تفاصيل مجزرة ديالى تتضح بروايات ناجين منها

الجمعة 2015/01/30
الميليشيات غول منفلت من كل الضوابط القانونية والأخلاقية يداهم المناطق العراقية

بغداد – روايات شهود عيان تقطع الشك باليقين بشأن اشتراك قوات عراقية مع عناصر الميليشيات في اقتراف مجزرة بمحافظة ديالى معمّقة حرج حكومة حيدر العبادي، ومثيرة المزيد من المخاوف بشأن انزلاق الحرب على داعش في العراق نحو تصفية الحسابات الطائفية.

بدأت روايات شهود العيان تجلي الغموض الذي حفّ بمجزرة محافظة ديالى العراقية، وتكشف تفاصيل ما حدث في بعض مناطق المحافظة إثر استعادتها من قبل القوات العراقية وميليشيات الحشد الشعبي من يد تنظيم داعش من تقتيل للمدنيين وتدمير للممتلكات وتعدّ على المقدّسات.

وتقطع روايات بعض الناجين الشك باليقين بشأن اشتراك قوات عراقية مع عناصر الميليشيات في اقتراف المجزرة معمّقة حرج حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي، ومثيرة المزيد من المخاوف من أن تأخذ الحرب على تنظيم داعش منحى تصفية الحسابات الطائفية، على أساس نسبة التنظيم المتشدّد للطائفة السنّية وتحميل جميع أبناء الطائفة بمن فيهم ضحاياه تبعة جرائمه.

ونقلت وكالة رويترز أمس روايات متشابهة لناجين من المجزرة جاء في بعضها أنّ رجالا بزي موحّد أخذوا الناس من منازلهم وقسّموهم إلى مجموعات صغيرة واقتادوهم إلى حقل وأجبروهم على الركوع ثم اختاروا البعض منهم وأعدموهم رميا بالرصاص الواحد تلو الآخر.

وترسم روايات خمسة شهود صورة لإعدامات وقعت في قرية بروانة شرق العراق يوم الاثنين، يقول سكان ومسؤولون محليون إنها خلفت ما لا يقل عن 72 قتيلا عراقيا أعزل.

وقال الشهود إن منفذي الإعدامات مجموعة من أعضاء الفصائل الشيعية المقاتلة ضمن الحشد الشعبي وعناصر قوات الأمن. وجاءت التقارير عن مذبحة الاثنين الماضي بعد حملة على مدار ثلاثة أيام نجحت خلالها الفصائل الشيعية وقوات الأمن العراقية في استعادة السيطرة على أكثر من 20 قرية من أيدي تنظيم الدولة الإسلامية قرب بلدة المقدادية بمحافظة ديالى.

ومنذ سبتمبر الماضي فر مئات المدنيين إلى حيث يتوفر أمان نسبي في بروانة هربا من القتال في سنسل على بعد نحو خمسة كيلومترات إلى الجنوب الغربي وقرى أخرى قريبة.

جنود وقفوا يراقبون ما حدث بلا حول ولا قوة وبعضهم بكى بينما كان رجال الميليشيات يعدمون المدنيين

وكان أبو عمر النازح من سنسل في منزله ببروانة يوم الاثنين نحو الساعة الثالثة والنصف عصرا حين وصلت عشر عربات همفي تقريبا تقل بضع عشرات من الرجال. وأشار الزي الموحد باللونين الأسود والبني إلى أن بعضهم مرتبط بفصيل شيعي والبعض الآخر من قوات الأمن الحكومية بينما بدا آخرون أنهم مدنيون.

وقال أبو عمر بالهاتف لرويترز إنهم جرّوا سكانا تصل أعمارهم إلى 70 عاما من منازلهم وضربوهم وسبوهم بشتائم طائفية.

وأضاف أن المقاتلين أخذوا هواتف الرجال المحمولة وبطاقات الهوية الخاصة بهم ثم كبلوا أيديهم وأوثقوا أبو عمر بحبل مع ابنه المصاب بمرض نفسي ويبلغ من العمر 12 عاما. وكرروا الشيء نفسه مع ابنه الأكبر وإخوته الثلاثة.

وتم اقتياد الرجال إلى حقل على بعد بضع مئات من الأمتار ويقول أبو عمر إن أكثر من 100 آخرين تجمعوا هناك. وأجبروا على الركوع والتحديق في الأرض لنحو ساعتين بينما كان المقاتلون يختارون أهدافهم ويقتادونهم إلى مكان خلف جدار طيني.

