تفاقم معضلة الإرهاب في فرنسا: النظر إلى الأزمة من زاوية واحدة

السلطات الأمنية الفرنسية تصنف عشرين ألف شاب وشابة رسميا كجهاديين بالقوة قادرين أن يتحولوا إلى جهاديين بالفعل في أي لحظة.
السبت 2018/03/31
الفراغ الداخلي يقود إلى انفجار خارجي مدمر

باريس - تصنف السلطات الأمنية الفرنسية عشرين ألف شاب وشابة رسميا كجهاديين بالقوة قادرين أن يتحولوا إلى جهاديين بالفعل في أي لحظة. وتسلط على حوالي 4000 منهم رقابة أمنية سرية مشددة باعتبارهم من أخطر العناصر.

ويقدر عدد الفرنسيات والفرنسيين الذين التحقوا بصفوف داعش في العراق وسوريا مابين 1000 و1200 حسب المصادر الرسمية. ذهب كلهم للتدرب على القتال وأعمال العنف الجهادية. وضعت هذه الظاهرة المجتمع الفرنسي، وغيره من المجتمعات الغربية التي تعرف نفس الحالة، في مأزق كبير، إذ أصبحت تجابه واقعا خطيرا وتتساءل بمرارة: كيف لشبان ولدوا بفرنسا أو بلجيكا أو هولندا، وتربوا في المدرسة الغربية وعاشوا كل حياتهم في أوروبا، يتركون كل شيء ويذهبون لتدعيم صفوف داعش ومنهم من عاد مكونا تكوينا في مجال الإجرام والإرهاب وضرب البلد الذي رأى فيه النور دون رأفة.

يتساءل الباحثون “لماذا يسحرهم ويجذبهم الجهاد؟”، فيما يردد السياسيون “ماذا فعلنا أو لم نفعل لنجني كل هذا الحقد؟”.

شبيبة مشوهة

يرسم عالم الاجتماع أوليفيه بوبينو، مؤلف بمعية ستيفان لاثيون كتاب “هل يمثل المسلمون خطرا على الجمهورية؟”، صورة نموذجية للمتأسلف الفرنسي الجديد “هو رجل يتراوح عمره ما بين 18 و35 عاما، يعيش في الضواحي الصعبة للمدن الفرنسية الكبرى، يجر وراءه مسارا حياتيا صعبا، اجتماعيا واقتصاديا وحالة من عدم الاستقرار النفسي والعاطفي. يسكن مناطق تعاني من العنف ومشاكل النقل والسكن.

 

مع كل عملية إرهابية تهز فرنسا، أو إحدى المدن الأوروبية، يتجدد السؤال: لماذا يصبح الشاب المسلم في فرنسا إرهابيا؟ تعددت العمليات وتنوعت وتمددت لكن بقي السؤال على حاله في كل مرة، يطرح حتى عند الحديث على المقاتلين الأجانب الذين تركوا الجنة الفرنسية وذهبوا إلى جحيم الحرب في سوريا والعراق. استمرار طرح السؤال بنفس الطريقة الاستنكارية يقابله استمرار في رسم صورة نمطية، أو ما وسمته دراسة فرنسية حديثة بـ“بورتريه روبو”، للإرهابي، هو “شاب، متوسط التعليم، من وسط اجتماعي مهمش، له سوابق إجرامية، من عائلة مهاجرة ويدين بالإسلام”. بالنظر إلى الصورة في شكلها العام، يبدو هذا البورتريه صحيحا، فرضوان لقديم، منفذ العملية الإرهابية الأخيرة، فرنسي من أصل مغربي عمره 25 عاما، حكم عليه بالسجن مرة بتهمة حمل سلاح ممنوع، ومرة بتهمة تعاطي المخدرات، وتراقبه الاستخبارات منذ سنة 2014 بسبب ارتباطه بالتيار السلفي، لكن هذه المتابعة لم تحل دون وقوع الهجوم الذي يعيد، ويعيد طرح التساؤل حول كيف يمكن لشخص تربى في بلاد مثل فرنسا أن يصبح إرهابيا

