تفاقم التطرف يحيي المخاوف من تكرار العشرية السوداء في الجزائر

حادثة الاعتداء على امرأة أثناء ممارستها للرياضة خلال شهر رمضان الماضي تكشف عن تفاقم ظاهرة التطرف الديني في الجزائر، الأمر الذي دفع بالسلطات إلى التحرك للتصدي لها.
الخميس 2018/06/21
التطرف يتغلغل في الجزائر

الجزائر – أثار تنامي مظاهر التطرف الديني في الأسابيع الأخيرة والدعوات المتصاعدة لممارسة العنف ضد المرأة، مخاوف الحكومة الجزائرية من عودة خطاب العشرية الدموية، وسارعت لاستنفار الدوائر الأمنية والقضائية للوقوف في وجه دعاة التشدد الديني والاعتداء على حريات وأمن المواطنين.

وكشف وزير العدل حافظ الأختام طيب لوح عن توقيف شخص وفتح تحقيقات أمنية وقضائية حول الجهات التي تقف وراء الدعوات المتصاعدة في الآونة الأخيرة على شبكات التواصل الاجتماعي، من ممارسة العنف ضد المرأة، على خلفيات دينية وعقائدية.

وذكر أمام نواب البرلمان، خلال انعقاد جلسة مناقشة قانون المالية التكميلي، بأن المصالح المختصة أوقفت شخصا وأحالته على السجن الاحتياطي، بعد ثبوت تحريضه على ممارسة العنف ضد النساء، بدعوى محاربة مظاهر العري في الأماكن العمومية، وأن مصالحه فتحت تحقيقات معمقة في شأن الجهات التي تحرض على هذه الممارسات.

وتداولت صفحات على شبكات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة، تحريضا صريحا على رمي النساء اللائي يمارسن الرياضة أو يرتدين أزياء معينة بالأحماض الحارقة على الوجه والساقين.

وكان منتزه “الصابلات” بالعاصمة قد عرف خلال شهر رمضان الماضي اعتداء جسديا ولفظيا من طرف أحد الأشخاص على امرأة كانت تمارس الرياضة، وظهرت المعنية تبكي في أحد التسجيلات، مما أثار تعاطفا وتضامنا من طرف عدة فئات اجتماعية، نظمت تظاهرات رياضية شارك فيها رجال ونساء للتعبير عن التمسك بحرية وحقوق المرأة.

وظهر سجال على شبكات التواصل الاجتماعي بين دعاة التدين المتشدد وبين المتمسكين بحقوق ومكتسبات المرأة الجزائرية، حيث رفع المتشددون شعار “بلاستك في الكوزينة (مكانك في المطبخ )”، بينما رفع المتضامنون شعار “بلاستي وين نحب ماشي غير الكوزينة (مكاني أين أريد وليس المطبخ فقط)”.

طيب لوح:  لا رحمة مع الذين يريدون العودة بالجزائريين إلى سنوات التسعينات
طيب لوح: لا رحمة مع الذين يريدون العودة بالجزائريين إلى سنوات التسعينات

وتطور السجال إلى صراع ديني وأيديولوجي بين المتشددين والمعتدلين خلال هذه الأيام، خاصة مع تفاقم التحريض إلى الاعتداء على النساء الممارسات للرياضة أو المرتديات لأزياء معينة بالأحماض الحارقة على الوجه والساقين، بدعوى محاربة الانحلال والتفسخ الأخلاقي وحماية القيم الدينية في الأماكن العمومية.

وحمل تزامن هذا الصراع مع سجالات أخرى حول بعض الفتاوى الدينية المثيرة للجدل، والمتعلقة بإخراج زكاة الفطر وصيام الست من شوال، مخاوف الحكومة من تصاعد أفكار التطرف الديني في المجتمع، رغم الجهود التى تبذلها في إرساء قيم الاعتدال والوسطية.

وصرح وزير العدل أمام نواب البرلمان بأن “لا رحمة مع الذين يريدون العودة بالجزائريين إلى سنوات التسعينات، لأن ذلك يتعارض مع نص البند 46 من ميثاق السلم والمصالحة الوطنية”، في إشارة إلى استعداد الحكومة للضرب بيد من حديد ضد كل من يعمل على نشر أفكار التطرف وجر البلاد مجددا إلى العشرية الدموية (1990 - 2000).

وأضاف “في ما يخص الانشغال الخاص باستعمال وسائل التواصل الاجتماعي لنشر العنف ضد المرأة، فإن النيابة العامة حركت الدعوى العمومية في عدة ولايات، وتم تحديد هوية أحد مرتكبي هذه الجرائم في إحدى المحافظات وقد أودع السجن”.

وباتت بعض الأفكار التي تثار من حين لآخر من طرف ناشطين دينيين في بعض المذاهب، مصدر قلق حقيقي للحكومة خاصة مع انتشار تلك الأفكار، حيث شملت دعوات التحريض على المرأة عدة مدن ومحافظات جزائرية، كالعاصمة وقسنطينة ووهران والمدية.

واستنكر الوزير والدبلوماسي السابق عبدالعزيز رحابي مظاهر التطرف التي تهدد المجتمع الجزائري بالانزلاق نحو الفوضى والصراعات الدينية والأيديولوجية، شبيهة بتلك التي عرفتها البلاد خلال حقبة التسعينات من القرن الماضي.

وقال رحابي في منشور له على صفحته الرسمية في موقع فيسبوك “غير مقبول في كل أشكاله، التحريض على حرق النساء بالحمض والترويج لتشويههن من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.. تصرف غير مقبول يفرض رد فعل إجماعي قوي وموقف رسمي مناسب، يرقى إلى مستوى الوعي بأن هذه التجاوزات قد تخلق انزلاقات شبيهة، بالتي عاشتها البلاد خلال التسعينات”.

وكان وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى، قال إن “كل المساجد الجزائرية نظمت فيها صلاة الجمعة، عملا بتوصيات الحكومة للأئمة باحترام توجهات المذهب المالكي السني الذي تدين به البلاد”، وذلك ردا على الأصوات التي دعت لإلغاء صلاة الجمعة لتزامنها مع صلاة العيد وفق توجيهات دينية مستنبطة من مذاهب أخرى.

وشدد على أن “الدولة والمجتمع في الجزائر ملتزمان بموروثهما الديني وبمعتقدات الآباء والأجداد الذين تبنوا المذهب الديني المالكي من قرون غابرة، ولا يمكن لهما الانصياع للأفكار الدينية المستوردة”، في إشارة إلى الأفكار الدينية الحديثة المستندة لتوجهات خارجية.

وهي الأوساط التي دأبت على إثارة الارتباك الاجتماعي في المناسبات والمواسم الدينية، حيث تتعمد القيام بممارسات دينية مزعجة للتماسك والإجماع الديني الذي تبحث عنه الحكومة، خوفا مما تسميه بـ”الفوضى الدينية والتطرف المذهبي وتهديد الاستقرار الاجتماعي”.

وتحولت زكاة الفطر وصيام الست من شوال إلى مصدر سجال حقيقي بين الغالبية الشعبية المدعومة من طرف الحكومة، وبين دعاة مراجعتها وفق مرجعياتها المذهبية، كإخراج الأولى عينا وليس نقدا، وإدراج الثانية في خانة المكروه.

4