تغيير الوظيفة ليس ترفا لدى الشباب العربي في ظل تفشي البطالة

اختيار مهنة جديدة قرار صعب لكنه حتمي في ظل تغيرات اقتصادية معقدة حيث يبقى البحث عن تحقيق الطموح بحياة أفضل أمل كثيرين من الشباب العربي.
الأحد 2018/08/19
الوظيفة الحلم آخر اهتمامات الشباب في ظل الوضع الاقتصادي الصعب

جملة من التساؤلات حول أسباب إقبال الشباب على فكرة تغيير مجال العمل، رغم امتداد خبرة البعض إلى سنوات. ورغم بروز الأزمة الاقتصادية كعامل أساسي في ازدياد الرغبة في تحسين الدخل، فإن الأمر لا يخلو من أسباب تتعلق بمحاولة الهروب من منظومة الهيكل الإداري الضاغط

القاهرة – تعتبر البطالة والحصول على وظيفة الأزمة الرئيسية لدى الشباب العرب خاصة في بداية حياتهم العملية بعد الانتهاء من الدراسة وانعدام الخبرة في سوق العمل، وهذا ما يجعل الرغبة المتزايدة لدى الشباب في تغيير مهنتهم أمرا مستغربا ومستهجنا، لكنه أمر واقع لا يندرج ضمن الرغبة وحب التغيير، بل له مسببات أكثر إلحاحا.

كشفت منظمة مؤشر العمل المصرية أن من بين كل 10 شباب يوجد 4 أشخاص لديهم رغبة حقيقية في تغيير الوظيفة أو العمل. وبدت الأسباب مجهولة والتساؤلات مطروحة، ما الذي يجبر شخص على تغيير نمط حياته ووظيفته التي حصل منها على خبرة جيدة، ويتخذ قرار المخاطرة باختيار مجال جديد يبدأ فيه من الصفر؟

تقول كيري توينج، وهي واحدة من أبرز مدربي العمل والتنمية البشرية في العالم، إن أصعب القرارات تغيير الشركة، والأكثر صعوبة تغيير مجال العمل بالكامل. فكل إنسان اعتاد نفسيا على خلق دائرة من الثقة والارتياح، تنبع من روتين حياته اليومي، بينها العمل الذي يذهب إليه، ويعلم خباياه وطرق تأديته، واتخاذ قرار التغيير الشامل يعني بكل تأكيد أن هناك ثورة داخلية وأحداثا دفينة عملاقة أجبرت الشخص على اتخاذ قرار صعب كهذا.

وظيفة مربحة

 تعلن شركة استثمارية عملاقة عن حاجتها إلى مندوبي مبيعات للعمل في مجال بيع العقارات. يتجمع العشرات من الشباب القادمين من أماكن مختلفة لقنص الوظيفة المربحة بسبب ارتباطها بعمولة من العقار المباع. وتصاب موظفة الموارد البشرية في الشركة بالدهشة عندما تجد أن عدد المتقدمين نحو 150 شخصا، لكن عدد الحاصلين على بكالوريوس التجارة والمتخصصين في مجال التسويق لم يتجاوز سبعة أشخاص.

تحمل السيرة الذاتية لكل متقدم سنوات من العمل في شركات للتعدين ومكاتب محاماة وقنوات تلفزيونية وصحافة ومدارس وغيرها من المجالات البعيدة عن العقارات.وبات المشهد المتكرر مع كل وظيفة مطروحة ظاهرة فعلية في مصر؛ الكل يبحث عن تغيير المجال الوظيفي الذي اختاره، والجميع يبحث عن انتقال سريع وحاسم إلى طبقة أخرى.

اتخاذ قرار التغيير الشامل لمجال الوظيفة، يعني أن هناك ثورة داخلية وأحداثا دفينة أجبرت الشخص على اتخاذ القرار

تتسق كلمات توينج مع غضب ضياء الدين محمود، الصحافي الشاب الذي ظل نحو عشرة أعوام ينتقل من صحيفة إلى أخرى بحثا عن وظيفة محرر بمرتب مجز يغنيه عن الاستدانة ويوفر له حياة كريمة.