وقال أبو عمر “أخذوهم خلف الجدار. وفي أقل من دقيقة سمع طلق عيار ناري.. كل ما أمكننا سماعه هو طلقات الرصاص. لم نستطع أن نرى”.

تنافس شرس على قيادة الحشد الشعبي
بغداد – ما تزال قيادة قوات الحشد الشعبي رغم سوء سمعتها موضع تنافس شديد بين ساسة عراقيين، اعتبارا لما باتت تمثّله من سلطة تفوق سلطة جميع المؤسسات، ونظرا لما تمتلكه من مقدرات مالية وتسليحية ضخمة.

وكشف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر أمس عن حدّة تلك المنافسة برفضه القاطع لأن يكون رئيس الحكومة السابق نوري المالكي قائدا لقوى الحشد الشعبي، معتبرا أن ذلك مخالف لفتوى المرجع الشيعي علي السيستاني التي أنشئت تلك القوات بمقتضاها. وكان الصدر يردّ في بيان عما تناقلته وسائل إعلام بشأن مبايعة قادة الميليشيات رئيس الوزراء السابق نوري المالكي ليكون قائدا لقوى الحشد الشعبي.

وبعيدا عن هذا التنافس تؤكد المصادر أن إيران هي من تتولى عمليا قيادة الحشد الشعبي بواسطة رجلها الميادني القوي هادي العامري قائد ميليشيا بدر والعامل مباشرة تحت إمرأة قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري.

ويقول الناجون إن الضحايا اقتيدوا أيضا إلى أزقة ومنازل وخلف مسجد أو منطقة لتجميع القمامة ثم قتلوا.

أبو مزعل (25 عاما) مزارع من سنسل نزح إلى بروانة قبل خمسة أشهر وروى شهادة تتطابق مع ما قاله أبو عمر، مضيفا أن بعض المقاتلين كانوا وضعوا عصابات رأس خضراء كتب عليها اسم الحسين اصطحبوه هو وابن عمه من منزلهما إلى الحقل وساروا في طابور رؤوسهم إلى أسفل ووضع كل منهم يديه على كتف من يقف أمامه في الصف.

وسمع أبو مزعل وهو راكع بجوار ابن عمه البالغ من العمر 35 عاما آخرين يتوسلون للمسلحين حتى لا يعدموا بينما جرهم المقاتلون وقتلوهم. وقال “رفع ابن عمي رأسه فصفعه أحدهم. بعد ذلك بخمس دقائق جاؤوا وأخذوه بعيدا وأعدموه”.

وقال عبدالله الجبوري (23 عاما) وهو خريج جامعي فر من سنسل إلى بروانة منذ شهر إن الجيش سمح له بالانصراف حين جاءوا إلى منزله يوم الاثنين. وقال شهود آخرون إن الجنود وقفوا يراقبون ما حدث بلا حول ولا قوة وإن بعضهم بكوا بينما كان رجال الفصائل يعدمون المدنيين.

وقال الجبوري إنه فر حين رأى عربات الهمفي تدخل بروانة واختبأ في كومة من القمامة. أخذ يراقب بينما أطلقت مجموعة من الجنود والمقاتلين قرب مدرسة النار على صف من 13 رجلا كانت أيدي بعضهم مكبلة. وأضاف “رأيتهم يتساقطون مثل قطع الدومينو”. كما شرح الجبوري أنّه سمع دوي أعيرة نارية وصرخات حتى الساعة السابعة مساء حين رحلت العربات. وعثر على جاره وابنيه بين الجثث التي كانت قرب المدرسة. ثم خرجت النساء والأطفال لتغطية جثث الرجال. وقضى البعض الليل في الشوارع ينتحبون على القتلى. وقال الجبوري إنه عثر على جثة جار آخر خارج منزله أصيب بالرصاص في الرأس والصدر. ورأى جثثا تحمل آثار الطلقات في الحقل وفي خمسة شوارع مختلفة بالقرية. وعاد أبو عمر إلى منزله بعد انسحاب المقاتلين لينضم لابنيه. وفي ما بعد عثر على ستة أشقاء من سنسل أيضا مقتولين.

وفي الأثناء يتوقّع مراقبون أن تكون لمجزرة بروانة تبعات سياسية، خصوصا في اتجاه افتقاد الثقة في شعارات المصالحة ونبذ الطائفية التي ترفعها حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي أمر أمس بإجراء تحقيق عاجل في المجزرة، وهو ما تلقته أوساط عراقية بفتور على اعتبار أن تحقيقات كثيرة سابقة تم فتحها في قضايا مشابهة، وأغلقت لاحقا دون نتائج ملموسة.

3