تفاقم هجرة الأطباء يعمق التحديات الصحية في مصر

الحكومة المصرية تسعى إلى زيادة أعداد الطلاب المقبولين بالكليات الطبية بكافة أنواعها والتوسع في إنشاء كليات طب بشري جديدة حكومية وخاصة.
الأربعاء 2019/07/31
ماذنب المواطن البسيط

تواجه المستشفيات الحكومية في دول المنطقة العربية مثل مصر وتونس أزمات متفاقمة نتيجة هجرة عدد كبير من الأطباء العاملين بها للعمل خارج البلاد أو المستشفيات الخاصة داخلها، وتؤرق هذه الظاهرة الحكومات وتزيد من متاعبها، وتفرض عليها البحث عن حلول مناسبة لمشكلة تهدد حياة الكثير من البسطاء الذين لا يجدون وسيلة للعلاج إلا في المستشفيات الحكومية، في ظل ارتفاع تكلفة العلاج في نظيرتها الخاصة.

القاهرة - ذهب المواطن محمد عبدالعال قبل أيام إلى الوحدة الصحية لقرية دندرة في محافظة قنا، جنوب مصر، ينشد العلاج من مرض مفاجئ ألمّ به ولا يعرف طبيعته، لكنه فوجئ بأبواب الوحدة مغلقة. وسأل الحارس الذي يقف أمامها عن الأطباء فقال له ذهبوا إلى حال سبيلهم، في إشارة تنم عن أنهم تركوا المكان تماما، وقررت الإدارة بالمحافظة غلق الوحدة الصحية لأجل غير مسمى.

لم تعد حالة دندرة الوحيدة في مصر، فقد تزايدت الصعوبات التي تواجهها الكثير من المستشفيات الكبيرة والوحدات الصحية الصغيرة، وأصبح القطاع الطبي يواجه تحديات عصيبة بعد أن تفاقمت ظاهرة هجرة الأطباء، ما ينذر بتردي القطاع الصحي وتراجع خدماته وتهدد صحة الملايين من المصريين.

وتشير إحصائيات صادرة عن لجنة الصحة بالبرلمان المصري إلى أن نسبة العجز بلغت في بعض المستشفيات الحكومية في المناطق النائية نحو 50 بالمئة، فيما بلغت النسبة ذاتها داخل المستشفيات الموجودة في المدن الكبرى 34 بالمئة، ووصلت نسبة العجز في مجال التمريض إلى 55 بالمئة.

يبدو العجز منطقيا نتيجة الأوضاع المتردية للأطباء داخل غالبية المنشآت الصحية الرسمية وانهيار منظومة الأجور وتزايد معدلات الاعتداء وعدم توفير البيئة المناسبة لاستكمال الدراسات العليا، وضعف الإمكانيات الطبية والتي تعد سببا لمشكلات كثيرة، ونهاية بتزايد الطلب على الأطباء بالمستشفيات الخاصة، وووجود فرص عمل لبعضهم في الخارج بصورة مغرية.

وللحد من نزيف هجرة الأطباء خرجت الحكومة بعدة توصيات، على رأسها السعي إلى زيادة أعداد الطلاب المقبولين بالكليات الطبية بكافة أنواعها، والتوسع في إنشاء كليات طب بشري جديدة حكومية وخاصة، والحض على افتتاح كليات طب جديدة دون اشتراط وجود مستشفى جامعي تابع لها، والاتفاق مع بعض الجامعات الخاصة بشأن إتاحة المستشفيات الحكومية لتدريب طلابها، غير أنها لم تقنع الكثير من الأطباء بالعدول عن فكرة الهجرة.

بيئة عمل طاردة للأطباء

منى مينا: هناك بيئة وظروف عمل طاردتان للأطباء، في ظل وجود تعسف إداري يطال الدارسين في الشهادات العليا، بالتوازي مع أجور ضعيفة
منى مينا: هناك بيئة وظروف عمل طاردتان للأطباء، في ظل وجود تعسف إداري يطال الدارسين في الشهادات العليا، بالتوازي مع أجور ضعيفة

تستهدف التوصيات ضخ أعداد كبيرة من الأطباء بالمستشفيات الحكومية التغلب على الأزمة عبر إجراء مؤقت لحين إيجاد حلول طويلة الأجل للمشكلات المزمنة، والتي تتطلب ميزانيات تفوق إمكانيات الدولة في الوقت الحالي، لكن الخطوة يمكن أن تؤدي لمزيد من التدهور في القطاع الطبي العام، لأن الاستعجال يفضي إلى تقديم أطباء غير مؤهلين بصورة جيدة.

