تفاقم الخلاف بين المؤسسات والنقابات التونسية حول حق الاضراب

الثلاثاء 2015/06/02
تصاعد الإضرابات وتزايدها في القطاعات الحساسة في تونس

تونس- لم تشفع الزيارات المكوكية التي قام بها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي لكل من فرنسا والولايات المتحدة الأميركية في بعث رسائل طمأنة حول اقتصاد تونسي مهترئ ومتجه نحو المزيد من التدهور. فمؤشرات التنمية حسب تقارير اقتصادية في تراجع مستمر وتتوازى مع نسب إنتاج ضعيفة تكاد تكون معدومة، وهو ما يشي بسياسة حكومية غير واضحة وتمش بطيء في اتجاه الإصلاحات التي أعلنت عنها حكومة الحبيب الصيد، ما يتوازى مع تصاعد وتيرة الإضرابات العمالية والتحركات الاحتجاجية في بعض المناطق، مسببة شللا شبه تام في القطاعات الإنتاجية الكبرى.

وفي السياق، انقسمت المنظمتان الأكبر في البلاد، الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، حول كيفية تجاوز هذه الأزمة وطريقة تعاطي العمال والموظفين مع الوضع المتدهور.

فقد أعربت وداد بوشماوي رئيسة اتحاد الأعراف عن قلق منظمتها من تصاعد الإضرابات وتزايدها في القطاعات الحساسة في البلاد، مطالبة اتحاد الشغل بالتوقف عن هذه الإضرابات، أما حسين العباسي الأمين العام للمنظمة الشغلية فقد أكد أن الإضرابات حق وهي رد على سياسة حكومية غير واضحة في التنمية والاستثمار وهي إنذار بضرورة تحسين الوضع المعيشي إزاء تدهور القدرة الشرائية للعمال والموظفين.

الإضرابات تتسبب في إيقاف عجلة الاقتصاد

وداد بوشماوي: سيدة أعمال تونسية وهي رئيسة الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، وهي ناشطة في مجال الأعمال النفطية والطاقة

قالت وداد بوشماوي رئيسة الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، إن الإضراب “أصبح حقا والعمل أصبح استثناء بما تسبب في ضياع قيمة العمل”، مؤكدة أن الشباب التونسي المهمش والمعطل ينتظر تحقيق طلباته والجميع في تونس يحتاج إلى العمل.

وأشارت بوشماوي إلى أن موجة الإضرابات الأخيرة التي طالت قطاعات خاصة وعامة لا تعكس مطالب نقابية وعمالية بقدر ما تزيد الوضع السياسي والأمني والاقتصادي تعقيدا.

وأضافت رئيسة الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة خلال المحاضرة التي ألقتها على مدرج جامعة تونس قرطاج الخاصة أمام طلبة الجامعة حول “الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية وتحدّيات ما بعد ثورة 14 يناير 2011”، أن نسبة الاستثمار في تحسن، مشيرة إلى أنه يجب أن يفهم الجميع أنه لابد من ثلاث سنوات ليصبح المشروع قائم الذات وهو ما يجعل البعض يعتقد أنه ليست هناك مشاريع والحال أنها بصدد البناء والتشييد رغم العراقيل الإدارية والتعطيلات البيروقراطية.

وأكدت بوشماوي ضرورة تميز العلاقة بين القطاع الخاص والجامعات لاسيما أن القطاع الوحيد القادر على توفير أكثر الفرص للتشغيل هو القطاع الخاص الذي يشجع على المبادرات الخاصة، مشيرة إلى الصدى الذي رافق زيارة قائد السبسي لأميركا، قائلة إنه بمجيء الأميركان إلى تونس تتحقق الاتفاقيات.

وقالت رئيسة الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية إنه يجب البحث عن أسواق أخرى، لاسيما السوق الأفريقية التي تعد سوقا واعدة، مؤكدة ضرورة توفر الإرادة السياسية من خلال توفر الظروف الأمنية والبنية التحتية والسلم الاجتماعي، وأضافت بوشماوي أن جهود المستثمرين يجب أن ترافقها إرادة سياسية حقيقية يوفرها السياسيون.

