تفاهمات إيطالية-أميركية لإنجاح مؤتمر صقلية حول الأزمة الليبية

مشاركة واشنطن تمنح روما ثقلا لمنافسة باريس، والبيئة غير مهيأة للتصورات الإيطالية الحالمة بشأن مستقبل ليبيا.
الثلاثاء 2018/10/09
مصالح رائدي الشعبوية في العالم تلتقي في ليبيا

في خضم تواصل التنافس الإيطالي الفرنسي بشأن الملف الليبي، تلقفت روما تطمينات أميركية يبقى على رأسها التأكيد إلى جوزيبي كونتي رئيس وزراء إيطاليا بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يكون حاضرا في مؤتمر صقلية، الذي تطمح إيطاليا من خلاله لكسر المبادرة الفرنسية. وتكثيف روما لتقاربها مع واشنطن مرده إدراكها بأن كسر شوكة باريس لا يكون إلا عبر الاستنجاد بترامب، خاصة في ظل اصطدامها ببعض الجهات الليبية المنحازة إلى فرنسا والمشككة في تصوراتها الشاملة لحل الأزمة.

القاهرة – تبذل إيطاليا جهودا لنجاح مؤتمر صقلية بشأن الأزمة الليبية يومي 12 و13 نوفمبر المقبل. وتعمل على تذليل العقبات التي وضعتها فرنسا بعد اشتراطها أن يكون هذا المؤتمر مكملا لمؤتمر باريس، الذي عقد في 29 مايو الماضي وحضرته قيادات ليبية فاعلة في الأزمة.

كثّفت روما من تحركاتها باتجاه واشنطن لمساعدتها في إيجاد بيئة مناسبة لنجاح المؤتمر وتوفير الزخم السياسي اللازم على الصعيدين الإقليمي والدولي، كي يبدو اجتماع صقلية كأنه يحظى بتوافق عام، بل ويتحول إلى قاعدة أساسية لحل الأزمة الليبية، ويجعل من روما المحور الرئيس لرسم معالمها المستقبلية.

وتلقى جوزيبي كونتي رئيس وزراء إيطاليا تطمينات بإمكانية حضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤتمر صقلية، وتوجيه ضربة موجعة للمبادرة الفرنسية، من خلال حضور بعض القوى الدولية المؤتمر، الذي تريد روما أن يكون علامة فارقة في حلحلة الأزمة ويتبنى رؤية قابلة للتنفيذ، لتخرج من إطار استعراض الحضور بالقوة العسكرية إلى فرض النفوذ بالأدوات السياسية.

ويسعى الإيطاليون إلى ضمان حضور جميع الأطياف الليبية، لذلك تولي روما عناية لتمثيل المسارات الأربعة، السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية (القبائل والمجتمع المدني)، على أمل أن يرضي ذلك طموحات الدوائر الليبية المتباينة، ويجنب روما مواجهة عثرات تحول دون التنفيذ.

لكن بعض الجهات الليبية تحفّظت على تبنّي إيطاليا لرؤية شاملة خاصة بالأزمة، لأن البيئة غير مهيأة تماما لهذه النوعية من التصورات الحالمة، فهناك مشكلات بحاجة للمزيد من الوقت لتسويتها، وعلى رأسها الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ما يدخل المؤتمر في دوامة من المناوشات تعيق التوصل لنتائج حاسمة، ويعيد تكرار نموذج باريس.

جوزيبي كونتي رئيس وزراء إيطاليا تلقى تطمينات بإمكانية حضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤتمر صقلية

ويهدف مؤتمر صقلية إلى الاستفادة من التطورات المتصاعدة في طرابلس، ووضع قاعدة جديدة تضمن بها روما الحفاظ على مصالحها، لتخفف بموجبها التهمة الملصقة بها والمتعلقة بالتحالف مع الميليشيات المسلحة.

وتتعمد روما التحرك على مستويات مختلفة، لأنها تعلم أن فرنسا لا تريد لصقلية النجاح، وكل محاولات التهدئة بينهما خلال الفترة الماضية لم تصل إلى معالجة جوهر الخلافات، بسبب التنافر في المرامي والأهداف النهائية.

ومرد الحرص الإيطالي على انخراط الولايات المتحدة هو اليقين بأنها الوحيدة القادرة على كبح جماح التقدم الفرنسي، ولأن غالبية تصرفات روما لم تحظ بقبول كبير على الساحة الليبية، فلا يزال هناك قطاع من الليبيين لم ينسوا فترة الإحتلال الإيطالي لبلدهم، ويربطون بين التدخلات الحالية وبين الماضي المرير.

ووجدت روما في واشنطن حليفا جيدا، عقب تنامي التقارب بين العاصمتين في النواحي الاقتصادية، وتصاعد درجة التفاهم السياسي بين كونتي وترامب، على ضوء الأفكار الشعبوية التي يؤمن بها كلاهما، ناهيك عن تقدم الإدارة الأميركية خطوات كبيرة حيال المشاركة في ترسيم معالم الحل للأزمة الليبية، أو على الأقل منع انفراطها لما هو أسوأ.