كان حلم الصحافي الشاب تحقيق طموحه ليصبح من أبرز الكتُاب وصاحب عمود صحافي مرموق، لكن كل شيء سار عكس رغبة ضياء وأحلامه. فبعد أن اشتعلت ثورة 25 يناير 2011 في مصر، وتبعتها موجات طاحنة من التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي عصفت بأغلب الوظائف، خاصة المرتبطة بمجال الإعلام، وجد ضياء نفسه أمام المزيد من المصاعب وسط رغبة أرباب العمل في خفض المرتبات والاستغناء عن عدد كبير من الموظفين، بينهم صحافيون شباب.

أحس ضياء بالخوف، شأنه في ذلك شأن غيره من الصحافيين الذين تنقلوا بين وسائل إعلام مختلفة بحثا عن فرصة توفر لهم حدا أدنى من سبل الحياة الكريمة. بحثوا عن وظائف للعمل على مدار اليوم كله. لكن مصارعة الزمن تنتهي أحيانا بالخسارة، وأضحت الظروف الاقتصادية أكثر صعوبة مع تحرير سعر صرف العملة في مصر ورفع الدعم عن غالبية السلع الأساسية، ليبدو ضياء مرغما على تعديل وظيفته في الحال، وترك الصحافة التي كان يحلم بها منذ صغره.

اختار الشاب الحائر وظيفة طباخ، يصنع وجبات ساخنة وسريعة، لكنه أراد استغلال علاقته الطويلة بزملائه الصحافيين ليقرر استغلال معاناة الموظفين مع عملهم لساعات طويلة دون قدرة على توفير وجبات بأسعار مقبولة، ويكون هو المتعهد بإمداد الكثيرين بالأطعمة الشهية نظير مقابل مادي مناسب.

يقول ضياء لـ”العرب” إن المشاكل الاقتصادية المتلاحقة وارتفاع الأسعار مثلا أزمة طاحنة لجميع الموظفين الذين اعتمدوا على مرتباتهم الشهرية المحدودة، ومع تدهور ظروف المعيشة لم يعد العمل في الصباح والمساء كافيا، وأصبح ترك العمل في مجال الصحافة والإعلام عموما الحل الأمثل، في محاولة أخيرة للبحث عن طرق أفضل للحياة.

أكد أنه اختار وظيفة الطهي لأنها كانت إحدى هواياته منذ الصغر، كما أنه يتقنها ودائما ما يشيد الجميع بجودة مذاقها، وقرر توفير وجبات غداء للموظفين بعد أن كان واحدا منهم، وعانى من سوء التغذية وتناول الوجبات غير الصحية أثناء العمل، لذلك رغب في تقديم وجبات تشبه ما يتم طهيه في المنزل لتعويض الموظفين عن فترات غيابهم الطويلة عن بيوتهم.

لا تختلف أزمة ضياء عن مهندس البترول أحمد كريم، الذي ظل 7 سنوات يعمل في إحدى شركات التعدين حتى قررت إثر تدهور الوضع السياسي والأمني في مصر إنهاء عملها وتسريح أغلب الموظفين فيها.

مخاطرة ليست سهلة

ارتفعت نسبة البطالة بشكل كبير بين المهندسين بعدما ازداد عدد خريجي كلية الهندسة وانخفضت الوظائف المناسبة، فاختل ميزان العمل والإنتاج. وأصبح أحمد مجبرا على تغيير مجال عمله بسرعة، فاختار مجال السياحة، وقرر استثمار بعض مدخراته في شراء “مركب” أو قارب خشبي شراعي لتقديم رحلات في نهر النيل للسائحين، مع وجبات ومشروبات تناسب كل رحلة.