وأفادت بوشماوي أنه يوجد العديد من المنافسين في السوق الأفريقية، وهو ما يتطلب إجراءات عاجلة تعزز من حظوظ المستثمرين التونسيين، مشيرة إلى أن التجارة الموازية تمثل 54 بالمئة من الاقتصاد الوطني ويجب مواجهتها.

ودعت بوشماوي الطلبة الحاضرين إلى الإقبال على التربصات المهنية ليتمكنوا من تحسين قدراتهم المعرفية قبل البحث عن المادة. وقدمت رئيسة الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية للطلبة في مستهل محاضرتها نبذة عن تاريخ الاتحاد ومختلف مكوناته.

الإضراب أصبح حقا والعمل أصبح استثناء، وهو ما تسبب في ضياع قيمة العمل والدخول في أزمة علينا جميعا حلها

وقالت وداد بوشماوي رئيسة اتحاد الأعراف إن “الاتحاد العام التونسي للشغل يمثل الآن رافعة نقابية ومؤسساتية وسياسية لإضرابات عشوائية وخطيرة، فهو أصبح الأداة لإضفاء شرعية على إضرابات في الأصل يمكن أن تدخل تحت طائلة القانون”.

واعتبرت وداد بوشماوي رئيسة منظمة الأعراف بمناسبة عيد العمال أن تراجع الاستثمار يعود بالأساس إلى كثرة الإضرابات وعدم توفر الاستقرار الاجتماعي. كما شددت بوشماوي على ضرورة تفادي التهجم على أصحاب المؤسسات وتعزيز الثقة بين الأطراف الاجتماعية.

وقالت في معرض ردها على تصريحات حسين العباسي في ما يخص ممارسات بعض أصحاب المؤسسات مع عمالهم المضربين إنه “لا يحق لأي شخص أن يقدم لنا دروسا، وغير مسموح لأي شخص أن يزايد على وطنيتنا”.

وأكدت بوشماوي أنه من ناحية الأعراف وكأصحاب وصاحبات مؤسسات، فإن الفيصل الوحيد هو القضاء، وذلك في ما يتعلق بالمسائل التي تفتقد إلى تطبيق القانون.

وأضافت رئيسة منظمة الأعراف أن ما حز في أنفس الأعراف هو أن تصريحات العباسي كانت في موقع غير تونسي، مبينة أنه إذا وُجد انزعاج فباب التواصل والحوار موجود بين الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية واتحاد الشغل.

وقد أشارت بوشماوي إلى أن الخلافات التي تحدث اليوم بين الإتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة ليس في محله أو في وقته المناسب، "إذ تمر تونس بظرف صعب" ويجب أن يتخطى الجميع هذه الصعاب دون اشكالات.

الإضراب حق وليس سببا في الكساد الاقتصادي

حسين العباسي: مناضل نقابي في الاتحاد العام التونسي للشغل منذ 1983 وهو ناشط حقوقي ومعارض للنظام السابق، انتخب على رأس الاتحاد سنة 2011

أمام دعوات اتحاد الأعراف التونسي إلى وقف موجة الاضرابات التي تعم مختلف القطاعات الاقتصادية والخدماتية في تونس، رد الاتحاد العام التونسي للشغل على تحركات أصحاب المؤسسات والمستثمرين بجملة من التوضيحات التي تخص واقع الموظفين والعمال في تونس.

وقال الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل إن الاتحاد “واع ويعرف متى ينظم الإضرابات”، وأكد حسين العباسي على هامش ندوة وطنية حول حق الإضراب أن “الإضرابات ليست مسؤولة عن الإرهاب أو الكساد الاقتصادي، بل إنها ردود أفعال طبيعية إزاء عدم مواكبة الأعراف وأصحاب رؤوس الأموال في تونس للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تطرأ على الواقع المعيش في تونس والعالم”.

وتحدث العباسي عن حراك تدعمه قوى رأس المال لتقليص حقوق العمال وإلغاء عديد المكتسبات الاجتماعية. وأكد أن الحكومة اقترحت على الاتحاد في إطار المفاوضات الاجتماعية زيادة بـ40 دينارا، وهي زيادة “مهينة للموظفين”. وقال “الاتحاد سيناضل من أجل زيادة إجمالية تقدر بـ 35 بالمئة لمدة 3 سنوات بحيث يمكن أن تخلق التوازن بين الراتب والقدرة الشرائية”.

