تفاقم الديون يهدد بانهيار قطاع النقل في تونس

الخسائر وفائض العمالة يزيدان الأعباء على الشركات.
الثلاثاء 2021/04/20
قطاع يعاني مشاكل جمة

يشهد قطاع النقل التونسي منذ سنوات تردي الخدمات بفعل تفاقم الديون وتقادم الأسطول بالتوازي مع ارتفاع مخصصات أجور الموظفين في ظل أزمة اقتصادية استحالت معها فرص إنعاش هذا القطاع الحيوي، الأمر الذي دفع العديد من الشركات إلى دوامة الإفلاس.

تونس - يواجه قطاع النقل الجوي والبري والبحري في تونس أزمة مالية غير مسبوقة، بسبب تراكم ديون الشركات وفائض العمالة وقلة الموارد، ما يهدد العديد منها بالإفلاس وينذر بانهيار كامل القطاع الذي يعد من بين أهم القطاعات الحيوية الموجهة للمواطنين.

وقال وزير النقل واللوجستيك معز شقشوق “إن موضوع تسريح عدد من أعوان شركة الخطوط التونسية مطروح، وسيتم فتح هذا الملف في الأيام القادمة”.

وشدّد شقشوق في تصريح لإذاعة محلية على أهمية التفكير في كيفية توظيف الأعوان قبل تسريحهم، لافتا إلى أن وضعية الناقلات الجوية صعبة اليوم، مؤكدا أن الدولة بصدد صرف أموال لشركة الخطوط الجوية التونسية “تونيسار” لخلاص ديون بنكية، ومشيرا إلى أن 80 في المئة من هذه القروض تمت بضمان من الدولة.

الصادق جبنون: قطاع النقل منكوب ولا بد من إعادة هيكلة والقبول بالخصخصة
الصادق جبنون: قطاع النقل منكوب ولا بد من إعادة هيكلة والقبول بالخصخصة

 

ويعد قطاع النقل من القطاعات الحيوية إلى جانب الصحة والتعليم في تونس، وتعود ملكية حوالي 70 في المئة منه إلى القطاع العام، ويتكون أساسا من ثلاثة ميادين رئيسية وهي النقل البري والنقل البحري والنقل الجوي.

وتواجه الشركات الحكومية التونسية على غرار “الخطوط الجوية” مصاعب بسبب تراكم الديون والخسائر، في ظل غياب الاستقرار السياسي في البلاد وأعباء التوظيف العشوائي، في أزمة فاقمها تفشي وباء كوفيد – 19.

وتدير الحكومة التونسية نحو 110 شركات تنشط في قطاعات النقل والصناعة والخدمات. ومنذ عام 2011 تفاقمت أعباء هذه الشركات، خاصة “الخطوط الجوية” و”فسفاط قفصة” اللتان كانتا مصدرا مهما للعملة الصعبة لخزائن الدولة.

وتشغل مجموعة “الخطوط الجوية” نحو 8 آلاف موظف وتسير الشركة 27 طائرة، سبع منها فقط في طور الاستغلال.

وأفاد الخبير الاقتصادي الصادق جبنون أن “قطاع النقل يدخل ضمن مجال الخدمات، وهو يعاني من مشاكل عديدة منها غياب المبادرة الخاصة في القطاع، وهو ما لم يمكنها من النمو والمحافظة على فرص العمل، وأدى إلى تردي وضعية النقل بتفاقم الديون والضرائب”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، “مشكلة النقل العام وخصوصا الخطوط الجوية تتفاقم، وبعض الشركات وصلت ديونها إلى 1200 مليار يورو”، داعيا إلى ضرورة إعادة هيكلة القطاع واعتماد آليات التسيير الناجعة.

وتابع جبنون “شركات النقل البحري أيضا تحتاج إلى مراجعة وضعياتها، فضلا عن شركة السكك الحديدية التي تحتاج إلى 45 في المئة من ميزانية القطاع حتى تسترجع حيويتها”.

ووصف جبنون القطاع بـ”المنكوب”، قائلا “عملية الإنقاذ صعبة جدا وتحتاج إلى الكثير من التمويلات لأن جائحة كورونا رفّعت نسبة الفقر بالبلاد إلى أكثر من 21 في المئة، وهذا ما يقتضي إعادة هيكلة شاملة والقبول بفكرة الخصخصة كليا وجزئيا”.