وتميل الولايات المتحدة حتى الآن إلى عدم تبني مقاربات سياسية مباشرة في ليبيا، ووجدت في إيطاليا نافذة جيدة، ومساعدتها بصورة غيرة مباشرة، كي لا تستفز روسيا التي بدأت تستعيد قدرا من زخمها على الساحة الليبية، كما أن بوابة استيفاني الأممية مثلت صيغة جيدة لواشنطن للتعامل مع الأزمة، والحضور دون الدخول في مواجهات مع قوى أخرى. ويرى البعض من المراقبين أن واشنطن لا تريد التورط في أزمة لا تزال مفتوحة على احتمالات عديدة، ومن الصعوبة ضبط إيقاعها في الوقت الراهن حيال السلام أو الحرب، وتنتظر حتى تنضج التسوية المطلوبة.

واستوعبت روما أن تعيين السفيرة الأميركية استيفاني وليامز في منصب نائب المبعوث الأممي في ليبيا، حمل إشارة إيجابية لها، فمنذ تعيينها قبل حوالي ستة أشهر، انطفأ نجم غسان سلامة، وبالتالي تراجع دور فرنسا، لأن سلامة يحمل الجنسية الفرنسية، وبدت الكثير من توجهاته سابقا تصب في صالح أجندة باريس السياسية.

وعلمت “العرب” أن بعض المعلومات التي كان يتم تداولها مع سلامة باعتباره مبعوثا أمميا، كانت تصل إلى باريس بطرق مختلفة، ما أفقده جانبا من ثقة بعض الدوائر الإقليمية والدولية، ومن أهم المعلومات التي تسربت من خلاله فكرة عقد مؤتمر خاص بالأزمة الليبية وكانت تنوي إحدى الدول المعنية بها عقده على أرضها، لكنها فوجئت بإعلان فرنسا عنه قبل أن تعلن تلك الدولة تفاصيله.

وضع قواعد جديدة
وضع قواعد جديدة

ويحاول سلامة ترميم علاقته بالقوى الفاعلة في الأزمة، بعدما سحبت استيفاني البساط من تحت أقدامه، بحكم حنكتها السياسية، وتزايد الشكوك في ترتيباته الأمنية وتوجهاته السياسية.

ومن المتوقع أن يصل سلامة بصحبة استيفاني القاهرة في 14 أكتوبر، للتباحث بشأن الأزمة الليبية، وأن يتم منح مناقشة الآليات اللازمة لاستئناف عملية توحيد المؤسسة العسكرية مساحة كبيرة، والتي بدأت تستعيد زخمها، وتلقى ترحيبا من جانب قوى كانت تتحفظ عليها أو تحاول تفتيتها أو السطو عليها.

وقبلت إيطاليا تحكم استيفاني الكثير من الأمور بكل ارتياح، من ذلك الإعداد لترتيبات أمنية جديدة في طرابلس، ومحاولتها أن تكون روما مؤثرة فيها من خلال حفظ التوازنات القديمة، مع مراعاة التطورات الجديدة التي جعلت من اللواء السابع-مشاة حلقة أساسية في الأزمة، بعد أن قلب تدخله التوازنات ولم يكن في صالح فرنسا.

ومن أهم المكاسب التي تحققت من وراء دخول اللواء السابع جنوب طرابلس من ترهونة، وضع عراقيل عملية أمام إجراء الانتخابات في 10 ديسمبر، حسب ما نصت عليه نتائج مؤتمر باريس، وأصبح الحديث منصبا حول اختيار توقيتات مناسبة لاحقا للانتخابات، ما يعني سقوط أحد محتويات مؤتمر باريس المهمة.

وألمحت مصادر لـ”العرب” إلى أن روما لعبت دورا مهما في فتح الطريق أمام دخول اللواء السابع طرابلس، وأقنعت واشنطن بعدم التعرض له، وقامت بالتنسيق معها نحو رفض كل النداءات التي وجهها فايز السراج رئيس حكومة الوفاق لحضها على قصف قواته عبر قوات “أفريكوم”، قبل ترسيخ أقدامه في طرابلس.

وأوضحت أن إيطاليا عندما وجدت صعوبة في اختيار العناصر المطلوب حضورها مؤتمر صقلية، ضاعفت من التنسيق مع الولايات المتحدة، للاستفادة من وزنها الدولي في أن يكون المؤتمر مميزا في تشكيلته وشاملا في رؤيته ونوعيا في نتائجه.

وتعمل روما على أن يتجاوز مؤتمر صقلية الصيغة التي جرى تداولها في مؤتمر باريس، وضمت القوى التقليدية: السراج، وخالد المشري رئيس مجلس الدولة، وعقيلة صالح رئيس مجلس النواب، وخليفة حفتر قائد الجيش الليبي.

6