تفاصيل حياة مشوشة

أفراد أسرة ماهر كانوا من سكان المقابر الجماعية. ولد يتيما، عاش وحيدا ومات غريبا، ما بين ولادته وموته سلسلة متصلة من التواريخ؛ تاريخ ولادته، تاريخ أول ابتسامة حصل عليها من سيدة عجوز.
السبت 2019/06/08
ماهر صفاء لم يكن حاضرا في حياته مثلما هو في مماته

وصل ماهر إلى نهاية النفق المظلم فلم يجد ضوءا. كان الظلام كثيفا هذه المرة حتى ازدادت قتامته بينما كان رجال غرباء ينزلون جسده الفتي في القبر.. ويرددون بصوت خافت ما يقوله الشيخ الواقف على حافة القبر وهو يلقنه “يا ماهر! ألا أتاك الملكان النازلان المنزّلان من قبل الله تعالى عز وجل، وأجلساك وسألاك عن ربك وعن نبيك وعن إمامك، لا تخف ولا تحزن وقل لهما بكلام عربي فصيح، ولسان مليح صحيح، إن الله جل جلاله ربي ومحمد خاتم الأنبياء نبيي وعلي أمير المؤمنين إمامي، ثبتك الله بالقول الثابت.. هداك الله إلى صراط مستقيم. اجتمعنا اليوم لأجل دفنك.. رحم الله من يقرأ الفاتحة”.

ثم يكمل الغرباء نشيد الأبدية وهم يخاطبون الشاب الميت “في أمان الله بوية ماهر.. بوية ادعيلنا بوية.. شفاعتك بوية.. رحت وحدك.. إجيت يتيم ورحت يتيم”.

اسمه ماهر صفاء.. يقال إن أفراد أسرته كانوا من سكان المقابر الجماعية. ولد يتيما، عاش وحيدا ومات غريبا. ما بين ولادته وموته سلسلة متصلة من التواريخ؛ تاريخ ولادته، تاريخ أول ابتسامة حصل عليها من سيدة عجوز تكفلت بتربيته في الصغر، تاريخ أول أجر تقاضاه من عمل شاق، تاريخ أول حلم طرق أبواب قلبه وأول خيبة أمل حصل عليها، تاريخ التحاقه في صفوف المقاتلين ضد داعش، تاريخ إصابته، تاريخ ألمه وكان هو الأطول والأمضى، ثم تاريخ موته الأخير.

أصيب قبل أكثر من أربع سنوات إصابة بالغة أقعدته عن الحركة، وكانت في المعارك التي جرت للقتال ضد داعش. رقد في مستشفيات مدينة البصرة طويلا، وكان يغادرها بين الحين والآخر حين يجد قلبا رؤوفا يعطف على وحدته وآلامه.. ليعود بعدها إلى المستشفى في انتكاسة صحية جديدة.

خلال هذه الرحلة الموجعة، تراجعت حالته الصحية بسبب شحة العلاج وعدم توفر العناية اللازمة ولأن علاجه كان مكلفا. قيل الكثير عن تبرع المحسنين بمبالغ مالية لعلاجه خارج العراق وقيل أكثر عن صعوبة حصوله على موافقات السفر وعن فوات الأوان الذي فات الكثيرين قبله وسيفوت الكثيرين بعده.

تفاصيل حياته كانت مشوشة، تناقلتها ألسنة الناس الذين عرفوه عن قرب والذين سمعوا بقصته فلم تكتمل لديهم ملامحها كما يحلو لهم أن يتخيلوها.. أضافوا إليها بقعا معتمة، مثل رسام مبتدئ يحلو له بين الحين والآخر أن ينثر على لوحته الصماء بقع حبر، ينجح الرسام أحيانا لأن البقع العشوائية تحدث فرقا في الصورة النهائية.

وهكذا كانت التفاصيل الكثيرة التي سكبها أناس مجهولون في قربة كبيرة اسمها حياة ماهر؛ قربة محكمة النسيج وبلا ثقوب، لا تسمح بالتخلص من الخراج الذي كان يغادر جروح الفتى كلما حزته سكين.

لم يكن ماهر حاضرا في حياته مثلما هو في مماته؛ لم يشعر أحد منا بوجوده، بينما ظهرت تفاصيل موته بالصور ولقطات الفيديو منذ لحظة وفاته؛ مسيرة جنازته، القبر الذي سكن فيه جثمانه إلى الأبد، بل سرادق عزائه الذي غاب عنه الناس في اليوم الأول ثم امتلأ حتى ضاق بضيوفه في الأيام التالية؛ الضيوف الذين تعرفوا إليه بعد فوات الأوان من خلال لافتات نعيه وصوره في مواقع التواصل الاجتماعي.

يا ماهر.. عشت وحيدا ولم نشعر بوجودك ومت وحيدا ولم نلق عليك نظرة وداع.. شفاعتك يا ماهر، تعسا لنا ولرغيف حياتنا المغمس بملح جروحك!

21