعد النموذج الأمثل لصناعة الأقليات الدينية، حيث بلغت الأقلية المسيحية بمنطقة القبايل (منطقة جبلية شمال شرق الجزائر) حد المطالبة العلنية بالاستقلال والانفصال، ناهيك عن خروج الأقلية الشيعية الأباضية من السر إلى العلن في ولاية غرداية (جنوب الجزائر).

وتقوم المواقع الافتراضية، في إطار تكامل آليات ووسائل التنصير، بتدعيم الوظيفة التي تقوم بها القنوات الفضائية عبر برامجها المتنوعة، خاصة شبكة التواصل الاجتماعي “فيسبوك” الذي يعد رائدا في عدد الصفحات التنصيرية التي لم تكتف بالتواصل التفاعلي والحي مع الجمهور، بل بتحميل عدد من البرامج والشهادات والاعترافات بالصوت والصورة على شكل مقاطع فيديو.

ويكفي كتابة “كنيسة” أو “مسيحيون جدد” أو “عابرون” في أيقونة البحث على فيسبوك، حتى تجد أمامك العشرات من الصفحات لمجموعات مغلقة وأخرى مفتوحة تضم المئات من الأعضاء، وذلك دون أن ننسى برامج لمتنصّرين عرب توجهوا للعالم العربي.

وفي سياق تغيير المذهب الديني من الإسلام السني إلى الإسلام الشيعي الإثني عشري، باعتباره نموذجا للتحول المذهبي بالرغم مما يثيره من حساسيات سياسية المظهر والجوهر في الآن نفسه، تفوق باقي أشكال تغيير المعتقد (التنصير والإلحاد). وخلصت الدراسة إلى أن التشيع باختلاف ألوانه لا يعدو عن كونه خطابا سياسيا تم تأسيسه على قاعدة الإخفاق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

ولكن السؤال الماثل دوما في سياق الانحياز نحو خطاب التشيع المذهبي بدل الانحياز إلى خطاب العلمانية أو خطاب الإلحاد مثلا، فقد فسره الأكاديمي المغربي بكون المتشيعين ينتمون عادة إلى الطبقات المتوسطة التي تتميز بتوقد نقدي من جهة وبتمسكها بالقيم الدينية من جهة أخرى.

ويخلص الباحث إلى أنّ أسباب ومسالك تغيير المعتقد الديني في حدوث أزمة تختلف تجلياتها من سياق تجربة إلى أخرى، بيد أنه يمكن استخلاص فئتين من تغيير المعتقد، الأولى حيث يكون منشأ الأزمة نفسيا وهي أزمة تنشأ عادة عن غياب الأب من جهة أو حضوره السلبي، مما يجعل المتحول المفترض يسعى وفق ميكانيزمات سيكولوجية إلى قتل الإله رمزيا بقتل أبيه عاطفيا ووجدانيا، كما هو الحال بالنسبة إلى الإلحاد أو من خلال تغييره بأب أو إله آخر في حالة التنصير.

أما الفئة الثانية، فهي نسبيا مختلفة في ما يخص موارد ومرجعيات الأزمة الناشئة والمحدثة لمرحلة الشك التي قد تقود إلى تغيير المعتقد الديني، فهي تتميز بطول مرحلتي الشك والبحث عن اليقين، وتجد في الفكر العلمي والمنطق الرياضي المادي والتفكير النقدي مجالها الخصب لمحاولة فهم واقع التخلف العربي (في حالة الإلحاد).

وتلتقي البلدان الأربعة (المغرب، الجزائر، تونس ومصر) التي اشتغل عليها الباحث المغربي عياد أبلال في المقاربة الأمنية للمجال الديني وسياسة التدين رغم وجود اختلافات ثقافية وسياسية في ما بينها، وهو ما يصعّب عملية خلق تصنيف لمدى تشدد المقاربة الأمنية، لكن عموما تظل مصر والجزائر والمغرب وتونس من أكثر الدول تشددا في الحريات الدينية عموما وفي تغيير المعتقد الديني خصوصا.

13