ويلاحظ كثير من الباحثين والإعلاميين الغربيين ظهور شبيبة مشوّهة غير مندمجة في المجتمع، تعيش على الأطراف في أحياء مهمّشة ذات أغلبية من أصول إسلامية وأجنبية. شباب ليسوا لا من هنا (فرنسا، بلجيكا، بريطانيا، ألمانيا..) ولا من هناك (المغرب العربي أو أفريقيا السمراء) لا ينتمون إلى أي وطن ولا هوية ثقافية يملكون. لا يرتبط هؤلاء الشبان المستأصلون بأرض غير شوارع الحي الذي يعيشون فيه ويخلقون مشكلاته ويقتسمون فضاءه مع من يشبهونهم دينا ولونا ووضعية اجتماعية.

يؤكد المحلل النفسي فتحي بن سلامة على بنية هؤلاء الشباب النفسية غير المستقرة إذ يعانون بشدة من “تصدع في الهوية” ويجدون في المثال الشمولي الذي يقترحه تنظيم الدولة الإسلامية هوية مصطنعة بديلة تمنحهم شعورا بالتحرر وبقوة عظمى.

ويتحدث الكاتب الكندي بنجامان دوكول قائلا إن اعتناق هؤلاء الشبان الفرنسيين لأيديولوجيا الجهاد ناتج عن حوادث بيوغرافية مؤثرة (بطالة، تمزق عاطفي..) تعقّد أوضاعهم وهم في مرحلة عمرية يعيدون فيها تركيب هوياتهم. وقد تمتد من المراهقة إلى سن الرشد وهي فترة مفصلية يجد فيها الشاب نفسه مستعدا لعيش تجارب غير عادية.

ويقول الصحافي جان بول نيي، في كتابه “لماذا يقومون بالجهاد؟”، إنه جيل من الشباب تربى على العنف الشديد، تغذّى من ألعاب الفيديو العنيفة وأفلام المافيا والعصابات مثل فيلم “سكار فيس” الغارق في الأفعال الإجرامية الفظيعة.

جيل من الشباب ليس لديه أفق ولا انفتاح فاتخذ من الجهاد المقترح عليه من طرف تنظيم داعش وغيره مشروع حياة وموت. ويستخدم هؤلاء الإسلام كذريعة حسب الكاتب فقط، لأنهم لا يعرفون من ذلك الدين سوى الشيء القليل.

وقبل كل شيء هم أعضاء عصابات ومجرمون متعصّبون لقضية تتجاوزهم بكثير، مدرّبون تدريبا جيدا ويعرفون جيدا كيف يتصرفون بمهنية كما يظهر من دراسة الكاتب للفيديوهات التي سجلها الإرهابي محمد مراح وهو يرتكب جرائمه في منطقة تولوز، حيث لاحظ أن هجوم الإرهابي على المدرسة اليهودية لم يستغرق سوى 41 ثانية ابتداء من بداية إطلاق الرصاص إلى امتطائه الدراجة النارية إذ في مدة 41 ثانية تمكن من قتل 4 أشخاص من بينهم أطفال وعن قرب وبكل برودة دم.

أما جوليان سويدو، صاحب كتاب “دعوة”، وإن كان لا ينفي علاقة الإرهاب الجهادي بالأوساط الإسلامية والهجرة والعوامل الاجتماعية والاقتصادية فهو يعتقد أن مسألة الإرهاب أوسع بكثير من ذلك وأنه من الممكن أن يصبح جهاديا أي فرد من أفراد المجتمع الفرنسي، إذ لا يمكن أن نحب البلد الذي ترعرعنا فيه حينما نسكن مكانا قبيحا، كل ما فيه متشابه.