وأحدثت الخطوة ما يشبه الثورة في صفوف بعض الأطباء المصريين، قادتها النقابة العامة للأطباء، حيث سارعت وأكدت أن موقف الحكومة يقضي على مستقبل مهنة الطب في مصر، وأن الأزمة ليست في أعداد الخريجين، لكنها ترتبط بأوضاع الأطباء داخل المستشفيات وتقودهم لسرعة الاستقالة منها، مع استحالة تخريج دفعات جديدة لم تكمل تعليمها الجامعي.

وتشير منى مينا، الوكيلة العامة لنقابة الأطباء المصريين، لـ”العرب” إلى أن “توصيات الحكومة تخريب كامل لمهنة الطب، وأن المشكلة تكمن في أن هناك بيئة عمل طاردة للأطباء، في ظل وجود تعسف إداري يطال الدارسين في الشهادات العليا، بالتوازي مع أجور ضعيفة للغاية تصل تقريبا إلى 150 دولارا فقط في الشهر”.

وأضافت أن وزارة الصحة لا تراعي أبسط حقوق الأطباء في توزيعهم على المستشفيات التي يحق لهم التواجد فيها، وفقا للتقديرات الحاصلين عليها أثناء فترة الدراسة، وتعتمد على الرغبة في سد العجز، كذلك لا توفر البيئة المناسبة للوجود في المناطق النائية والتي تشهد هروبا متزايدا من الأطباء للعمل فيها، مع عدم توفير استراحات لإقامتهم وتعرض الطبيبات والممرضات لمضايقات، تتمثل في التحرش.

ويؤكد البعض من المراقبين أن جزءا من أزمة الأطباء له علاقة بسياسات الحكومة المرتبطة بالإنفاق على قطاع الخدمات العامة، في وقت أفسحت فيه المجال لدخول القطاع الخاص في قطاعات التعليم والصحة للتخفيف من الأعباء الملقاة عليها.

ويتفق العديد من الأطباء على أن مسؤولي المستشفيات الحكومية أجبروهم على الهرب منها، بعد أن ارتكنوا إلى اللوائح الروتينية في التعامل معهم، ما أفرز وجود اضطهاد مادي ومعنوي لكثير منهم، وأصبحوا فريسة للعدوى وللاعتداءات اليومية والتعسف وحملات التشهير التي تظهر مع كل خطأ طبي، مقصود أو غير مقصود.

وتخشى مينا أن يكون إسقاط شرط بناء المستشفيات الجامعية قبل بدء الدراسة بكليات الطب الحديثة حجة للجامعات الخاصة للتوسع في افتتاح كليات الطب في غياب التجهيزات اللازمة لتدريب الطلاب أثناء الدراسة، ما يصب في النهاية لصالح ما يعرف  بـ”بيزنس الجامعات الخاصة” المعروف في مصر، وتحاول نقابة الأطباء التعامل معه بتحديد درجات مرتفعة ترسم خارطة القبول في الجامعات كشرط للتسجيل فيها.

ويرى بعض المتابعين لهذا الملف أن زيادة عدد كليات الطب من دون موازاته بزيادة في عدد المستشفيات التعليمية تقدم أطباء ضعفاء، ما ينعكس بالسلب على الأوضاع الصحية داخل المستشفيات الحكومية، ويؤدي إلى بطالة مقننة لعزوف المواطنين عن التعامل مع الكفاءات الضعيفة، وتبقى المشكلات الصحية من دون حلول ناجعة.

عجز المستشفيات الحكومية

خدمات رديئة
خدمات رديئة

يلهث الكثير من الأطباء وراء فرص السفر من دون إبلاغ النقابة المهنية المنظمة لعملهم، ونتج عن ذلك بقاء أطباء في مراحل سنية متقدمة اعتادوا العمل مع ظروف المستشفيات المتدهورة، في غياب الشباب والمساعدين الذين يرفضون العمل وسط الأجواء الصعبة.

وأكد محمود حامد، أحد الأطباء الذين سافروا للعمل بالسعودية العام الماضي، أن المستشفيات التابعة لوزارة الصحة ترفض طلبات الإجازات لوجود عجز في أعداد الأطباء، وغالبية طلبات تمديد الإجازات تواجه بالرفض، وأصبح تقديم الاستقالة الخطوة الأسهل والأسرع تنفيذا، كما أن الكثير من المستشفيات الخاصة داخل مصر تقدم مغريات كبيرة تدفع شباب الأطباء للاستقالة من وظائفهم في المستشفيات الحكومية.