التحدي يشمل الإناث والذكور
التحدي يشمل الإناث والذكور

أوضح الشاب أحمد كريم لـ”العرب” أنه الآن يشعر بالرضا عن القرار الذي اتخذه العام الماضي بتغيير مجرى حياته وعمله، واختيار مجال جديد مثل السياحة لتكون نقطة بداية، قائلا “قرار تغيير المجال بالكامل ليس سهلا، لأسباب عديدة منها المخاطرة بخسارة كل شيء، والفشل في المجال الجديد، فضلا عن القلق والتردد الدائمين، فقرار تغيير مجال العمل والابتعاد عن التخصص الدراسي يحتاج إلى شجاعة نادرة”.

يرى كريم أيضا أنها مجازفة تستحق القيام بها، لأنه أعاد ترتيب حياته، وتغيير نمط تفكيره، كما أن مشروعه الخاص انتشله من الشعور بالفشل والإحباط وجعله أكثر طموحا بعد أن أضحى لديه مشروع خاص يحلم بتطويره”. ويتفق أغلب الشباب الباحثين عن وظائف خارج مجال الدراسة، على أن البطالة من الأسباب الرئيسية التي تجعل الشخص يرغب في التغيير، ومساوئ عدم توافر فرص عمل في مجالات بعينها أجبرت شبابا كثيرين على القفز إلى مجالات أخرى لتوفير ربح مادي يومي أو شهري.

نعم هناك حاجة تدعو الشباب إلى تغيير مجال العمل، رغبةً في اكتشاف مهن أخرى، أو محاولةً لتحقيق طموح في مجال آخر كان البعض منهم يريدون امتهانه، لكنّ ظروفا أسرية حالت دون تحقيق هذه الرغبة. فلدى الكثير من الأسر المصرية حرص بالغ على اختيار مجال العمل لأبنائها، ما يجعلهم يذهبون بعيدا عنه عندما تتاح الفرص للانطلاق والتخلص من وصاية الأسرة.

وقد يكون تغيير المجال معاكسا لطموحات الكثير من الشباب في تحقيق أحلامهم أو تأدية عمل يريدونه، لكن يرى البعض أن النجاح في مجال آخر بعد الإحباط والفشل في العمل الأول يخفف وطأة تخلي الشخص عن وظيفة أحبها، وتضفي شعورا بالنجاح بعد أن اجتاز اختبارا صعبا ومعقدا.

فمثلا جاء اختيار ضياء وأحمد نابعا من اتجاه عام للشباب نحو ترك وظائفهم بحثا عن نجاح آخر سريع عن طريق إقامة مشروعات تجارية صغيرة. إلا أن أغلب الشباب لا يجدون من يوجههم صوب مشروعات تعود بالنفع على المجتمع والأفراد،  فيلجأ بعضهم إلى المشروعات الخدمية البسيطة، مثل المطاعم والمقاهي والنقل، وهي أقصر الطرق لتحقيق ربح سريع.

يدرك هؤلاء الشباب أن إقامة مشروع في مجتمع استهلاكي قليل الإنتاج بالأساس يحتاج إلى تقديم مادة مستهلكة ومضمونة كالمأكل والمشرب، لكنها لا تعبر عن نجاح عام للمجتمع أو الدولة.

مدير نفسي

تمثل حالة دينا شوقي، طبيبة الأسنان، امتدادا لرغبات الشباب في تعديل وظائفهم غير المجدية؛ حيث تخلت عن مجالها الطبي، عندما فشلت في الحصول على وظيفة بمرتب مناسب في مجتمع شب على المحسوبية. وتوجهت الشابة إلى مجال آخر، وعملت في مدرسة ثانوية، واختارت مادة العلوم لتدريسها، بحكم تخصصها العلمي السابق.

