تفاقم فضائح النظام الحاكم في الجزائر

الفساد المالي الذي يمارسه رجال النظام الجزائري الموجودون في سدة الحكم، وعلى رأس المؤسسات المالية والاقتصادية الكبيرة، تخفيه أجهزة النظام الجزائري الحاكم وخاصة مجلس المحاسبة ومؤسسة الرئاسة على مدى سنوات.
الخميس 2018/03/01
تحييد وزير الطاقة والمناجم السابق شكيب خليل من المحاكمة

تعود ذيول فساد النظام الجزائري إلى الواجهة مرة أخرى وذلك عن طريق محكمة ميلانو بإيطاليا التي طالبت هذا الأسبوع بسجن المسؤول الكبير في شركة سوناطراك الجزائرية فريد بجاوي لمدة 8 سنوات بتهمة التورط في الرشاوى التي بلغت قيمتها 197 مليون أورو.

وفي هذا السياق يتساءل الخبراء المتخصّصون في الشأن الجزائري عن الأسباب التي أدّت إلى تحييد وزير الطاقة والمناجم السابق الدكتور شكيب خليل من هذه المحاكمة، رغم أن الفساد المالي الذي شهدته شركة سوناطراك النفطية الجزائرية، والذي كشفته محكمة ميلانو، قد حدث في عهده كوزير للطاقة والمناجم وأن هناك أدلة تشير بوضوح إلى تورّط زوجته نجاة عرفات خليل في هذه الرشاوى وذلك وفقا للتوضيحات الواردة مؤخرا في تقرير المحكمة المذكورة آنفا.

ثم ماذا يعني عدم صدور أي حكم من طرف محكمة ميلانو ضد مسؤولين جزائريين كبيرين في شركة سوناطراك، وهما سمير أورياد وعمر هبور، اللذان اتهما منذ مدة بالتورط في الفساد المالي، علما أن محكمة ميلانو قد أكدت سابقا أن هذا الأخير قد فوّض زوجة الوزير السابق شكيب خليل نجاة عرفات خليل بتمثيل شركاته الثلاث التي تلاعبت بالرشاوى وكذا حساباتها البنكية؟ وهل نفهم من ذلك أن هناك تدخلات قامت بها أجهزة النظام الجزائري لطمس فعالية هذه المحاكمة؟

وفي هذا الشأن لا بد من الإشارة إلى أن الفساد المالي الذي يمارسه رجال النظام الجزائري الموجودون في سدة الحكم، وعلى رأس المؤسسات المالية والاقتصادية الكبيرة التي تعتمد عليها التنمية الوطنية المجهضة، تخفيه أجهزة النظام الجزائري الحاكم، وخاصة مجلس المحاسبة ومؤسسة الرئاسة على مدى سنوات.

وهكذا فقد تمكّن النظام الجزائري من إحباط المحاولات الكثيرة التي بذلت للكشف عن سيناريوهات وملابسات تورط عدد كبير من رجال الأعمال المقرّبين من دوائر النظام الجزائري وكذا تورط المسؤولين الجزائريين المذكورين آنفا في الفساد المالي والحصول على رشاوى، ما أدى بهم في عامي 2007 و2010، إلى السماح لشركة سايبام الحصول على عقود بمبلغ إجمالي يقدر بـ8 مليار أورو.

من المعلوم أن القانون الجزائري يفرض على جميع المسؤولين الكبار الجدد والقدامى في مؤسسات الدولة الكشف عن ممتلكاتهم فور تعيينهم في المناصب الحساسة التابعة للدولة

ويبدو واضحا من الحقائق التي تضمنها التقرير المهم الذي أعده الإعلامي الجزائري حسان حويشة ونشرته جريدة الشروق اليومية الجزائرية في بحر هذا الأسبوع أن أجهزة الرقابة التابعة للنظام الجزائري لا يمكن أبدا أن يخفى عنها المتلاعبون بمؤسسة سوناطراك وبأموال الشعب الجزائري، ولكن يبدو أن هناك أجنحة أخطبوطية في دهاليز هذا النظام الفاسد تمارس بطرق مختلفة التغطية السياسية والتحايل على القانون لإخفاء الفساد المالي المتفاقم الذي ينخر المؤسسات الجزائرية ويدمر التنمية الوطنية، وفي الصدارة الفساد الذي فجّر فضيحة سوناطراك الجزائرية – إيني- سايبام الايطالية.

