تفاؤل حذر بعد إعلان السودان عن قانون لمنع ختان الإناث

الممارسات المضرة بالفتيات لا يمكن ردعها لأنها تتم في الخفاء.
الجمعة 2020/07/03
يسرية عوض سيدة سودانية من الخرطوم قررت عدم اجراء العملية لبناتها الثلاث

رحبت منظمات دولية وحقوقيون بتوجه السودان إلى تجريم ختان الإناث، وفي مقابل التفاؤل الذي اعترى الكثيرين أكد مختصون أن قضية الختان هي إرث مجتمعي لا يمكن القضاء عليه بالتشريعات والقوانين والأمر يتطلب وعيا وثقافة أسرية ومجتمعية.

 القاهرة – من المتوقع أن تحظر السلطات الانتقالية في السودان ختان الإناث وتضع عقوبات تصل إلى السجن لثلاث سنوات ودفع غرامات لمن يقومون بهذه الممارسة الضارة بالفتيات، وفقا لمسودة قانون حصلت عليها وكالة أسوشيتد برس، حيث أقر مجلس الوزراء مجموعة من التعديلات تتضمن تجريم الختان.

وقال وزير العدل السوداني نصرالدين عبدالباري في بيان أرسل ردا على أسئلة الوكالة، إنه من المتوقع أن يتم الانتهاء من إجراءات تمرير القانون من قبل مجلس السيادة ومجلس الوزراء في الأيام القليلة المقبلة.

وعلى الرغم من أنها تشيد بهذه الخطوة، إلا أن كوثر علي لم تحتفل بعد، وقالت عن ختان الإناث “هذا الشيء سيموت ببطء شديد. إنها قضية تتعلق بتقاليدنا والثقافة السودانية”.

وبعد أكثر من 60 عاما لا يزال المشهد حاضرا في ذهن علي بكامل تفاصيله، ربما كانت تبلغ من العمر في ذلك الوقت 5 أو 6 سنوات، حيث قامت النساء بتثبيتها على السرير وأطبقن الخناق على ركبتيها وفتحن ساقيها وكشفن عن أعضائها التناسلية.

وعلى غرار الكثيرين في السودان، تعرضت علي لأقسى أشكال الختان وأصعبها فيما يعرف بالختان الفرعوني، وهي عملية قطع البظر وإعادة إدماجه مع فتحة الشرج، وإجراء عملية خياطة لتضييق الفتحة المهبلية.

ممارسة ختان الإناث متشابكة مع عقلية ذكورية تربط متعة الرجل بألم المرأة وتمارس السيطرة على النساء

وفي ذلك الوقت، لم تفهم تماما ما الذي سيحدث بعد ذلك، لكن في ذلك اليوم انضمت إلى العديد من الفتيات السودانيات اللاتي تعرضن للختان، وهي ممارسة تنطوي على الإزالة الجزئية أو الكلية للأعضاء التناسلية الخارجية للأنثى لأسباب غير طبية.

وقالت علي “هذه هي الحادثة التي أثرت في حياتي أكثر من غيرها. إنه أمر مشين أن يفعل الناس ذلك بجسدك، مثل الاغتصاب”.

هذا الألم الذي شعرت به علي في ذلك اليوم ربّى عندها قناعة لا تتزعزع وهي أنها لن تعرّض أيّا من بناتها لهذا الألم، اتخذت علي هذه القناعة ضد والدتها ومجتمع بأكمله حيث يقدر أن 87 في المئة من النساء بين 15 و49 عاما قد خضعن لشكل من أشكال الختان، وفقا لاستطلاع أجرته الأمم المتحدة عام 2014.

وفي وقت سابق قالت أمل الصادق كبر أمينة المرأة في مبادرة “حنبنيهو”، إن “ختان الإناث عادة سيئة تتسبب في تشويه الأعضاء التناسلية للطفلة، ويمكن أن تتسبب في مشاكل فورية ومعقدة، هذا علاوة على أن الطفلة يمكن أن تصاب بالحمى والصدمة، كما يمكن أن تصاحبها حالة نفسية طويلة المدى”.