ويلفت حامد في تصريحات لـ”العرب” إلى أن “المستشفيات الحكومية تعاني من ندرة التخصصات المطلوبة بالوقت الحالي، مثل جراحات المخ والأعصاب والأوعية الدموية والنفسية والعصبية وجراحات القلب، كما أن نسبة 80 بالمئة من المستشفيات لا تستطيع علاج القلب المفتوح أو الكلى أو الكبد”.

وتنصب غالبية شكاوى المرضى في عدم وجود أطباء في أقسام الاستقبال والطوارئ، وهي الأقسام التي تشهد رفضا من الأطباء للعمل فيها لتكرار الاعتداءات عليهم، وقلة الإمكانيات التي تكون سببا في وفاة بعض الحالات، وغالبا ما يكون الطبيب المتهم الرئيسي في إهمالها، وبالتالي فإن قضاء الطبيب فترات عمله أصبحت مغامرة غير محمودة العواقب.

وانعكس ارتفاع معدلات البلطجة في بعض المستشفيات على انصراف عدد كبير من الأطباء. فقد تكررت حالات إصابة الأطباء نتيجة مناوشات مع أهالي المرضى، ما دفع نقابة الأطباء في العام 2015 لتقديم مشروع قانون إلى مجلس النواب بشأن تنظيم “المسؤولية الطبية” و”الاعتداء على المستشفيات”، غير أنه لم يجد طريقه للنور حتى الآن.

علاوة على ذلك، يجري التعامل مع أخطاء الأطباء التي تؤدي إلى الوفاة ضمن الجرائم الجنائية، وتسري العقوبة على الطبيب باعتباره ارتكب خطأ ناتجا عن إهمال جسيم في عمله وتكون مدة الحبس لا تقل عن سنة ولا تزيد على 5 سنوات، وغرامة لا تتجاوز 40 دولارا، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وتنتهي فيه غالبية حوادث الاعتداءات على المستشفيات بالتصالح.

وتطالب نقابة الأطباء بأن يكون الحُكم في الخطأ الطبي بالتعويض المدني بعيدا عن المحاكم الجنائية، وإثبات إهمال الطبيب هي الحالة الوحيدة للإحالة إلى الجنايات، فيما يحظر توقيع أي عقوبات على الطبيب في حالة المضاعفات، وتشدد النقابة على ضرورة مضاعفة الاعتداء على المستشفيات من خمس سنوات في القانون الحالي إلى 10 سنوات.

وأكد خالد هلالي عضو لجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب، أن توجه الحكومة نحو إيجاد حلول لأزمة عجز الأطباء داخل المستشفيات يدفع البرلمان لتسريع وتيرة مناقشة قوانين “المسؤولية الطبية”، ويرجع التعطيل إلى اعتراض مجلس الدولة، وهو جهة مختصة بمراجعة القوانين، على بعض الصياغات الجاري تعديلها، لكنها لا تمس الفكرة الرئيسية.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب” أن هناك جملة من الإجراءات الأخرى ستطال الأطباء خلال الفترة المقبلة، على رأسها حصولهم على الحوافز الخاصة وفقا للعام المالي الجاري وليس 2014، ووجود مقترح بزيادة الرواتب بشكل عام، وزيادة بدل العدوى لتتراوح ما بين 90 دولارا إلى 200 دولار شهريا، مقارنة بأقل من دولارين في الوقت الحالي.

وفي مواجهة بيئة عمل طاردة للشباب الأطباء، في مقابل بيئة أخرى تقدم تسهيلات مادية ومعنوية، سوف تصبح المعادلة ظالمة للكثير منهم، إذا تراجعوا عن فكرة هجر المستشفيات الحكومية، مع ارتفاع الإغراءات المادية والمعنوية للالتحاق بمستشفيات خارج مصر تتيح فرصا مجانية لاستكمال الدراسة. وقد يواجه القطاع الصحي المزيد من التحديات، ما لم تتصرف الحكومة في إطار مسؤوليتها المجتمعية للحفاظ على صحة المرضى، وتوفر الأجواء المناسبة لعمل الطبيب، لأن استمرار مسلسل الهجرة عن المستشفيات الحكومية يعرض صحة الملايين من المصريين للخطر.

12