ويحاصر خطر الإفلاس أغلب الشركات الحكومية التونسية، التي كانت تقرض قطاع النقل طيلة السنوات الأخيرة الماضية، وهو ما أدى إلى ارتفاع حجم ديونها أكثر وضرب توازناتها.

وأفاد الخبير الاقتصادي ووزير التكوين المهني والتشغيل السابق فوزي بن عبدالرحمان، في تصريح لـ”العرب”، “أن عملية إنقاذ شركات النقل من الإفلاس صعبة، لأنه قطاع اجتماعي حساس والدولة لم تفِ بتعهداتها للقطاع”.

وحسب رأي الخبير الاقتصادي فإن “نشاط خطوط الحافلات يمكن أن يكون مربحا في مناطق عديدة، عبر التحسين في مردودية القطاع، فضلا عن شركة الخطوط التونسية التي لا تستغل من أسطولها سوى 4 أو 5 طائرات والتي تتطلب استثمارا مباشرا وكبيرا من الدولة”.

وبخصوص أزمة شركة السكك الحديدية، قال بن عبدالرحمان “لا بدّ أن تستثمر الدولة في القطاع لأن أسطول النقل ظل قديما وتقليديا، ويجب وضع مخطط على امتداد 10 سنوات لإنقاذها لأنها تساهم بنسبة كبيرة في نقل المسافرين والبضائع”.

Thumbnail

وتابع “القطاع يساهم بحوالي 6.5 في المئة في الناتج القومي الخام، ويوفّر 30 ألف فرصة عمل ومن المؤكد أن هذه النسب تراجعت بسبب تردي الأوضاع الصحية والاقتصادية للبلاد”.

ولم تنجح محاولات الإصلاح وإعادة الهيكلة في السابق، حيث سبق أن عرضت الحكومات المتعاقبة ثلاثة مخططات إصلاح على مجالس وزارية منذ 2012، لكنها لم تنفذ وظلت رهينة رفوف المكاتب.

وتراجع رقم معاملات الخطوط التونسية سنة 2020 بحوالي 70 في المئة (حوالي 340 مليون يورو) بسبب وباء كورونا، ونزل عدد المسافرين إلى مستوى مليون مسافر، فيما وصلت ديونها إلى 955 مليون دينار (346.45 مليون دولار).

ومن بين مقترحات الإصلاح تسريح 1200 موظف من مجموع ألفين على دفعات تم انتدابهم خلال العشر سنوات الأخيرة، بهدف التخفيف من أعباء كتلة الأجور التي ناهزت 200 مليون دينار (72.56 مليون دولار) في العام 2020.

واقتصر تدخل الدولة على إبرام الاتفاق الحكومي الأخير مع الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية في البلاد) حول إصلاح المؤسسات العمومية التي شملت مؤسستين من قطاع النقل بداية انفراج الأزمة.

وتم في سنة 2020 تخصيص اعتمادات دفع في حدود 203 ملايين دينار (73.64 مليون دولار) تهم مواصلة إنجاز القسط الأول من الشبكة الحديدية السريعة ومشاريع الشركة الوطنية للسكك الحديدية وشركة النقل.

ويبدو أن ميزانية الدولة لوزارة النقل لا تغطي تمويل المشاريع في العديد من المجالات خاصة برامج تجديد أسطول الحافلات ومعدات النقل الحديدي للمسافرين ونقل الفوسفات ومشاريع تهيئة مراكز الفحص الفني ومحطات النقل البري والبنية التحتية للمطارات والموانئ وتجديد أسطول النقل الجوي والبحري.

ويوجه مختصون في الشأن الاقتصادي أصابع الاتهام نحو حكومة الترويكا (بين 2011 و2014) في مسؤوليتها عن الانتدابات العشوائية وإغراق المؤسسات الحكومية بعدد كبير من الموظفين لا ينسجم مع طاقة استيعابها المالية. ويغذي عدد الموظفين حدّة ارتباك التوازنات المالية بفعل ارتفاع عدد الموظفين والعمال مقارنة بحاجة أغلب المؤسسات دون مردود وإنتاجية.

11