من المعلوم أن القانون الجزائري يفرض على جميع المسؤولين الكبار الجدد والقدامى في مؤسسات الدولة الكشف عن ممتلكاتهم فور تعيينهم في المناصب الحساسة التابعة للدولة سواء كانت هذه المؤسسات اقتصادية أو إدارية أو عسكرية أو أمنية أو تربوية، فكيف يصدّق المرء إذن عدم معرفة أجهزة المخابرات الجزائرية بشركات فريد بجاوي الثلاث؟ وكيف يمكن أن يصول هذا المسؤول ويجول دون أن يكشف من طرف مجلس المحاسبة الذي يفترض أن جهاز الدولة هو المسؤول عن الرقابة المالية في البلاد؟

وفي الواقع فإن جميع مؤسسات الدولة الكبرى والمتوسطة وحتى الصغرى تتعرض باستمرار للنهب، وجراء ذلك دخلت الجزائر في نفق الركود الاقتصادي الذي يهدد البلاد بالإفلاس ويفرض على المواطنين أثقال التقشف والتفقير المنهجي. وهنا نتساءل؛ كيف تعمى مؤسسات الرقابة التابعة للدولة الجزائرية عن تلاعبات المسؤولين أمثال فريد بجاوي والوزير السابق شكيب خليل علما أنها تملك العيون في كل مكان وفي كل وقت؟

لا شك أن التقرير الذي نشرته يومية الشروق الجزائرية بخصوص حيثيات الحكم الصادر هذا الأسبوع عن محكمة ميلانو يؤكد، بكل وضوح، أن زوجة وزير الطاقة السابق شكيب خليل نجاة قد “تلقت أموالا من مجمع شركات فريد بجاوي وهي أربع “بيرل بارتنرز وجاستن للاستثمار والتطوير ومينكول وصورونغ”، بقيمة 14.4 مليون دولار. 6 ملايين منها دخلت الحساب الذي تحوز خليل تفويضا للتصرّف فيه خلال فترة صلاحيته، وتتعلق بمشروع ميدغاز، وسط تساؤلات من المدعي العام التي لم يجد الادعاء العام إجابات لها حول هذه العلاقة بين زوجة شكيب خليل ومجمع شركات عمر هبور وحساباته البنكية”.

ويضيف التقرير المذكور آنفا مبرزا أن المدعي العام الايطالي بمحكمة ميلانو قد صرَح “أن دفع الرشاوى (197 مليون أورو) تم عبر 3 حسابات من سايبام لشركة فريد بجاوي، الحساب الأول في بنك “أ. بي بنك زيوريخ” بسويسرا فرع دبي، وحساب “باركيلز بنك” فرع دبي، وبـ“اركليز بنك” فرع لندن. وتمّ تحويل هذه المبالغ نحو حسابين لفريد بجاوي موجودين في سويسرا ولبنان (بنك عودي سارادار)، عبر أربع مؤسسات تابعة له هي “بيرل بارتنرز” و“مينكول” و“جاستين” للاستثمار والتطوير “سورونغ”.

والغريب في الأمر هو تناقض كل هذه الحيثيات والتهم الموجّهة إلى زوجة الوزير السابق شكيب خليل وإلى المسؤولين المرتبطين بها وبزوجها مع السيناريوهات التي يروّج لها في الساحة السياسية الجزائرية، وتتمثل في أن الوزيرين الأولين السابقين عبدالمالك سلال وعبدالعزيز بلخادم والأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني عمار سعداني قد شكّلوا تنسيقية مساندة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لعهدة خامسة ويوجد في صلبها شكيب خليل.

9