وفي روايته الأخيرة “الفرنسي”، حاول سويدو أن يتخيل الجانب المظلم من النفس البشرية، مصاحبة بطله والمكوث في ذهنه دون محاولة الدفاع عنه أو تفهم الأسباب التي جعلته يسقط في الإرهاب. يقول إنه يريد قبض تلك اللحظة التي يولد فيها الشر. فلئن كان الشر بشريا، فلا يعتقد أنه ملازم للإنسان فالظروف هي التي تجعله ينبثق أم لا في نفس هذا أو ذاك.

وعلى عكس ما كان يظن في كتاب “دعوة” فالجهاد لا علاقة له بالهويات الثقافية أو السياسية أو الدينية وإنما له علاقة بانعدام الهوية. من هنا فالجهادي الإرهابي كائن ينخره الفراغ مثله مثل القتلة الذين يوجهون رشاشاتهم القاتلة إلى تلاميذ المدارس والملاهي والأسواق في أميركا.

ولا ينفي الكاتب وجود بعد سيكولوجي مرضي في شخصية الجهادي وهو ما يجعل الاعتماد على عامل المحيط الاجتماعي غير مُجد في تفسير التطرف في أغلب الأحيان، فقد تكمن الأسباب الحقيقية، غير المرئية، في رأي الكاتب، في عمق شخصية المتطرف الحميمة.

توصل خبراء الأمم المتحدة إلى نتيجة مفادها أن معظم الذين التحقوا بداعش لم يكن المسجد هو سبب تطرفهم وإنما بعض أقاربهم. وحسب أرقام هؤلاء الخبراء، التي جاءت في التقرير الذي قدم في اجتماع مجلس الأمن منذ 3 سنوات تحت عنوان “المقاتلون الإرهابيون الأجانب”، فإن 75 بالمئة من الذين التحقوا بداعش في العراق وسوريا كمقاتلين أجانب شجعهم الأصدقاء والمعارف، و20 بالمئة فقط من طرف أعضاء من العائلة.

ويوفر تنظيم الدولة الإسلامية، حسب التقرير الأممي، نفس الديناميكية “الثورية” التي حملت الثورة الفرنسية والبلشفية في روسيا أو صعود النازية. ويرى الخبراء أن الغرب لم يفهم جيدا هذا البعد المهم جدا في جذب الشبان نحو داعش. ويتحدثون عن الجهادية بوصفها نداء للمجد والمغامرة بالنسبة للشبان المتطرفين وأن الجهاد يقدم لهم الوسيلة ليصبحوا أبطالا.

مارك هيكر: لا توجد ذئاب منفردة، فالجهاديون محكومون بديناميكية الجماعة
مارك هيكر: لا توجد ذئاب منفردة، فالجهاديون محكومون بديناميكية الجماعة

في أحدث دراسة تناولت هذه الظاهرة، وأعلن عن نتائجها في 28 مارس 2018 عبر أمواج إذاعة فرانس أنفو، حاول الباحث مارك هيكر، مدير المطبوعات بالمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، أن يقدم تحديدا أو رسما مركبا (بورتريه روبو) للجهادي أو المحكوم عليه بتهمة الجهاد في فرنسا اعتمادا على دراسة الأحكام التي مسّت 137 شخصا ما بين 2004 و2017 ومن بينهم 6 نساء فقط خرج بالنتائج التالية: 

 الجهادي الفرنسي:

شاب في سن السادسة والعشرين، مولود في حي محروم، عديم الشهادات العلمية، معروف بأفعال انحرافية. وهو ذكر في أغلب الأحيان.

 90  بالمئة من الجهاديين ولدوا في عائلات تعاني من كثرة الإنجاب وكثرة العدد وغالبا ما تكون مفككة.

 40  بالمئة منحدرون من أحياء فقيرة مهمشة وسبق أن حكم عليهم قضائيا ولو مرة بتهمة العنف، السرقة، الاغتصاب المتاجرة بالمخدرات أو مخالفة قانون المرور.