وأكدت أن ظاهرة الختان مرفوضة اجتماعيا وخاصة عند الأمهات المتعلمات، حيث تجد أن الطبقة المتعلمة من النساء والرجال ترفض هذه الظاهرة، لكن مازالت هذه الظاهر موجودة في الريف وبعض القرى النائية، لكن الإحصائيات المنشورة خلال الأعوام الثلاثة الماضية تقول إن 90 في المئة من السودانيين يقومون بختان الإناث وبشكل خاص في المناطق الريفية، وقد دشنت حملات للنهي عن تلك العادة مثل حملة (سليمة ضد الختان).

وأفادت أن إدراج مادة في قانون العقوبات ضد من يمارس أو يعرض الطفلة لمثل تلك الأعمال للعقوبات قد يخفف أو يردع نسبة بسيطة ممن يقومون بتلك العادة، لكن المعروف أن عملية الختان تتم في الخفاء وليس بالعلن.

سودانيون ضدّ ختان الإناث
سودانيون ضدّ ختان الإناث

وفي السياق ذاته قال وليد أبوزيد الأمين العام لمجموعة “حنبنيهو”، إن المجتمع أصبح يرفض هذه العادة بصورة كبيرة، ولكن هناك بعض فئات المجتمع البسيطة مازالت مستمرة في ممارسة تلك العادة بصورة سرية لأن القانون يعاقب القابلة التي تمارسها ويجرم الأم فورا، وقد تشكل وعي كامل لدى الرجال بضرورة القضاء على هذه الظاهرة، لكن للأسف بعض السيدات مازلن يعتقدن بأهميتها وحتميتها ويقمن بتلك العملية في غياب والد الطفلة أو دون علمه، وهناك آباء قاموا بفتح بلاغات ضد زوجاتهم اللواتي قمن بهذا الفعل الشنيع.

وقالت ٱمنة أحمد مختار مؤسسة حزب الخضر السوداني، إن “ختان الإناث ممنوع بحكم القانون من فترة طويلة ولكنه يتم بطرق سرية ولم يطبق القانون، لكن خلال العقدين الماضيين كان هناك وعي كبير لدى الناس بالأضرار الجسيمة لتلك العادة على الأسرة والمجتمع بشكل عام”. وأضافت “الآن لم أعد أسمع بحالات ختان في المدن والبلدات الريفية الكبيرة بشكل خاص، وعلى أي حال، إدراج هذه المادة في قانون العقوبات خير كبير، ولكن المحك يظل في تنفيذ العقوبة وعدم التساهل مع المخالفين”.

وقال نيمكو علي المؤسس المشارك لمؤسسة “فايف فاونديشن”، التي تطالب بإلغاء ختان الإناث “أنا متحمس وفخور للغاية. هذه هي الأشياء التي يجب أن نحتفل بها لأن ذلك كان جزءا من الديمقراطية القادمة إلى السودان”.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن ختان الإناث يعتبر “شكلا متطرفا من أشكال التمييز” ضد المرأة. يتم إجراؤه على القاصرات دائما، ويمكن أن يؤدي إلى النزيف المفرط أو الموت أو قد يسبب مشاكل بما في ذلك الالتهابات ومضاعفات الولادة والاكتئاب.

وتعرضت الملايين من الفتيات والسيدات للختان في دول في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، باختلاف الأسباب، ولكن يعتقد الكثيرون أن هذه العملية تحافظ على نظافة المرأة وتحمي عفتها من خلال التحكم في رغبتها الجنسية. هذه العملية يديرها ويقرها رجال الدين من خلال آرائهم وفتاواهم. البعض يفعل هذه الممارسة ويقبلها، والبعض الآخر يعمل على القضاء عليها والبعض الآخر يعتبرها غير ذات صلة بالدين.

