تفاؤل حذر بإمكانية تنظيم الانتخابات التونسية في موعدها

إنجاح المسار الانتخابي في تونس لا يقتصر على هيئة انتخابات بل يتطلب توفير مناخ سياسي مناسب.
الجمعة 2019/02/01
التأجيل غير مستبعد

تسوية أزمة هيئة الانتخابات باستكمال انتخاب أعضائها ورئيس جديد، لا تبدّد المخاوف من إمكانية تأجيل الانتخابات التي تصاعدت في الآونة الأخيرة على وقع الخلافات السياسية المتفاقمة.

تونس - أشاع نجاح مجلس نواب الشعب (البرلمان) التونسي في تجاوز العراقيل التي حالت خلال الفترة الماضية دون انتخاب رئيس جديد للهيئة العليا المستقلة للانتخابات وتجديد تركيبة أعضائها، تفاؤلا حذرا بتنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية في موعدها، أي قبل نهاية العام الجاري.

لكن هذا النجاح، الذي جاء بعد مداولات وسجالات تخللتها مناورات سياسية متعددة، لم يفلح في تبديد الهواجس والمخاوف من إمكانية تأجيل هذه الاستحقاقات الانتخابية التي مازالت تثير حولها الكثير من الجدل.

وانتخب البرلمان التونسي في ساعة متأخرة من ليلة الأربعاء/الخميس، نبيل بافون رئيسا جديدا للهيئة العليا المستقلة للانتخابات خلفا لمحمد التليلي المنصري الذي استقال من منصبه في يوليو الماضي.

وجاءت عملية الانتخاب خلال جلسة عامة عرفت مداولات ونقاشات حادة، حيث حصل بافون على 141 صوتا من أصل 217، بينما حصل منافسه فاروق بوعسكر على 10 أصوات فقط.

وقبل ذلك، انتخب البرلمان ثلاثة أعضاء جدد بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات هم بلقاسم العياشي الذي حصل على 152 صوتا وسفيان العبيدي (152 صوتا) وحسناء بن سليمان (155 صوتا)، لتكتمل بذلك تركيبة الهيئة التي تتشكل من رئيس وثمانية أعضاء.

ومباشرة بعد انتهاء عملية التصويت، قال رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد في تدوينة نشرها في صفحته الرسمية على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك، إن “تونس تتقدم بثبات على طريق تنظيم انتخابات حرّة ونزيهة”.

واعتبر أن الانتخابات القادمة “ستعيد الكلمة للشعب صاحب السلطة لاختيار ممثليه”، معربا في نفس الوقت عن شكره لكافة نواب البرلمان من مختلف الكتل النيابية التي “عملت على الوصول إلى توافق والتزمت به خدمة للمسار الديمقراطي التونسي”.

منجي الحرباوي: انتخاب رئيس لهيئة الانتخابات خطوة مهمة لكنها غير كافية
منجي الحرباوي: انتخاب رئيس لهيئة الانتخابات خطوة مهمة لكنها غير كافية

وتعكس تدوينة رئيس الحكومة تفاؤلا لم يجد صدى له لدى العديد من المراقبين الذين يعتبرون أن الأوضاع العامة في البلاد لم تصل بعد إلى حالة من الاستقرار السياسي والاجتماعي، تمكنها من تنظيم هذه الاستحقاقات الانتخابية في أحسن الظروف، وبعيدا عن المنغّصات التي قد تفرغها من محتواها.

ووصف النائب البرلماني منجي الحرباوي، نجاح البرلمان في تسوية أزمة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، بانتخاب رئيسها وتجديد تركيبة أعضائها، بـ”الخطوة المُهمة” على طريق الذهاب لتلك الانتخابات بشقيها التشريعي والرئاسي.

لكنه استدرك قائلا لـ”العرب” إنه بقدر أهمية هذه الخطوة، فإنها لا تكفي وحدها لضمان إجراء انتخابات نزيهة وشفافة، بالنظر إلى جملة المخاطر المحيطة بالمشهد السياسي العام، التي مازالت تهدد المسار الديمقراطي برمّته.

وشدّد على أن العملية الانتخابية هي “مسار متعدد الجوانب، وإجراءات متنوعة يتعيّن توفيرها حتى تنجح العملية الانتخابية”، لافتا إلى أن البعض من هذه الإجراءات مازالت تبحث عن توافق بين الكتل البرلمانية لتمريرها، ومنها تنقيح القانون الانتخابي.

ولم يتردد في المقابل في القول إن المطلوب الآن هو “توفير مناخ سياسي ملائم لإنجاح المسار الانتخابي، يبدأ بالضرورة بتبديد كل العوامل التي من شأنها التأثير على نزاهة وشفافية  الانتخابات”.

وأشار إلى ما وصفها بـ”الشبهات” التي تحيط بنشاط وتمويلات بعض الأحزاب، وخاصة منها “الحزب الحاكم، أي حركة النهضة الإسلامية، التي تحوم حولها شبهات ترتقي إلى درجة الاتهامات في علاقة بملف ‘الجهاز السري’، وشبكات التسفير إلى بؤر التوتر، ووصولا إلى الاغتيال السياسي”.

وبحسب منجي الحرباوي، فإنه “دون ذلك ستبقى الشكوك تحوم حول موعد تنظيم هذه الاستحقاقات، وحول مدى نزاهتها وشفافيتها، ذلك أن مثل تلك الملفات تؤثر دون شك على الأوضاع العامة”.

ورغم أن نبيل بافون، الرئيس الجديد للهيئة العليا المستقلة للانتخابات، رجّح في تصريحات إذاعية بُثت الخميس، أن يكون موعد تنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية بين شهري أكتوبر ونوفمبر القادمين، فإن ذلك لم يحل دون تواصل الجدل حول موعد هذا الاستحقاق الانتخابي.

وكان هذا الجدل الذي ترافق مع صخب سياسي، تعالت فيه الأصوات المحذّرة من انعكاسات تأجيل الانتخابات على مجمل الأوضاع في البلاد، قد سيطر خلال الأيام القليلة الماضية على اهتمامات الفاعلين السياسيين، وذلك على ضوء تقرير لمجموعة الأزمات الدولية حذّرت فيه من مخاطر جدية تهدد مسار الانتقال الديمقراطي في تونس.

واعتبرت في تقريرها الذي نشر قبل يومين، أن حالة الاحتقان والتجاذبات السياسية التي تشهدها تونس “قد تتسبب في تعطيل المسار، أو دفع رئيس الجمهورية إلى إعلان حالة الطوارئ التي ينتج عنها تأجيل أو إلغاء الانتخابات القادمة في نهاية السنة الحالية”.

وعرفت البلاد، قبل ذلك، تصاعد وتيرة التصريحات والمواقف التي تشير إلى إمكانية تأجيل انتخابات العام 2019 بحجة صعوبة الظرف وعدم استعداد البلاد لتنظيم هذا الاستحقاق الانتخابي الهام.

وعلى وقع هذه التطورات، تبدو تلك الهواجس مشروعة، خاصة مع إحكام حركة النهضة هيمنتها على مفاصل الدولة، مُقابل تآكل دور بقية الأحزاب.

4