تفاقم العجز التجاري يجبر تونس على كبح الاستيراد

أعلنت الحكومة التونسية أمس أنها ستتخذ إجراءات جديدة لكبح انفلات الواردات في محاولة لمعالجة العجز التجاري المتفاقم وتخفيف معاناة المواطنين من ارتفاع الأسعار بسبب انحدار قيمة الدينار.
السبت 2017/04/22
لا خيار إلا استهلاك المنتوج المحلي

اعتبر اقتصاديون أن إعلان الحكومة التونسية عن خطط لمواجهة العجز التجاري المتفاقم جاء متأخرا للغاية خاصة وأن الواردات كانت من بين الأسباب الرئيسية التي جعلت البلاد تعاني من أزمة حادة أثرت على احتياطاتها النقدية.

وتحتاج الخطوة إلى إرادة قوية وقرارات حازمة وسريعة لكبح فيضان الواردات الذي أغرق السوق المحلية في السنوات الست الأخيرة لا سيما تلك القادمة من تركيا والصين.

وكشفت الحكومة أمس، أنها تعمل على إعداد برنامج للحد من الواردات العشوائية لمواجهة تفاقم العجز التجاري وتراجع قيمة الدينار لمستوى غير مسبوق أمام اليورو والدولار، مما قوّض احتياطي العملة الأجنبية.

وحاول رئيس الحكومة يوسف الشاهد إرسال إشارات طمأنة للتونسيين بأن الوضع غير كارثي حينما قال إن “تراجع الدينار هو انعكاس طبيعي لعجز الميزان التجاري لكن لا يجب أن يكون هناك هلع.. سنتخذ قرارات للحد من الواردات العشوائية”.

وأكد الشاهد خلال مؤتمر صحافي بمدينة صفاقس أن مجلسا وزاريا سيعقد الأسبوع المقبل لوضع الحلول الملائمة لمعالجة هذا النزيف الكبير الذي أثر على العديد من القطاعات وفي مقدمتها النسيج والصناعات الجلدية والأحذية وأدى إلى فقدان الآلاف وظائفهم.

ويرى خبراء ومسؤولون تونسيون أن إحداث تغيير في سياسة التبادل التجاري في الوقت الراهن ستكون له انعكاسات إيجابية في الفترة القادمة ولو أن العملية ستكون بطيئة بعض الشيء.

5.43 مليار دولار، احتياطي تونس النقدي حاليا، مقارنة بأكثر من 13.5 مليار دولار في عام 2010

ويقول الخبير الاقتصادي عادل غرار إن تفاقم التجارة الموازية والتي تشكل 40 بالمئة من اقتصاد البلاد ساهمت بقسط كبير في العجز التجاري نظرا لغياب الإرادة السياسية لتنفيذ القانون من أجل مواجهة عصابات التهريب.

وأكد غرار، الذي كان رئيسا لجمعية وسطاء البورصة التونسية في تصريح لـ“العرب”، أن استمرار ارتفاع قيمة اليورو والدولار أمام الدينار يعد مؤشرا سلبيا بالنسبة إلى الاقتصاد التونسي لأن تداعياته ستؤثر مباشرة على المواطنين خصوصا في ما يتعلق بالقدرة الشرائية.

ويتوقع أن يلقي قرار تقليص الواردات لكبح انفلات العجز التجاري بظلاله على اجتماعات الدورة الثانية من المجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي التونسي التركي الذي سيعقد نهاية الشهر الجاري في العاصمة أنقرة، باعتبار أن تركيا من أبرز البلدان التي أضرت وارداتها بالاقتصاد التونسي بسبب اتفاقية التبادل الحر والشامل الموقعة في 2004.

وتقدر خسائر مختلف القطاعات التونسية جراء إغراق السوق المحلية بالتوريد العشوائي للبضائع التركية المعفاة من الرسوم الجمركية بنحو مليار دولار، وهو رقم مرشح للارتفاع إن لم تضع الحكومة حدا لهذا التسيّب.

وصعد مؤشر العجز التجاري التونسي في الربع الأول من العام الجاري بنسبة تقدر بنحو 57 بالمئة ليبلغ نحو 1.7 مليار دولار بمقارنة سنوية، جراء الارتفاع الكبير في الواردات.

لكن الميزان التجاري المختل ليس وحده من تسبب في تآكل الاحتياطي النقدي لتونس، بل إن تراجع مستوى التحويلات المالية للتونسيين أثر أيضا على الاحتياطيات التي فقدت أكثر من نصفها منذ 2011.

وتشير بيانات حديثة للبنك المركزي إلى أن احتياطيات تونس من العملة الصعبة بلغت نحو 5.43 مليار دولار مع نهاية الربع الأول من العام الجاري، بينما كانت تبلغ في عام 2010 أكثر من 13.5 مليار دولار.

عادل غرار: استمرار ارتفاع قيمة اليورو والدولار أمام الدينار مؤشر سلبي للاقتصاد التونسي

ودخل الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (منظمة الأعراف) على خط الأزمة حينما طالب الحكومة بالتدخل سريعا لحماية قيمة الدينار من الانهيار.

وقال الاتحاد في بيان إن “على الحكومة والبنك المركزي أن يضعا سريعا خطة تهدف إلى وقف نزيف العملة الوطنية الذي أصبح يهدد استدامة نشاط الشركات والقطاعات الصناعية”.

وأشار إلى أن تدهور العملة المحلية ستكون له تداعيات سلبية للغاية على الاستثمارات وعلى تنافسية الشركات والتضخم وعجز الميزان التجاري وارتفاع نسبة الدين والفوائد المنجرّة عن ذلك، إلى جانب التوازنات المالية الكبرى للبلاد.

وواصلت قيمة العملة المحلية تراجعها أمام العملات الرئيسية حيث بلغ أمس، سعر اليورو 2.59 دينار بينما بلغ سعر الدولار 2.42 دينار، وهو أدنى مستوى يصله الدينار.

ويرى البعض من محللي أسواق المال في تونس أن القيمة الحقيقية للعملة المحلية مقارنة باليورو على سبيل المثال هي ثلاثة دينارات، وأن قيمتها الحالية تحتاج إلى مراجعة فورية.

وكانت الحكومة قد كشفت للمرة الأولى هذا الأسبوع أنها تخطط لتعويم الدينار جزئيا، وهو ما يعني تغييرا جذريا في ملامح السياسة النقدية للبلاد بعد اعتماد البنك المركزي طيلة عقود نظاما نقديا حمائيا للعملة المحلية أمام العملات الرئيسية في سوق الصرف.

وقالت وزيرة المالية لمياء الزريبي إن “البنك المركزي سيقلص تدخلاته لخفض قيمة الدينار تدريجيا ولكنه لن يسمح بانزلاق كبير للعملة المحلية مثلما حدث في مصر عندما جرى تعويم الجنيه”.

10