تفاهمات النووي بين طهران وواشنطن.. لعبة "تبادل أدوار"

الخميس 2014/01/09
روحاني، كبير المفاوضين السابق، يخفي الكثير خلف شعار "سياسة الانفتاح"

لندن - اتفاق أميركي إيراني جديد على دعم العمليات العسكرية لحكومة نوري المالكي ضد أهل السنّة في العراق، يزيد من توتّر الأجواء في المنطقة، ويفتح الباب أمام مزيد من الجدل حول اللعبة بين العدّوين السابقين وما ستؤدّي إليه في ظل ما يجري في سوريا بالتحديد.

إلى جانب التفاهمات التي جرت بين الأميركيين والإيرانيين حول الملف النووي الإيراني، ونجاح “العدوّين السابقين” في الوصول إلى اتفاق مؤقت بشأنه، بدأ الجانبان في تطوير تلك التفاهمات، لتشمل حزمة من المعضلات الإقليمية الأخرى، وعلى رأسها قضايا الأمن. تتمحور تلك التفاهمات حول عدو مشترك، يتمثل في تنظيم القاعدة والتيارات السنية المتشددة المنبثقة منه، التي بدأت تتصدر المشهد الأمني والسياسي في سوريا ولبنان والعراق وأفغانستان واليمن.


ملء الفراغ الاستراتيجي


التردد الأميركي في التدخل لإنهاء تلك الصراعات التي تعصف بالمنطقة، بدا وأكنه بلورة للتراجع الواضح لتأثير واشنطن على مجريات الأحداث، فيما ظهر أن إيران تستعد للقيام بمهام جديدة في المنطقة، في وضعها الجديد كحليف تتلاقى تطلعاته الاستراتيجية مع ارتباطات الأميركيين.

الإيرانيون يرون أن تهديد الجماعات المتشددة لحلفائها في سوريا والعراق سببا كافيا لعدم الوقوف على الحياد من دون اتخاذ خطوات فاعلة من جانبهم للحفاظ على توغلهم في الدولتين، بالإضافة إلى رغبتهم في سد الفراغ الذي من المنتظر أن تتركه القوات الأميركية في أفغانستان، بعد انسحابها المقرر العام الحالي.

الإيرانيون يعودون إلى نفس الدور الذي ظهر في مجال التعاون الاستخباراتي مع الأميركيين في أفغانستان لمحاصرة طالبان عام 2001

طموح إيران في التحول إلى قوة إقليمية حليفة للغرب من خلال عرض قدمته طهران للاشتراك مع الأميركيين في تقديم مساعدات عسكرية وأسلحة إلى الحكومة (الشيعية) في بغداد، بينما تتلقى دعوة، على الجانب الآخر، من وزير خارجية الولايات المتحدة للعب دور في مؤتمر السلام حول سوريا.

لكن بعض المتفائلين يرون، في البراغماتية التي أظهرها حسن روحاني منذ توليه السلطة في إيران، محاولة منه لتوسيع التأثير الإيراني في المنطقة، وتحويل طهران إلى قوة إقليمية كبيرة تتمتع بمساحات شاسعة للمناورة، بينما يصنف الأقل تفاؤلا التحركات الإيرانية الأخيرة على أنها سعي من قبل الرئيس الجديد لتحسين الصورة وتقريب المسافات مع الأميركيين، في الوقت الذي تستكمل فيه طهران برنامجها النووي، وتمويل التنظيمات الشيعية المتشددة التابعة لها في كل أنحاء المنطقة.

إن التقارب الإيراني- الأميركي، من جهة أخرى، بدا أنه تخطى حيز الإصلاحيين، وبدأت مناقشته بين المحافظين في طهران كذلك. يقول عزيز شاه محمدي، مستشار سابق للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إنه بات واضحا “أننا بدأنا في الوقوف على أرض مشتركة مع الأميركيين”، وأضاف أن ذلك خطوة إيجابية “فلا ينبغي لأية دولة أن يكون لها عدو أبدي”.

بينما يرى الأميركيون في إيران قوة تحظى بالاستقرار في وسط منطقة تموج بالتظاهرات العنيفة، والصراعات الطائفية والتفجيرات، ولم يبق على طاولة واشنطن الكثير من الأوراق التي قد تلجأ إليها سوى التعاطي معها.


تغيير موازين القوى


ويبدو أن الإيرانيين يستعدون لاقتناص الفرصة، والعودة إلى نفس الدور الذي ظهر في مجالات تبادل المعلومات والتعاون الاستخباراتي مع الأميركيين في أفغانستان لمحاصرة طالبان عام 2001.