  12 بالمئة من الباقين تم تقديم شكاوى ضدهم.

69 بالمئة هم فرنسيون و22 بالمئة من مزدوجي الجنسية.

59  بالمئة ينحدر آباؤهم وأمهاتهم من المغرب العربي.

74  بالمئة ولدوا في عائلات مسلمة.

26  بالمئة من معتنقي الإسلام.

أما عن كيفية تطرفهم، فينفي الباحث أن يكون تطرفا فوريا بل يخضع لمسار طويل قد يدوم سنوات حسب دراسته لـ39 حالة من مجموع الحالات المذكورة. وفنّدت الدراسة مقولة “الذئاب المنفردة”، فالجهاديون محكومون بديناميكية الجماعة متمثلة في الأشقاء والأصدقاء الذين يتعارفون منذ مقاعد الدراسة.

يرسم عالم الاجتماع أوليفيه بوبينو صورة نموذجية للمتأسلف الفرنسي الجديد “هو رجل يتراوح عمره ما بين 18 و35 عاما، يعيش في الضواحي الصعبة للمدن الفرنسية الكبرى، يجر وراءه مسارا حياتيا صعبا، اجتماعيا واقتصاديا وحالة من عدم الاستقرار النفسي والعاطفي. يسكن مناطق تعاني من العنف ومشكلات النقل والسكن.
يرسم عالم الاجتماع أوليفيه بوبينو صورة نموذجية للمتأسلف الفرنسي الجديد “هو رجل يتراوح عمره ما بين 18 و35 عاما، يعيش في الضواحي الصعبة للمدن الفرنسية الكبرى، يجر وراءه مسارا حياتيا صعبا، اجتماعيا واقتصاديا وحالة من عدم الاستقرار النفسي والعاطفي. يسكن مناطق تعاني من العنف ومشكلات النقل والسكن

دور المسجد

ربما ما يبقى مغيّبا في التجارب التي ذكرنا وغيرها من النظريات المتكاثرة في موضوع الجهاديين هو دور المسجد الذي تقاسم السيطرة عليه في فرنسا الإخوان والسلفيون والذي أصبح مصنعا للأفكار الجهادية بطريقة ملتوية حينا وعلنية أحيانا أخرى.

على عكس ما يدعي الكثيرون في فرنسا لا تلعب الشبكة العنكبوتية سوى دور تقوية للعقائد والأفكار التي غرسها الأصوليون في أذهان الشباب، فلا يمكن أن يتطرّف شاب عن طريق الإنترنت وحدها وإن كانت تساهم في التعارف والاتصال وتحضير العمليات الخ.

الإخوان والسلفيون يعملون عن طريق المسجد والمدارس الدينية وحتى النوادي الرياضية على كسب ثقة المؤمن منذ نعومة أظافره ويحضّرونه ليصبح جنديا للدفاع عن “الإسلام والأمة الإسلامية” ويستعملونه للتبشير بأيديولوجيتهم التي هي الجهاد في سبيل تطبيق الشريعة في مرحلة أولى على مسلمي فرنسا وترسيخ الصراع الوجودي ضد الغرب في نفوس المؤمنين بهدف تعميم تلك الشريعة على العالم كله في مرحلة ثانية.

لا أحد ينكر أن المساجد على اختلاف انتماءاتها المذهبية وارتباطاتها بهذا البلد أو ذاك وسواء كانت تحت سيطرة الإخوان أو السلفيين، فهي تنشر دائما خطاب “الشهادة في سبيل الله”.

إذا لم يفهم الفرنسيون وغيرهم هذا التلقين غير المباشر للجهاد في المساجد والحسينات وما يسمى مراكز ثقافية إسلامية، فلن يفهموا ما يحصل لهم وستبقى نظرتهم إلى ظاهرة الإرهاب الجهادي سطحية وستتفاقم أزماتهم مستقبلا أكثر فأكثر.

6