تفاصيل الحياة اليومية للمتطرفين مدخل آخر لمقاومة الإرهاب

لتغلغل الفكر الإسلامي المتطرف مستويان رئيسيان عند البحث؛ المستوى الظاهر وهو التنظيمات الجهادية والإسلامية السياسية بتحركاتها وهجماتها الإرهابية، والجزء المخفي وهو تكون العقيدة الجهادية داخل التفاصيل اليومية للعنصر المتشدد، ولكل من هذين المستويين أساليب للتعامل معهما، منها الأمني والرقابي، ومنها الاجتماعي والنفسي، وهو ما أوصى به عدد من الباحثين والنشطاء في مجال مكافحة التطرف في أوروبا.
الاثنين 2016/04/04
المواجهة أضحت أكثر تعقيدا

فيينا - تفطن العديد من الخبراء في مجال الجماعات الإسلامية المتشددة إلى أن التعاطي الأمني مع الإرهاب ليس آلية كافية للقضاء على هذه الآفة، بل إن الغوص في الحياة اليومية للعناصر الإسلامية المتشددة يعد مدخلا هاما لفهم تكون “الفكرة الجهادية” في ذهن تلك العناصر وكيفية تحولها إلى قنابل موقوتة.

يعرض الباحث الاجتماعي الفرنسي آلان سورال فكرة تخص استقطاب الشباب عبر الوسائل المباشرة للجماعات الإرهابية أو عبر الإنترنت. ويقول سورال “إن الطبيعة النفسية للشباب بين سن الـ15 والثالثة والعشرين أصبحت اليوم أكثر تعقيدا من ذي قبل.

فهذه الفئة العمرية من الشخصية، وبقطع النظر عن تسليمنا بحساسيتها، تعد أكثر فئة قابلة للتحول المفاجئ نحو التطرف والنزوع نحو العنف”. ولئن كانت كلمات الباحث الاجتماعي مجردة من الحديث عن الفعل الإرهابي المتأتي من التطرف الديني، إلا أنه يستدرك عند تناوله للجماعات الإسلامية المتطرفة قائلا “إن الشبكات الإرهابية تعمل بكثافة على هذه الفئة وتستغل خصائصها النفسية ‘الهشة’ لتحويل فكرها إلى مساحة سوداء من التفكير الأحادي المشفوع بسلوك عنيف”.

يحيل تحليل السوسيولوجي الفرنسي آلان سورال إلى مسألة البحث في المحيط القريب من الأفراد المعرضين للاستقطاب بما أن الحديث أصبح عن النفسية الاجتماعية للشخص، ونظرا لما يمكن أن يكشفه هذا المحيط من حقائق حول تحويل الأشخاص العاديين إلى عناصر متشددة. فالخطاب الافتراضي عبر وسائل التواصل الحديثة يحمل من الخصائص القادرة على دمغجة المتلقي بسهولة، إذ يكفي أن يتمكن أحد الإرهابيين المسؤولين على التجنيد من التعرف إلى شخص عبر الإنترنت بعد دراسة شخصيته بدقة، فيتم تقديم المواد الجهادية بسهولة وسرعة، وهذا ما يدفع المتلقي إلى ردة فعل غالبا ما تكون إيجابية ومتماشية مع الأفكار المتشددة. وتطرح هذه العملية تغيرات واضحة في السلوك تبدو ظاهرة في المعاملات اليومية، وهذا ما أكدته شهادات أمهات العناصر المتشددة التي انضمت إلى تنظيم داعش في السنوات الأخيرة.

وقالت المحللة إديت شلافر مؤسسة منظمة “نساء بلا حدود” غير الحكومية ومقرها فيينا، إنها “منافسة مباشرة بين الأمهات والمجندين الذين يستخدمون نفوذهم الضار في المساجد عندما يصبح الأولاد فتيانا”. وأكدت شلافر أن أول المعايير في اكتشاف تطرف الأبناء وتشددهم هو التغير الواضح في سلوكهم ولباسهم وأوقات ممارستهم للأعمال اليومية المعروفة. وأشارت إديت شلافر إلى أن الفضاءات العمومية التي كان الشاب يتردد عليها تتغير شيئا فشيئا ليصبح المسجد هو الإطار الأساسي لممارسة حياته، وفيه يمكن أن يلتقي الشباب بالعناصر التكفيرية القادرة على تسفيرهم إلى سوريا “وهذا في الأغلب ما يحدث”، حسب الناشطة النمساوية.

الشبكات الإرهابية تعمل بكثافة على فئة الشباب وتستغل خصائصها النفسية الهشة لتحويل فكرها نحو الانتحار

وبعد أن تعرفت على نساء أخريات سافر أبناؤهن إلى سوريا بعد تجنيدهم في خلايا متشددة، تقول فاطمة الزرهوني وهي امرأة بلجيكية تبلغ من العمر 44 عاما إنها “لم تعد تشعر بأنها وحيدة”، حتى وإن كانت تشعر “بأنها لن ترى ابنها مجددا”. وتؤكد الزرهوني في سياق شهادتها في منظمة نساء بلا حدود التي تساعد على تخطي إشكالات أبنائها في مسألة التطرف، أنه “لم تخطر سوريا ببالها للحظة عندما رأت ابنها يصلي بانتظام ويبدل ملابسه الغربية بملابس تقليدية”.

الاقتراب من الواقع اليومي الذي يعيشه الشباب مسألة دقيقة ومفيدة لمنع كل ميل محتمل إلى العنف والإرهاب، خاصة عبر وسائل التواصل الافتراضي التي تعد مساحة لتبادل الأفكار المستلهمة من التنظيرات الجهادية القائمة على أسس الفكر الإسلامي السياسي أو تدور في فلكه. ولا تحمل هذه الفكرة بالضرورة دعوة إلى الرقابة المشددة على الأفراد، فالرقابة تتبع الحلول الأمنية، لكن الأمر أصبح الآن مرتبطا ببناء الشخصية المتوازنة للشباب عبر مقاربات عديدة.

وقالت مينات كوبانوفا الصحافية والمدربة في ورشات العمل في مقر جمعية نساء بلا حدود بفيينا إن “الأمر ليس سرا، فجاليتنا المسلمة تأثرت بشكل كبير بظاهرة تطرف شبابها”. وأضافت كوبانوفا أن تطرف الشباب المسلم خاصة في المجتمعات الأوروبية يعد سببا مباشرا للتطرف المضاد وهو اليمين المتشدد الأوروبي الذي يرفض الأجانب والمهاجرين خاصة المسلمين منهم. وبذلك فإن الجماعات الإسلامية تعد المسؤول الأول عن تكون الكتل الاجتماعية المتعصبة داخل المجتمعات الأوروبية نظرا للتعاطي اليومي بين المواطنين في ما بينهم، وإحساس جزء واسع من الناس أن مظاهر التدين الظاهرة على الشباب المسلم هي علامات على تطرف أولئك الشباب واحتمال أن يكونوا من العناصر الإرهابية. وبحسب السلطات النمساوية فإن 260 شابا توجهوا إلى سوريا والعراق بينهم ثمانون عادوا من هذين البلدين وأربعون قتلوا و140 شخصا لا يزالون هناك.

13