تفجيرات طرطوس هدية داعش لـ"سوريا المفيدة"

الثلاثاء 2016/05/24
طرطوس الحرائق

لندن – كسرت الهجمات التي شنها تنظيم داعش داخل مدينتي طرطوس وجبلة الساحليتين غرب سوريا تقليدية محاور القتال وخطوط التماس المعروفة. فالانفجارات طالت مناطق كانت خارج الصراع بين المعارضة والنظام، وطالما اعتبرت آمنة في أيدي سلطات دمشق، لا سيما أنها تعتبر معقلا للطائفة العلوية وخزانها البشري.

وتثير هذه التفجيرات مخاوف من ردود فعل انتقامية قد ترتقي إلى تطهير عرقي للسنة الذين يسكنون في هذه المناطق ذات الغالبية العلوية، وستكون بمثابة هدية ثمينة من داعش داعمة لخيار “سوريا المفيدة” التي قد يلجأ النظام إليها كخيار أخير للحفاظ على السلطة ولو على جزء من سوريا.

وحصدت 7 تفجيرات “غير مسبوقة” أكثر من 100 قتيل، وتفاوتت أعداد القتلى وفق روايات متعددة، فقد ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن العدد وصل إلى 48 قتيلا في طرطوس (في محافظة طرطوس) و53 في جبلة (محافظة اللاذقية)، فيما أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية عن سقوط “45 شهيدا في جبلة” و”33 شهيدا في طرطوس”.

وكان مدير المرصد تحدث عن 4 تفجيرات استهدفت مدينة طرطوس و3 استهدفت مدينة جبلة، منوّها إلى أن التفجيرات “غير مسبوقة” في المدينتين اللتين “لم تشهدا انفجارات بهذا الشكل منذ الثمانينات”، في إشارة إلى المواجهات الدامية آنذاك بين النظام السوري وجماعة الإخوان المسلمين.

ويعتبر المراقبون أن للهجمات مقاصد متعددة هدفها ضم منطقة الساحل السوري إلى جبهات القتال، وبالتالي إسقاط نظرية “سوريا المفيدة” التي يتحدث عنها بشار الأسد، والتي تجتهد القوى الروسية في الحفاظ عليها وتحصينها وتأكيد خطوطها.

وترى أوساط معارضة أن هجمات الاثنين تخترق معقلا أساسيا لنظام دمشق، لا سيما إطلالته على البحر الأبيض المتوسط.

فلاديمير أحمدوف: التفجيرات في الساحل السوري فتحت عيون الروس أكثر

وتربك الهجمات خارطة نشر القوات السورية في مواجهتها لقوات المعارضة. وطالما اعتبر النظام منطقة الساحل آمنة منيعة، ليس فقط لأن قوى المعارضة، التي نجحت في اختراقها لم تتمكن من الاستقرار داخلها، بل لأن هذه المناطق تتمتع بمحرّم دولي، لا سيما الولايات المتحدة التي وضعت فيتو على أي تقدم للمعارضة باتجاهها، بسبب الحرص على عدم ارتكاب مجازر ضد العلويين في تلك المنطقة.

وتلفت أوساط دبلوماسية غربية إلى أن هجمات طرطوس وجبلة تقع ضمن الرقعة الجغرافية التي تتمركز بها القوات الروسية سواء في قاعدة طرطوس أو اللاذقية أو في قاعدة حميميم (غير البعيدة عن جبلة)، وأنه لا يمكن لموسكو إلا أن “تشعر بالقلق”، على حد تعبير بيان الكرملين الاثنين، من جسامة الاختراق الأمني على مشارف القواعد الروسية في المنطقة.

وأفاد محللون روس أن قواعد العمل ستتبدل إذا ما ثبت أن المنطقة العسكرية للقواعد الروسية في سوريا لم تعد آمنة، فمن يستطيع اختراق طرطوس وجبلة يرسل رسالة إلى موسكو بأن باستطاعته الوصول إلى المصالح الروسية في تلك المنطقة.

وتوقع المحلل السياسي الروسي فلاديمير أحمدوف أن تكون هناك عواقب خطيرة لمثل هذه التفجيرات نتيجة التركيبة الاجتماعية لتلك المنطقة التي قد تثير نزعة طائفية.

وقال أحمدوف المتخصص في شؤون الشرق الأوسط لـ”العرب”، “هذه الثغرة الأمنية والتفجيرات الإرهابية من داعش تحمل رسائل لحلفاء النظام قبل النظام ذاته بأن الوضع الأمني أضعف مما يمكن تصوره”.

وأضاف “ما حدث فتح عيون الروس أكثر، ولا سيما بعد الوجود العسكري الروسي في سوريا الذي ساعد أصحاب القرار في موسكو على معرفة حقيقة الوضع المتدهور في سوريا بطريقة أكثر وضوحا وليس مجرد الاكتفاء بما يقوله لنا النظام عن نفسه وقدراته”.

وعبر عن اعتقاده بأن روسيا ستمارس كل الضغوط للتسريع بالعودة إلى تفعيل الحل السياسي، لأن استمرار الوضع الحالي سينقلنا إلى حالة أسوأ وستكون نتائجها أخطر على ما تبقى من النظام وبالتأكيد على مصالح روسيا في سوريا والمنطقة.

ويلفت خبراء في شؤون مكافحة الإرهاب إلى أن الهجوم على المناطق الساحلية السورية يأتي بعد ساعات من زيارة قام بها قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط الجنرال جوي فوتيل إلى سوريا لتفقد القوات الخاصة الأميركية شمال البلاد.

وقد كشف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي باراك أوباما لدى التحالف ضد تنظيم داعش بريت ماكغورك أن الزيارة تهمّ الإعداد لمعركة تحرير الرقة.

ولم يستبعد هؤلاء الخبراء أن تكون هجمات الاثنين الدامية في جبلة وطرطوس هي محاولة من تنظيم داعش لخلط الأوراق وتوسيع الجبهات وإرباك الخطط الأميركية المعدّة للرقة، “عاصمة الخلافة” في سوريا.

ولا شك أن هذه الهجمات ستزيد من حالة الاحتقان الطائفي بما ينذر بعمليات انتقامية ضد السنة في محافظتي طرطوس واللاذقية، بما يخدم خطط النظام وداعميه لإقامة كيان ذي غالبية علوية كخيار بديل، ومن ناحية ثانية فهي تصب في خدمة طروحات داعش.

ولن تكون الطائفة العلوية بمنأى عن تأثيرات هذه الهجمات، فمنها فئات سيزداد التصاقها بالنظام بصفته الضامن الوحيد لأمنها، وفئات سترتفع حالة التململ بين صفوفها من مغبة ارتفاع ضريبة الدم التي تدفعها الطائفة دفاعا عن استمرار الأسد.

1