وقال محمد هاشم الحكيم، رجل دين مسلم سوداني يعارض الختان، إنه يجب على رجال الدين مواجهة محاولات إدراج الحكم الديني في عادة متجذرة إلى حد كبير في الثقافة. وكشف أن هذه الممارسة تسبق الإسلام وتتجاوز الخطوط الدينية. “لا يستطيع أحد أن يقول إن الممارسة الضارة تنتمي إلى الدين”.

وفي ظل حكم عمر البشير، الذي تمت الإطاحة به في أبريل من العام الماضي، قال بعض رجال الدين السودانيين إن أشكال ختان الإناث جائزة من الناحية الدينية، بحجة أن الجدل الوحيد الذي كان دائرا هو بشأن ما إذا كان ذلك مطلوبا أم لا.

87 في المئة من النساء بين 15 و49 عاما قد خضعن لشكل من أشكال الختان
87 في المئة من النساء السودانيات بين 15 و49 عاما قد خضعن لشكل من أشكال الختان

وكان الخوف مما قد يقوله الناس، وليس المعتقدات الدينية، هو الذي دفع والدة كوثر علي إلى محاربة قرارها بعد إخضاع ابنتها لهذه العملية. حتى أن علي كانت تخشى من أن والدتها سترسل لها أحدا ليفعل بها تلك الفعلة أثناء فترة تواجدها في العمل. واتفقت مع طفلتها أن تركض إلى أقرب مركز شرطة قريب إذا حدث معها ذلك.

وتبلغ علي من العمر الآن 35 عاما، وتتساءل عما إذا كانت الشرطة ستساعد في منع ذلك حينها. قالت إنها ممتنة لمعركة والدتها. ومن بين زميلاتها في المدرسة الثانوية، كانت هي الوحيدة الشاذة لعدم تعرضها للختان.

وأكدت أن ممارسة ختان الإناث متشابكة مع عقلية ذكورية تربط المتعة الجنسية للرجل بألم المرأة وتمارس السيطرة على النساء.

وقالت “العادات والتقاليد والثقافة أقوى بكثير من القوانين المكتوبة”، مضيفة أن النشطاء المعادين للختان يحتاجون إلى إشراك الرجال بشكل أكبر.

وتوضح مصر، الدولة المجاورة، مدى صعوبة إنهاء هذه الممارسة، وحظرت مصر ختان الإناث في عام 2008 ورفعته إلى جناية في عام 2016، مما سمح بتوقيع عقوبات أشد. وقالت بعض السلطات الإسلامية في مصر إن ختان الإناث ممنوع. ومع ذلك، وجد استطلاع حكومي عام 2015 أن 87 في المئة من النساء المصريات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 15 و49 عامًا قد خضعن للختان، على الرغم من أن المعدل بين المراهقين انخفض بنسبة 11 نقطة مئوية عن استطلاع عام 2008.

وأوضح رضا الدنبوكي، المدير التنفيذي لمركز المرأة للإرشاد والوعي القانوني، إنه كانت هناك حالات أصدر فيها القضاة الحد الأدنى من العقوبات على الأطباء الذين خالفوا القانون، مما منح الانطباع بأن الأطباء يمكنهم الاستمرار في ذلك دون عقاب.

وقال عثمان شيبة، الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة في السودان، إنه مع تطبيق القانون السوداني، هناك خطر أن ينتشر ختان الإناث سرا. لكن التجريم يبعث برسالة قوية، مفادها “أن حكومة الثورة لن تقبل أن يلحق هذا الأذى بالفتيات”.

ووقفت النساء في طليعة الاحتجاجات ضد البشير. واتخذت السلطات الانتقالية خطوات للتراجع عن إرثه، الذي يقول الناشطون إنه حرم النساء من حقوقهن.

وقال نيمكو علي إن القضاء على الختان يجب أن يتبعه تمكين المرأة، وأوضحت علي “أنت تدخل التشريع ومن ثم تبدأ في إجراء المحادثة ثم يحدث التغيير الحقيقي”. وأكد أن جيلا أكثر وعيا من الشباب السوداني يرفض هذه الممارسة ويريد المساواة.

21