تفجيرات المنصورة.. الإخوان ينتقمون من المدينة التي نكلت بهم

الخميس 2013/12/26
جماعة الإخوان المحظورة تسعى جاهدة إلى تعطيل الاستفتاء بشتى الطرق غير المشروعة

لم يترك الإخوان المسلمون أمام الشعب المصري والحكومة ومؤسسات الدولة خيارا غير البطش بهم، واستدعاء تجربة عبد الناصر في مواجهة التنظيم، وهو ما يستوجب أولا الانتهاء من الاستفتاء على الدستور، والتخلص من الحكومة المؤقتة وما باتت تمثله من عبء على البلاد.

بعد ارتفاع عدد ضحايا تفجير مديرية أمن الدقهلية بمدينة المنصورة إلى 15 والمصابين إلى أكثر من 100 تجد مصر الآن نفسها في مفترق طرق تتسم تضاريسه بالوعورة. فأي طريق ستختاره الحكومة المصرية الحالية هو بالضرورة أصعب من كل الطرق الأخرى.

فعلى ما يبدو أن تنظيم الإخوان المسلمين مازال مصرا على الأخذ بالثأر لقتلى فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة الذي وقع في 14 أغسطس الماضي، وعلى أن يصل عدد شهداء الجيش والشرطة المصريين في المقابل إلى الآلاف التي أعلنوا أنها سقطت أثناء فض الاعتصام.

لكن يبدو المشهد السياسي المصري منذ منتصف أغسطس الماضي وحتى الآن مرتبكا، وتتداخل فيه الخيوط والمصالح إلى حد يعبر بعمق عن تعقيد الحالة المصرية وتعثرها.

وفي الوقت الذي يسبق الشعب المصري بقواه السياسية والمجتمعية والثورية الحكومة (التي طالما وصفت بالمرتعشة) بخطوة أو إثنتين في طريقة تعامله مع الإخوان المسلمين ونظرته العامة إليهم، تظل تلك الحكومة في استمرار تراجعها أمام وثبات التنظيم الجريئة، التي لم تكن لتأتي بثمارها في مرحلة الستينيات من القرن الماضي مثلا، عندما تعرض هذا التنظيم لنفس الحصار الشعبي والرسمي، لأن الحكومة، وعلى رأسها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، لم تكن آنذاك لتسمح بذلك.

تتمحور خطة الإخوان المسلمين الأساسية حول استغلال ضعف الحكومة، وممارسة أكبر قدر من الضغط السياسي والميداني على النظام الحالي، يمكنها من التوصل في النهاية إلى تسوية سياسية طويلة المدى. لكنها تدرك في الوقت نفسه أن النظام لا يستطيع الجلوس على طاولة واحدة مع التنظيم الآن، لأن ذلك سيكون كافيا لسقوط شرعية الأمر الواقع التي يقوم عليها بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي.

لذا فإن تعقيد المعادلة السياسية المصرية يكمن في انحصار البدائل المتاحة للجانبين، ولجوء كل طرف منهما إلى الدخول في صدام مع الطرف الآخر، مستندين على الدعم الشعبي والمؤسساتي للدولة المصرية في الحالة الأولى، والدعم الخارجي من قوى إقليمية ودولية في الحالة الثانية.

سارت حركة حماس (كما فعلت من قبلها الجماعة الأم) في الاتجاه المعاكس لمقولة "إن لم يكن أمامك العديد من الخيارات، فاحرص على ألا تفقدها كلها"

لكن منحنى الصراع الذي انعطف تدريجيا، مع طول مدة انتظار أعضاء الجماعة ووقودها في التظاهرات والفعاليات العنيفة وشبه العنيفة التي تدعو إليها القيادات باستمرار، إلى العنف يبتعد في جوهره كثيرا عن الحالة الجزائرية التي شهدت تحركات مماثلة للجيش أطاح من خلالها بـ “الجبهة الإسلامية للإنقاذ”، التي كانت تستعد لتشكيل الحكومة بعد فوزها بالانتخابات التشريعية التي أجريت في 26 ديسمبر عام 1991.