ورغم أنها بدأت كمعلمة في مدرسة خاصة، غير أنها سرعان ما اتخذت قرار ترك المدرسة والتفرغ لتعليم الطلبة عبر دروس خصوصية في منزلها. تختلف رؤية دينا عن بقية من اختاروا تغيير مجال عملهم؛ تتفق معهم في صعوبة مواكبة الأوضاع والظروف الاقتصادية الصعبة، لكنها اختارت الوظيفة الجديدة لهدف أكبر وهو العمل بحرية بلا مدير أو صاحب عمل، وهذه المسألة تتناسب مع روح التمرد التي تسيطر على قطاع كبير من الشباب.

عدم توافر فرص عمل في مجالات بعينها جعل شبابا كثيرين مجبرين على القفز إلى مجالات أخرى لتوفير ربح مادي

وتوضح شوقي لـ”العرب” قائلة “أن تكون مدير نفسك فذلك من أجمل فضائل العمل، فالحرية دون رقيب أو شخص يفرض عليك ضغوطا يومية مثل مديرك أمر يجعل الشخص أقل قلقا وأكثر رغبة في العمل والإنتاج”.

لم تنكر الشابة أنها اختارت العمل كمدرّسة خصوصية للطلبة لأنها أكثر ربحا من العمل في مدرسة تابعة للحكومة، لكن أيضا ترى أنها تضفي شعورا بالحرية والرغبة في النجاح وتحقيق امتيازات شخصية أكثر من العمل داخل مؤسسة ينسب فيها اجتهادك إلى مديرك ومدراء آخرين.

تحلم شوقي بأن تفتح مدرسة خاصة، وتقدم فيها طرقا مختلفة ومبتكرة لشرح المواد العلمية المعقدة بشكل مبسط ومسل للتلاميذ، مؤكدة “لا يمكن الندم على اختيار طريق جديد بل بالعكس أحيانا يكون تغيير المسار تصحيحا لخطأ سابق جاء نتيجة رغبات طفولية وأحلام غير واقعية، المهم أن يكون الإنسان مقتنعا بما يعمل”.

يقول خبير الموارد البشرية سيف هاني “عند اتخاذ أي شاب قرار تغيير المجال الوظيفي يجب طرح أسئلة تبدأ بلماذا نعمل؟ البعض يرى السبب كامنا في العوامل المادية، وآخرون يعملون من أجل النفوذ، وهناك من يريد تحقيق النجاح والتقدم أو تأدية رسالة ما، لذلك من المهم قبل اتخاذ قرار تغيير الوظيفة أن يسأل الشخص نفسه، لماذا يستيقظ كل يوم؟”.

ويشير لـ”العرب” إلى أنه من المهم أن يدرك الشاب ما الذي يحتاج إليه بالتحديد، هل هو بحاجة إلى وظيفة جديدة أم إلى ترقية أم إلى مجال عمل جديد. أحيانًا يكون الأشخاص منزعجين من رئيسهم في العمل أو من زملائهم. وفي تلك الحالة كل ما يحتاج الفرد إلى فعله هو البحث عن عمل جديد وليس البحث عن مجال جديد.

يرى هاني أنه من الضروري عند الإقدام على اختيار مجال جديد البحث عن المميزات التي يمتلكها الشخص المقبل على التغيير، والتي تضمن له النجاح على حساب آخرين يتنافسون معه في المجال ذاته، مشيرا إلى أن البعض يختار أن يحول مواهبه مثل التمثيل والكتابة والرسم أو هوايته مثل الرياضة والطهي والقراءة لتكون جوهر اختيار عمله الجديد. تلك هي أقصر الطرق للنجاح، وتعتمد بالأساس على النظرية الشهيرة “حب ما تعمل حتى تعمل ما تحب”.

لم تعد عملية تغيير “الكارير” أو العمل نابعة من الرغبة في التمرد على الواقع فقط، لكن جزءا مهما منها يرجع إلى عدم اختيار مجال التخصص السليم منذ البداية. وربما يكون من الطبيعي أن يقدم الشاب على التصرف الذي يريده عندما تتاح له فرصة اتخاذ القرار المناسب، لكن من الضروري أيضا ألا يكون القرار نابعا من موضة أو هواية التغيير من أجل التغيير.

19