من جانب آخر رفض حسين العباسي التقارير التي تقول بأن الموظف التونسي يشتغل 8 دقائق في اليوم قائلا “هذا التقرير هو ضرب لمعنويات اتحاد الشغل”.

وأكد الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، أن القدرة الشرائية للأُجراء لم تشهد تدهورا مثلما شهدته في الأربع سنوات التي تلت الثورة.
وأشار العباسي إلى أن الاتحاد ليست له صداقة دائمة مع الحكومات أيا كانت، وليست له عداوة دائمة، وهو لا يقدم صكا على بياض.

وأكد الأمين العام أنه سيتم في الوقت القريب فتح العديد من الملفات على مستوى وطني، على غرار سياسة التأجير في تونس ومجلة الشغل وملف مستقبل المؤسسات العمومية من أجل تطويرها بعيدا عن بيعها إلى القطاع الخاص.

ويرجع العباسي “غضب” العمال إلى إحساسهم بالحيف الاجتماعي ووعيهم بعدم التوزيع العادل لعائدات الخيرات، مشددا على أن عمال تونس تعرضوا منذ ثورة يناير 2011 إلى عملية “تفقير ممنهجة”.

الإضرابات ليست مسؤولة عن الكساد الاقتصادي بل هي ردود أفعال طبيعية إزاء عدم مواكبة الأعراف للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية
لافتا إلى أن 20 بالمئة من ثروة البلاد توزع على 80 بالمئة من أبنائها المفقرين و‏ضعاف المقدرة الشرائية، و80 بالمئة من ثروة البلاد يستحوذ عليها 20 بالمئة من كبار رؤوس الأموال ورجال الأعمال ‏الذين يتمتعون بامتيازات الاستثمار، ولكنهم لا ينفذون المشاريع التي من شأنها أن توفر التنمية للعمال خاصة وللتونسيين عامة.

وإضافة إلى حالة التفقير يؤكد العباسي أن سياسات الحكومات المتعاقبة قادت خلال السنوات الأربع الماضية إلى ارتفاع عدد العاطلين عن العمل إلى أكثر من مليون عاطل، منهم 520 ألفا من حاملي الشهادات الجامعية العليا على الرغم من أن الدستور ينص على أن “الشغل حق من حقوق” كل التونسيين.

‏وإزاء تصاعد منسوب الاحتقان الاجتماعي الذي عكسته المئات من الإضرابات المشروعة لم يتردد العباسي في القول إن “رياح الثورة لم تصل إلى المنظومة التشغيلية، بل ظلت كما كانت، أي قائمة على استغلال ‏الأجير وانتهاك حقوقه وتحرمه من التغطية الاجتماعية، وتمتص دمه بقانون الجباية المجحف”.

ولم تكن “صيحة الفزع″ التي أطلقها العباسي بمعزل عن اتجاهات الرأي العام لدى العمال، حيث تشير عمليات سبر الآراء إلى أن 86 بالمئة من العمال يقولون إن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية تراجعت منذ انتفاضة يناير 2011، فيما رأى 71 بالمئة أن الأوضاع المتردية في البلاد تؤشر على أن “مستقبل أبنائهم اقتصاديا واجتماعيا سيكون أسوأ من وضعهم الحالي” وهذا ما ارتكز عليه الاتحاد العام التونسي للشغل في تحركاته الأخيرة، وإن كانت "غير مؤطرة منذ بدايتها من قبل هياكل الاتحاد" حسب مراقبين، إلا أن النقابة الأولى في تونس تقر شرعيته وتسانده فيما بعد، وذلك في مواجهة "ظلم الأعراف" كما يقول العباسي.

الأزمة الاقتصادية تؤشر على دخول تونس مرحلة خطيرة

حمّى الإضرابات المتصاعدة والتوترات الاجتماعية ترسم مستقبلا غامضا لتونس

تونس- يقف الاقتصاد التونسي المتعثر على قدم واحدة وهو يستعد للانطلاق في حزمة إصلاحات هيكلية بضغط من المنظمات المالية العالمية، لكن حمّى الإضرابات المتصاعدة والتوترات الاجتماعية ترسم مستقبلا غامضا للانتقال الاقتصادي في هذه الديمقراطية الناشئة.