الاستفتاء على الدستور

الاختلاف الجوهري بين الحالة المصرية والجزائرية يعود إلى الفارق بين الإطاحة بالفصيلين بعد خوض تجربة الحكم، وما يتبع ذلك من انخفاض أو ارتفاع في مؤشر شعبية الفصيل الحاكم، أو قبلها.

فبالرغم من أن الجماعتين في مصر والجزائر تريان أنهما تعرضتا للظلم من قبل المؤسسة العسكرية في كلا البلدين بعد فوزهما بالانتخابات، إلا أن فشل الإخوان المسلمين، الذي ثبت بعد عام كامل من الحكم، في إيجاد حلول سريعة وناجعة للمشكلات، التي كانت (ومازالت) تعاني منها البلاد، ساهم كثيرا في تخلي القاعدة الشعبية التي ساهمت في وصولهم إلى السلطة عن مساندتهم، بل والانقلاب على معتقداتهم ورؤاهم السياسية والعقائدية.

ظهر ذلك الانقلاب في استطلاعات الرأي حول نسبة المشاركة المتوقعة في التصويت على الدستور الجديد، والتي تأثرت كثيرا بأحداث التفجيرات الأخيرة التي استهدفت قوات الجيش والشرطة في سيناء والإسماعيلية، وأخرها في قلب الدلتا.

لذا فقد يبدو أن الإخوان فضلوا الوصول إلى أبعد نقطة في صراعهم مع الجميع، والرجوع مجددا إلى فترة السبعينيات وإعادة إنتاج خطاب الجماعة وتوجهاتها.

لا تدرك قيادات التنظيم، التي تربت جميعها داخل عباءة سيد قطب وابتكاراته التكفيرية، أن مصر انتقلت من مرحلة الكل ضد الكل، إلى تكتل الكل ضد الإخوان، وبالتالي من المتوقع أن تستمر في سعيها نحو سراب الأغلبية والشرعية التي تهرول وراءه إلى أن تصطدم بالحقيقة، في وقت يكون فيه رجوعها إلى المجتمع مرة أخرى قد تأخر كثيرا.

قوى إقليمية داعمة

بعد قرارها بدعم المعارضة المسلحة في مواجهة النظام السوري، وجدت قيادات حركة حماس في قطاع غزة نفسها في حاجة إلى إعادة ترتيب الأوراق مجددا بعد أن فقدت دعم الحليف الأقوى لها في طهران، وهو ما دفعها إلى إعادة النظر مرة أخرى في مجمل تحركاتها الإقليمية، بما يتناسب مع رغبات ذلك الحليف. لكن سقوط الجماعة الأم في القاهرة لم يترك أمام حماس كثيرا من الخيارات التي يمكن من خلالها المناورة في سبيل عودة النفوذ في مصر على غرار بداية عودته في إيران، فلجأت الحركة أيضا إلى الصدام مع النظام الجديد.

سارت الحركة حماس (كما فعلت من قبلها الجماعة الأم) في الاتجاه المعاكس لمقولة “إن لم يكن أمامك العديد من الخيارات، فاحرص على ألا تفقدها كلها”، وقررت التضحية بعمقها الاستراتيجي في مواجهة إسرائيل، ووضعت نفسها عنوة بين ديناصورين، إن لم يلتهمها الأول، فسيسحقها الثاني تحت قدميه. أما ما دفع حماس إلى السير في هذا الطريق فهو الدعم المالي غير المحدود الذي يأتي من الدوحة دون حساب. فقطر ومشروعها حتم على المنطقة الدخول مؤخرا في نزاع بين مركزها وأطرافها، وساهم في تعديل أهداف القوى الرئيسية فيها وإعادة ترتيب أولوياتها، بما يتناسب مع التفاعلات الساخنة التي تمر بها الآن، والتي تظهر صورة قطر دائما في القلب منها.

6