تغيير صورة سيناء في العقل المصري

ساعد شيوع بعض الظواهر القاتمة في تعميق الهوة مع سكان وادي النيل والدلتا في العمق المصري ووصلت المسألة حد شعور السيناوي بالغبن كأنه مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة.
الجمعة 2020/09/25
خطة طموحة لإعادة تموضع سيناء في التقديرات الوطنية

عُرفت منطقة سيناء في مصر وخارجها بأنها مكان رئيسي للحروب مع إسرائيل، وممر للكثير من الغزاة على مدار التاريخ. وبعد توقيع معاهدة السلام بين القاهرة وتل أبيب منذ أربعة عقود تحولت إلى بؤرة لزراعة وتجارة المخدرات، وتهريب البشر والأسلحة، ووكر للإرهاب، وبدا سكانها كأنهم لا ينتسبون إلى القطر المصري.

بدأت الصورة تتغير الفترة الماضية، وتصبح سيناء في قلب المشروعات التنموية، وجرى فك عزلتها الطويلة وربطها بالوادي عبر شبكة ممهدة وكبيرة من الطرق والمواصلات، وتدشين أنفاق تحت مياه قناة السويس، بعد أن كانت سببا رئيسيا في ترسيخ جملة من الانطباعات السلبية.

نجم التباعد من تعامل رؤساء مصر معها كمسرح عمليات عسكرية مع إسرائيل يجب أن يكون مفتوحا ودون عوائق، ولا يتكدس فيه المزيد من البشر، فالتهديدات الإقليمية لم تنته تماما، ويمكن أن تعود سيناء ساحة للصراع، إلى أن جاء الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي وقرأ التحولات وأدخل تعديلات هيكلية على هذه الاستراتيجية.

تشير جملة من المعطيات إلى أن مصر تريد أن تتحول إلى نقطة أو مركز تلتقي عنده مشروعات تعاون صاعدة، واتخذت القاهرة حزمة من الإجراءات التي تساعدها على تحقيق هذا الهدف

ربما تغيرت القناعات بشأن مصادر التهديدات الخارجية، وتبدلت طريقة التعامل معها، لكنها تجمع في الحصيلة النهائية على أن إسرائيل تمثل مشكلة أمنية دقيقة تتطلب رؤية تراعي المستجدات والتطورات. فالتعمير ودخول شركات عالمية باستثمارات كبيرة وتوسيع نطاق المصالح يكفي للدفاع عن سيناء وتوفير الهدوء والاستقرار لها، وتحقيق انتصارات متعددة دون الحاجة إلى الدخول في معارك مكلفة.

لم تعد الحروب الحديثة تعتمد على الأرض الفسيحة أو الالتحام المباشر بين الجيوش، والقصف بالصواريخ والطائرات، بل دخلت طورا قلل من هذه الأدوات والتعويل عليها بمفردها، فالبشر والحجر والتنمية والخروج من الفقر والازدهار عمليات مهمة لخدمة الأمن القومي، بالتوازي مع الوسائل العسكرية المختلفة.

أدى حصر سيناء كساحة مواجهة إلى إهمال الحكومات المصرية المتعاقبة لها ومنحها النزر اليسير من المشروعات التي لا تكفي الحد الأدنى لسد حاجات ساكنيها، ما دفعهم إلى البحث عن مصادر أخرى للتنمية الذاتية غير المشروعة، فانتشرت الكثير من الأعمال القذرة التي شارك فيها عدد من القاطنين في سيناء منذ عقود طويلة ولوثت سمعتهم.

ساعد شيوع بعض الظواهر القاتمة في تعميق الهوة مع سكان وادي النيل والدلتا في العمق المصري، ووصلت المسألة حد شعور السيناوي بالغبن، كأنه مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة، وهو إحساس عمقته واستغلته عناصر متطرفة لنشر أفكارها، وخلقت شبكة مصالح استفادت منها في تحويل سيناء إلى إحدى أخطر بؤر الإرهاب.

دفعت الدولة ثمنا ماديا ومعنويا باهظا جراء مكافحة الإرهاب، ورأت أن التنمية أداة مركزية لضمان السيطرة على هذه البقعة، ومنع دخول أشرار يروجون لبضاعتهم فيها، لأن المستفيدين من التنمية الحقيقية عليهم حماية مصالحهم بأنفسهم.