وتعيش تونس التي تواجه أزمة اقتصادية خانقة بعد أن أمنت انتقالا سياسيا ديمقراطيا منذ 2011، على وقع احتجاجات اجتماعية وإضرابات عمالية، مطالبة بوظائف ومنح وتنمية، تتصاعد وتيرتها من حين إلى آخر في مناطق متفرقة بالجنوب الفقير على وجه الخصوص حيث يمكن أن تقترب البطالة من 50 بالمئة.

وطالبت الحكومات المتعاقبة منذ 2011 بهدنات اجتماعية، لكن التأخر في تطبيق غالبية الاتفاقات المبرمة مع النقابات وتأخر برامج التنمية في الجهات الفقيرة أبقيا وتيرة الإضرابات والاعتصامات على حالها لتتسع رقعتها إلى أغلب القطاعات وبشكل يكاد يكون يوميا، في النقل والتعليم والصحة والكهرباء والقضاء وغيرها.

وأدت الاحتجاجات العمالية إلى تعطل إنتاج الفوسفات في منطقة الحوض المنجمي في ولاية قفصة وهو أبرز نشاط صناعي في المنطقة ومن بين مصادر الدخل الرئيسية للبلاد، وقد تراجع إنتاجه إلى مستويات قياسية في 2014 وصل إلى 3.8 مليون طن مقابل قرابة 8 ملايين طن عام 2010.

كما اندلعت احتجاجات عنيفة في ولاية قبلي الواقعة على أطراف الصحراء للمطالبة بفرص عمل في شركات بترولية منتصبة في الجهة وتتمتع بعقود تنقيب، لا سيما مع الإعلان مؤخرا عن اكتشافات لآبار نفطية جديدة. ويترافق ذلك مع اتهامات تسوقها أحزاب معارضة للدولة بالتستر على ثروات نفطية وعقود تحوم حولها شبهات فساد مع شركات نفطية عالمية.

ويردد المحتجون في تلك المناطق أنهم لا يلحظون تغييرا يذكر في البنية التحتية والتنمية والاستثمار وغلاء المعيشة، وهي المطالب الرئيسية التي أشعلت الثورة ضد حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي عام 2011.

وعلى المستوى العملي فإن نسبة النمو المتوقعة من قبل صندوق النقد الدولي، وهي ما بين 5.2 و3 بالمئة للعام الجاري، غير ملائمة لانتظارات الشباب في ما يتعلق بالتشغيل وتحسين مستوى العيش.

تونس التي تواجه أزمة اقتصادية خانقة تعيش على وقع احتجاجات اجتماعية وإضرابات عمالية

ويتوقع الخبراء في تونس وضعا أكثر صعوبة في المستقبل، إذ تنخفض التوقعات إلى ما بين صفر وواحد بالمئة لعام 2015 إذا تم الأخذ بعين الاعتبار الهبوط القياسي في إنتاج الفوسفات الذي يوفر 6 بالمئة من الناتج الخام، وتراجع القطاع السياحي الحيوي بنسبة 7 بالمئة بعد الهجوم الإرهابي على متحف باردو واستمرار الإضرابات العشوائية.

وقال الخبير الاقتصادي عز الدين سعيدان إن “نسبة النمو في الربع الأول بلغت 1.7 بالمئة وهذا لم يحدث منذ سنوات، ويعني ذلك أن الاقتصاد ليس في مرحلة تعافي بل بصدد التدهور”. ويوضح سعيدان أن “ما يحدث في تونس يشبه السيناريو اليوناني في عدة نقاط، من بينها الانتدابات الواسعة والعشوائية في القطاع العام وارتفاع الدين الخارجي واستمرار وتيرة الإضرابات”.

وتعتبر هذه المؤشرات السلبية في التنمية نتيجة تراكم السياسات المؤقتة التي مرت على حكم تونس منذ 14 يناير 2011، إذ لم تتمكن أي حكومة من مسك زمام السلطة بشكل قار وشرعي إلا بعد 4 سنوات، وهذا ما أثر على سير البرامج ونسبة الديون وجلب الاستثمارات وأيضا استهداف بعض المؤسسات بعمليات إرهابية أثر على السياحة ومردودها وعلى مناخ الأعمال بشكل عام.

12