تفاقم ظاهرة العنصرية في إسرائيل

السبت 2013/10/26

قد يكون تحذير الكاتب الإسرائيلي سامي ميخائيل في ندوة عقدت في جامعة حيفا قبل فترة وجيزة، من أن تنامي العنصرية الإسرائيلية، قد يجعل إسرائيل ظاهرة عابرة، وانتقد مسلسل التشريعات العنصرية في الكنيست، وقال إن اليسار الإسرائيلي «يسار صالونات».

قد يكون ذلك مدخلاً لتوصيف اليسار الإسرائيلي في إطار الأطياف السياسية المختلفة. ويلحظ المتابع لتحولات المشهد الإسرائيلي، أنه بعد انعقاد مؤتمر مدريد في تشرين أول/ أكتوبر من عام 1991، بات من الصعوبة بمكان توصيف الأحزاب الإسرائيلية. فإذا كان المعيار الرئيسي لهذا التحديد هو البرامج السياسية للأحزاب الإسرائيلية وبنودها الخاصة بالسلام مع الفلسطينيين، فإن تداخلات وتحولات كثيرة قد طرأت على هذه البرامج مما أضاف صعوبة أخرى على التوصيف، حيث حدث خلال المعركتين الانتخابيتين التي تلت اتفاقات أوسلو المعقودة في أيلول من عام 1993، وبالتحديد في انتخابات الكنيست التي جرت في شهر أيار عام 1996، وكذلك انتخابات الكنيست التي جرت في شهر أيار من عام 1999 نزوح كبير لهذه البرامج نحو وسط الساحة الحزبية السياسية، سواءً من قِبل أحزاب اليمين بزعامة الليكود، الرافعة للواء عدم التنازل عن أجزاء من أرض إسرائيل الكبرى، أو من أحزاب اليسار بزعامة العمل التي تتبنى- بدرجات متفاوتة- خيار دولتين لشعبين في حدود متعارف عليها.

اعتبر متابعون عودة حزب العمل ومعسكر اليسار عام 1992 إلى سدة الحكم في إسرائيل بمثابة انقلاب في المشهد السياسي، بعد خمسة عشر عاماً من حكم اليمين. ما لبث اليمين أن انتزع منه الحكم في انتخابات 1996، ثم عاد اليسار إليه ثانية في انتخابات 1999 بزعامة أيهود باراك، فيما اعتبرته بعض أوساط إسرائيلية في حينه فرصة تاريخية للتوصل إلى حل تاريخي مع الفلسطينيين.

وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من أيلول من عام 2000، وحتى نهاية عام 2013، يلحظ المتابع غياب شبه تام لمعسكر اليسار الإسرائيلي، الأمر الذي دفع الكثير من المحللين السياسيين إلى التساؤل عن ماهية الأسباب الكامنة وراء هذا الغياب، والمدة المرشحة لاستمراره، فيما ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، حين تنبئوا بتلاشي اليسار الإسرائيلي، أو ما يسمى معسكر السلام من المشهد السياسي الإسرائيلي.

ومن الأهمية الإشارة إلى وجود لبس أحياناً بين مفهوم اليسار الإسرائيلي، وقوى السلام، فمفهوم اليسار أوسع حيث تعتبر قوى السلام إحدى مكونات معسكر اليسار، وتصنف بيسار اليسار وفق المعيار الرئيسي للتصنيف، وهو الموقف من مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الخامس من حزيران 1967. فمن ينادي بإعادة هذه المناطق كاملة إلى السيادة الفلسطينية وعدم الاحتفاظ بها، أو ضمها إلى إسرائيل مقابل السلام ينطبق عليه تحديد قوى السلام وهي يسار اليسار. وما يزيد من صعوبة تحديد قوى السلام في إسرائيل حسب هذا التصور هو مفهوم السلام لدى القوى والأحزاب الإسرائيلية.

فمن المعروف أن قادة إسرائيل منذ احتلال الضفة والقطاع وحتى كتابة هذه السطور، ينادون بتحقيق السلام مع العرب، في الوقت الذي يمارسون فيه أعمالاً عدوانية ضد سكان الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، والنشاط الاستيطاني المحموم خلال فترة حكمي العمل والليكود في عمق الضفة الغربية وفي قلب مدينة القدس، دالة كبرى على ذلك.

وما زاد من صعوبة هذا التحديد، أن حزب الليكود اليميني بزعامة مناحيم بيغن، كان أول من وقع اتفاق سلام مع دولة عربية هي مصر، وانسحب من شبه جزيرة سيناء، وهو ما لم يفعله حزب العمل زعيم معسكر السلام.

أما بالنسبة لمفهوم السلام الإسرائيلي مع الفلسطينيين- حيث جوهر الصراع- فإن اعتماد معيار هنا يستبعد دون جدال من معسكر السلام أو يسار اليسار، مجموعة كبيرة من القوى الصهيونية، تبدأ من أقصى يمين الساحة الحزبية الإسرائيلية وتنتهي بصقور حزب العمل، وهي القوى التي عبرت بشكل أو بآخر عن الرغبة في الاحتفاظ بالأراضي الفلسطينية المحتلة مهما اختلفت المشاريع والأطروحات التي تطرح لهذه الأراضي، مثل الحكم الذاتي، أو الإدارة المدنية، أو الضم الفوري، أما إذا اعتمدنا معياراً آخر أكثر اقترابا من جوهر المسألة، باعتبار أن تحقيق السلام لا يتم إلا بتجسيد طموحات الشعب الفلسطيني في إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها الجزء الشرقي من مدينة القدس المحتل في عام 1967، لرأينا أن قوى السلام هذه تتراجع، لتنحصر في بعض الأحزاب الصغيرة، بالإضافة إلى شخصيات هامشية، دون أن يكون لها وزناً أو تأثيراً يذكر في أحزابها.

إن مرور أكثر من عشرين عاماً على اتفاقات أوسلو، دون حصول الفلسطينيين على أي حق من حقوقهم الوطنية، يثبت دون شك بأنه لا توجد فجوات كبيرة في الرؤى والتصورات بين الأطياف السياسية الإسرائيلية المختلفة، ناهيك عن مواقف الأحزاب الإسرائيلية المتقاربة إلى حد كبير، إزاء مستقبل القضايا الجوهرية في إطار القضية الأم، وفي المقدمة منها قضية القدس واللاجئين والحدود والمستوطنات، التي تعتبر المعلم الأساسي من معالم الاحتلال للأراضي الفلسطينية.

وفي هذا السياق يعتبر الكاتب الإسرائيلي سامي ميخائيل بأن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية «عقبة جارفة نمت في أحضان الصهيونية التي تعتبر نفسها متنورة وعلمانية واشتراكية، ومصطلح أرض إسرائيل لم ينم في حزب الليكود، ولا في معاهد اليهودية المتدينة، وإنما تم غرسه في كيبوتس قرية زراعية تعاونية «عين حارود» من جانب شعراء وأدباء ومفكرين محسوبين على اليسار الصهيوني». ويؤكد ميخائيل بأنه «على مدار السنين ازداد تطرف مواقف اليسار واليمين، حتى أوجد كلاهما وهمين متناقضين، وصلتهما مع الواقع ضعيفة، فاليسار رسم العرب على أنهم ملائكة سذج، بينما نمّى اليمين كراهية ملتهبة تجاه العرب وكأنهم وحوش ضارية»، الأمر الذي يشي بتفاقم ظاهرة العنصرية ضد الأقلية العربية.


كاتب فلسطيني

9