تفاصيل ثورية

الأربعاء 2014/02/05

ممكن جدا ألا تكون محبا للموسيقى، وجائز أكثر ألا تكون من عشاق سيدة اسمها “ماجدة الرومي”، ممكن وجائز، ومن حقك أكيد، لكن من حقنا كبشر ننتمي لحد أدنى من الحضارة، ونومن بمستوى مقبول من قيم الأخلاق، أن نستمع لكلام قد لا يعجب السياسيين، والأكيد أنه لن يحظى بقبول العقائديين، والمنحازين لخندق محجوز للبكاء على شهداء كتبت أسماؤهم على صحائف بالدم المراق، في مجابهة صحائف صف مدان، أن نستمع له دون دموع ولا تشفي.

تحدثت “ماجدة” في ذكرى حزينة قبل سنوات، بلوعة المشتاق عن “جبران تويني” الرمز والعربي المنذور للمستقبل الحر، الذي اغتالته نار غدر النظام السوري في لحظة فلتان غبي من تاريخنا المعاصر، تحدثت دون أن تدين أحدا، تكلمت بدل أن تغني، فقط لأن الغناء لم يعد له معنى، ولأن زمن الاحتلال الإيراني الجديد، أهدانا حائط مبكى صقيل، بدل منصة طرب، ليندب ليس اللبناني فقط، بل العربي حظه العاثر، على الوجود على حافة جوار مندور للفقد المسترسل.

ألقت “ماجدة” مرثيتها عن “جبران” في حضرة الأب الكبير “غسان تويني”، ترقرقت دموعه خجلا من حضرة الشخص الكبير الذي كانه دوما، وكانت إدانة للحظة، لم تفقد طراوتها المتوفزة بالحياة لليوم، وهو الذي غاب عن دنيانا الآن، لكن كأن المقلة التي سكبت تلك الدموع، تشهد على الحاضر، حاضر السيارات المفخخة في طول المشرق العربي وعرضه، لم تكن دمعة أب ولا قريب وإنما دمعة شاهد ورائي على أحوال زماننا المنكوب.

حين أستعيد اليوم مسار “غسان” المثقف والجامعي والوزير والصحفي أولا وأخيرا، اخجل من مآل شجاعة العربية التي أودت بمبدعيها عبر تاريخ العنفوان الزاهي، ليس فقط لمجد السلطة، وإنما أيضا لمحن السجن والمنفى والرصاص الذي يطلقه كاتم صوت، لمسار أضحت فيه العربية بين يديك عزيزي القارئ اليوم، لغتان، لغة تنتمي بالضرورة لذلك التراث المجيد، ولغة حربائية يبحث لها فقهاء اللسان الجدد عن ذاكرة زائفة. استحضر هنا مسار شعراء وروائيين ونقاد وباحثين، لم يفقهوا يوما لغة غير العربية، وأهانوها بالانتماء ليس لذاكرة غير شرقية وإنما لذاكرة تعادي العربية، وانحازوا عقائديا لاحتلالها المادي والمجازي.

قد أتفهم جيدا ذلك الولع المعرّب بأشعار جلال الدين الرومي، وروايات أورهان باموق، ورباعيات الخيام، وأشعار طاغور، ونصوص محمد إقبال، وأفكار الأفغاني،… لكن ما لا أستسيغه هو أن تتحول تلك الذاكرة الشرقية المشتركة إلى ذريعة لتبرير مصادرة سياسية لا تجوز، لذاكرة شديدة الخصوصية بحجة الانتماء المشترك لشرق لا تجانس فيه، إلا لأجل تكبيل حرية مشتهاة.

ولنضع النقاط على الحروف، حتى لا نترك أقنعة الألفاظ تاخذ مداها، لا يجوز أن نتحدث اليوم عن مشترك ثقافي وعقدي ومذهبي بتعميم شرقي فارسي وتركي وباكستاني وأفغاني…، يبرر الفظائع التي تنتهك حضارة البشر. آن الأوان أن نتحدث بلغة إنسانية واضحة عن أناس “عرب” صودر حاضرهم زمن الاحتلال العثماني ثم الغربي، وبات مستقبلهم القريب رهين محاصصات ذلك الجوار، لن يعوضهم التأثير الثقافي المشترك عن بلدان خربت، ولا شعوب أبيدت. التأثير والتفاعل يكون بين شعوب وليس بين جوار متآمر وشعب مقتول.

أستحضر الآن سيرة “أورهان باموق” عن مدينة أسطنبول، تحدث فيها عن ذاته العميقة وعن المدينة الشرقية التي عاش عبر عقود مسار فقدها لشرقيتها، تحدث بلوعة وحزن عن خسران شيء حميمي اكتسحه الغرب ونكل به رغبة زعيم مؤسس. أفكر في كل تلك العواطف والأحاسيس الناعمة التي تحدث بها عن ماضيه في أحياء وبيوتات المدينة، وفي ذهني تلك الذاكرة المفترضة لأديب غائب عن دمشق أو حلب أو بغداد أو البصرة اليوم وما بعد عقدين من الآن، وكيف أراد لها الديكتاتور والجوار الشرقي أن تنتمي ليس لعالمنا وإنما لما قبل الحضارة.


* كاتب من المغرب

14