طهران ترسم سياساتها الاستراتيجية في المنطقة بمهارة فائقة

لكن هناك تيارا داخل الإدارة الإميركية، رغم موافقته على السماح لطهران بأن تتحول إلى لاعب مؤثر في المنطقة، إلا أنه مازال يؤكد أن الحديث عن اتخاذ خطوات فاعلة في هذا الاتجاه مبكر للغاية، وأن تلك الخطوات ستكون مرتبطة بشكل وثيق بإمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الملف النووي.

التقارب الأخير بين الجانبين تسبب في غضب أهم حلفاء واشنطن في المنطقة، وعلى رأسهم السعودية وإسرائيل.

لكن هذا الغضب في مجمله عادة ما يقابل من جانب الإيرانيين بمحاولة تقديم أنفسهم على أنهم “صوت العقل” في المنطقة، من خلال التركيز على الأعمال التي تقوم بها الجماعات السنية المتشددة في سوريا، بينما يهنئ الرئيس روحاني مسيحيي العالم بحلول العام الجديد، على موقع التواصل الاجتماعي تويتر.

استعادة التعاون الأمني بين الإيرانيين والأميركيين في العراق، كما كان عليه في 2001 بأفغانستان، يبدو أنه لا يحظى بمعارضة كبيرة داخل معسكري الإصلاحيين والمحافظين، بل إن هناك أصواتا من المعسكرين تدعو إلى أن تكون قضية العراق بداية لتعاون على نطاق أوسع يشمل المنطقة بأثرها.

مشاركة إيران بشكل فاعل في مؤتمر السلام حول سوريا لا تخلو من المشكلات أيضا بالنسبة إلى الإيرانيين، التي قد تأتي على رأسها الإطاحة بالرئيس بشار الأسد، رجلهم في دمشق.

انعكس ذلك على الانتقادات الموجهة إلى الإدارة الأميركية التي تتهمها بالسماح لإيران بأن تصبح قوة إقليمية كبيرة (رغم احتمالية سقوط الأسد)، على حساب حلفائها التقليديين، وفي مقدمتهم السعودية وإسرائيل، على الرغم من أن الإيرانيين لم يتوقفوا عن تقديم الدعم لحزب الله في لبنان، ونظام الأسد في سوريا، بالإضافة إلى دعمها المفتوح للحكومة العراقية في بغداد.

اتفاق نهائي حول الملف النووي مع روحاني سينتج عنه تقليص تأثير العقوبات، وانتقال الاقتصاد الإيراني إلى مرحلة النمو من جديد، وبسط مساحة شاسعة أمام النظام الإيراني للتحرك ومد نفوذه في المنطقة، ومن ثم الإخلال بالتوازن القديم من خلال انحسار التأثير الدبلوماسي الغربي على تفاعلات المنطقة.

دفع ذلك محللين، داخل إيران، إلى القول إن طهران ترسم سياساتها الاستراتيجية في المنطقة بمهارة فائقة، تقوم على استخدام الأميركيين في تحجيم دور منافسهم الأشرس في الرياض.

ويعزو هؤلاء تفوق الإيرانيين إلى مقدرتهم على تغيير وجه الصراع في سوريا والعراق، بالأساس إلى التعاون الأمني والسياسي الوثيق مع الروس.

لكن انحياز واشنطن تجاه الشرق يبدو أنه سيتم وفق خطة استراتيجية تنتهي مع انتهاء الفترة الرئاسية الثانية للرئيس الأميركي باراك أوباما، دون الوضع في الاعتبار المخاطر التي من الممكن أن تظهر في المنطقة حتى قبل التوصل إلى اتفاق نهائي حول البرنامج النووي الإيراني، وهو ما قد ينعكس على معادلة توازن القوى في الشرق الأوسط بأكملها، ويتسبب في صعود قوى جديدة وانهيار أخرى.

مع تزايد تعقيد الصراع في سوريا أكثر من أي وقت مضى وسط مواجهات واسعة بين السنة والشيعة في المنطقة أثارت الولايات المتحدة احتمال اضطلاع إيران بدور في محادثات السلام السورية المقرر أن تجرى هذا الشهر في سويسرا.

لكن وزير الخارجية الأميركي جون كيري قال إنه يجب عدم مشاركة طهران بصفة رسمية في مؤتمر جنيف 2 للسلام المقرر ان يبدأ في 22 يناير لأنها لم تدعم اتفاقا تم التوصل إليه في عام 2012 ويطالب بقيادة جديدة في سوريا.

وأضاف كيري أنه قد تكون هناك وسائل تستطيع إيران من خلالها "المساهمة من الكواليس". والاحتمال ضئيل في إمكانية انهاء الصراع السوري سريعا لكن ظهور القاعدة مجددا في العراق وهي عدو مشترك للولايات المتحدة وإيران والتقارب مع الرئيس الإيراني الجديد أثار تكهنات بشأن جهود مشتركة بين الجانبين لاحتواء الاضطرابات في المنطقة.

7