خططت الحكومة لزرع الملايين من البشر في سيناء، وجلبهم من محافظات مختلفة وصهرهم مجتمعيا واقتصاديا من خلال تقديم حوافز متباينة لتشجيع الهجرة الداخلية، والحد من بورصة التكهنات التي رسمت لسيناء سيناريوهات على أنها منطقة غير مأهولة بالبشر، ما يغري بالعدوان عليها، وتحويلها إلى مستنقع يستنزف القدرات والطاقات، الأمر الذي عجّل باستدارة نوعية وقاد إلى إعادة النظر في بعض المسلمات.

ينهي تنفيذ التواصل وملحقاته المجتمعية، وإلى الأبد، الشعور بالاغتراب، وما نجم عنه من تداعيات أثرت على صورة أهالي سيناء في الوجدان العام، ويخرجهم من دوامة أنهكت شرائح كبيرة منهم، ووأدت الكثير من المواهب، وجرّت البعض إلى مزالق غامضة.

يكسر تعميم التنمية جانبا مهما من الحواجز التي فصلت بين شمال ووسط سيناء وجنوبها. ففي الوقت الذي شهدت فيه منتجعات شرم الشيخ ودهب والطور ونويبع تطورات تنموية كبيرة، بقيت مناطق أخرى مهمشة أسهمت في تجذير الفجوة، ورفعت توظيف الجغرافيا إلى الدرجة التي أصابت فيها القابعين في نطاقها بأمراض مزمنة.

تشجعت الحكومة في الاقتراب من أصل الداء، وتحويله إلى دواء وتجرع كل مراراته، فبوادر النهضة التي تشهدها سيناء يمكن أن تجعلها منطقة جذب خارجية أيضا، وتخفّض من مستوى الرهانات على استمرار مخاوف الحرب في ظل السلام، وتخفف من وطأة العقيدة العسكرية السابقة بشأن أهمية سيناء في الفكر المصري.

علاوة على أن التمادي في التركيز على شمال سيناء يقطع الطريق على سيناريوهات نسجها خيال البعض لاستغلال المساحة الشاسعة من الفراغ، والذي شجع بعض الدوائر الأميركية على تسوية القضية الفلسطينية على حساب اقتطاع جزء من سيناء وضمه إلى غزة، ضمن صفقة تعيد ترسيم خارطة المنطقة بالرؤية التي تريدها واشنطن.

جاء الرد عمليا من خلال خطة طموحة لإعادة تموضع سيناء في التقديرات الوطنية، فالتنمية وما يصاحبها من تعمير في الفضاء العام يؤكدان أن أي تسوية سياسية لن تكون على حساب الأرض المصرية، وخاضت القاهرة معركة تفاوضية طويلة مع تل أبيب لاستعادة نحو كيلو واحد في طابا، ومن يفعل ذلك مستحيل أن يفرّط في المئات أو العشرات من الكيلومترات.

لم تعد الحروب الحديثة تعتمد على الأرض الفسيحة أو الالتحام المباشر بين الجيوش، والقصف بالصواريخ والطائرات، بل دخلت طورا قلل من هذه الأدوات والتعويل عليها بمفردها

ليس صدفة أن يتزامن تعظيم القيمة التنموية لسيناء مع ما يتردد من مشروعات إقليمية تشارك فيها دول عديدة، فإذا قدّر لبعضها دخول حيز التنفيذ يمكن أن تتحول سيناء إلى منطقة وصل بعد أن كانت لفترة طويلة تمثل منطقة عزل وقطع.

ويتجاوز الوصل حدوده المحلية المعروفة، ويغير من طبيعة التحالفات ويضعها في إطار إقليمي يتناسب مع السعي الحثيث نحو شرق أوسط في طبعة جديدة ومنقحة.

تشير جملة من المعطيات إلى أن مصر تريد أن تتحول إلى نقطة أو مركز تلتقي عنده مشروعات تعاون صاعدة، واتخذت القاهرة حزمة من الإجراءات التي تساعدها على تحقيق هذا الهدف، خاصة في مجال الإصلاحات الاقتصادية الرئيسية، وتقوية البنية التحتية في سيناء، لجذب رؤوس أموال أجنبية يتكفل أصحابها بالدفاع عنها.

يتخطى تغيير ملامح سيناء الناحيتين الاقتصادية والبشرية، ويصل بها إلى جعلها محورا أساسيا في الأهداف السياسية، ونقلها من مركز تجاهلته الخطط التنموية فترة طويلة لأسباب عسكرية إلى آخر تنصهر فيه الطموحات.

في هذا السياق، تصبح سيناء في النهاية منطقة تتكامل فيها المشروعات بدلا من أن تتصارع فيها الإرادات، بالتالي يتم بنعومة حل إشكالية تاريخية جعلتها كمطمع للكثير من الجهات، وتزداد الصورة الذهنية لساكنيها نصاعة في العقل المصري.

8