تفجير الكرادة يفتح على التشكيك الشعبي في الروايات الرسمية

السبت 2016/07/09

عقب كل تفجير إجرامي يطال بغداد أو أي مدينة عراقية أخرى، تُكنس الآثار وتشيّع الضحايا وتعود الحياة وفق روتينها الاعتيادي، ويُنسى التفجير وكأن الانفجار لم يكن إلا في قلوب احتـرقت على فقدان أحبّاء لها، حتى يحل تفجير آخر يذكّر العراقيين بأن الموت لا ينام كثيرا في مدنهم وقراهم. وعلى عادتهم يخرج الرسميون من قادة أمنيين وسياسيين، لترديد اللازمة المعتادة عن إرهاب التكفيريين، وعلى امتداد عقد ونيف من الدماء والدمار، لم يطالعنا أي جهاز أمني عراقي بنتيجة تحقيق واحدة حول طريقة التفجير وهويـة المفجرين، فالأمر دائما واضح وبيّن لدى الأجهزة الأمنية العراقية، فهو كالعادة “سيارة مفخخة يقودها انتحاري”، وإن أشارت معطيات، إلى أن الإرهاب في العراق ليس دائما إرهابيا تكفيريا.

في العام 2013 شهدت مدينة الثورة/ الصدر في بغداد، تفجيرات إجرامية دامية طالت خيمة عزاء، أَوقفت على إثرها جماعة “جيش المهدي” التابعة للزعيم الشيعي مقتدى الصدر، النافذة في تلك المنطقة، أحد المنفذين. لم يكن الشاب العشريني الموقوف انتحاريا تكفيريا، إنما كان من سكان المنطقة ومن عشيرة “شيعيّة” معروفة فيها، وسُجّلت له اعترافات أقر فيها بطريقة إدخاله المتفجرات عبر أكياس سوداء وضعها تحت طاولة في الخيمة، واعترف بتلقيه أوامر بذلك من مقدم بالشرطة، ذكر اسمه وأسماء المتعاونين معه في تنفيذ الجريمة. نُشر شريط الاعتراف على موقع اليوتيوب وأثار حينها ضجة شعبية، لكنه ذهب أدراج اللملمة الحكومية للموضوع، وسكوت الصدريين عن الأمر، بعد اشتباك أعقب الحادثة بين ميليشيا الصدر وميليشيات أخرى توالي حزب الدعوة، جزم حينها كل متابع بارتباط الاشتباك بالأمر المكتشف.

وعقب مذبحة الكرادة الدامية الأحد الماضي، وهو التفجير الأضخم من نوعه من حيث استهدافه منطقة مدنية، هي عبارة عن سوق تجاري يقصده المواطنون من مختلف المناطق والطوائف، تسربت معلومات عن مصادر في التيار الصدري، تكشف تورط قيادي عسكري كبير في ميليشيا أبوالفضل العبّاس، وهي إحدى الميليشيات النافذة في منطقة الكرادة، قيل إنه من عبر بالشاحنة المفخخة التي انفجرت متجاوزا بها الحواجز الأمنية التي تعج بها المنطقة، بسلاسة وصولا إلى المنطقة المستهدفة. ولا يرى الإعلام الموالي للجهات الحكومية والميليشياوية في هذه التسريبات، سوى أقاويل تهدف إلى المزايدة السياسية وتضعها في إطار الخصومة الميليشياوية بين الصدريين وغيرهم، إلا أن التوجه الرسميّ للصدريين يضع التفجيرات ضمن سياسة لفت الأنظار عن الأزمة السياسية، ويتهم، بالمضمون، جهات سياسية فاسدة، دون أن يجد غضاضة في تصريحاته الرسمية مـن ذكر رئيس الوزراء السابق كأحد المتورطين والمستفيدين من إراقة هذه الدماء.

تدفع تلك “المماحكات” الأمنية السياسية التي يثيرها طرف سياسي وازن كالتيار الصدري، ويشاركه فيها وأطلقتها قبله بشكل أكثر جديّة، جهات مدنية عدّة، إلى رواية قد تبدو أكثر واقعية من اللازمة الحكومية المعتادة “انتحاريين تكفيريين”، والتي تتردد عقب كل عمل إرهابي، والتي لا تؤدي إلا إلى رفع منسوب الطائفية في المجتمع البغدادي والعراقي عموما. ويعزز من ذلك التخبط الحاد، الذي اعترى تصريحات الرسميين الأمنيين، حيث صرّحت “قيادة عمليات بغداد” أنها اعتقلت خلية أمنية متواطئة مع الإرهابيين، لينفي ذلك بعد ساعات، محمد الربيعي نائب رئيس اللجنة الأمنية لمحافظة بغداد، مكذبا تمكن وزارة الداخلية من كشف أي خلية أمنية متورطة في التفجيرات.

ولم يضع المواطن العراقي المتابع لمأساته، تلك التصريحات إلا في خانة محاولات امتصاص نقمته التي تفجرت على الأجهزة الأمنية فور وقوع التفجير، وطالت على الفور قيادة العمليات وقائدها الأعلى رئيس الوزراء حيدر العبادي.

وتتابع الجهات الأمنية تخميناتها حول أسلوب التفجير، لتُجمع الهيئات الأمنية، قيادة عمليات بغداد، والمجلس الأمني للعاصمة، والناطق باسم وزارة الداخلية، على أنه تمّ بواسطة “انتحاري يرتدي حزاما ناسفا”، فيتغيّر القول لاحقا على وقع ضخامة الدمار وانتقاد الناس له عبر وسائل الإعلام التي هرعت إلى المكان، ليصبح “سيارة مفخخة يقودها انتحاريّ”، ليرسو الأمر أخيرا على شاحنة براد مفخخة تابعة لشركة الكفيل للحوم والدواجن. وهي شركة تدار من قبل مجموعة رجال أعمال مرتبطين بأحزاب سياسية شيعيّة نافذة، وتشرف “هيئة العتبة الحسينية” في كربلاء على عمليات الذبح والإنتاج فيها وفق الضوابط الشرعية. ولم يدفع الأجهزة الأمنية إلى الإقرار بهذا التفصيل الذي يبدو ثانويّاً في العقيدة الأمنية العراقية كما عوّدتنا، إلا عقب تداول الأمر مجتمعيّا وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، حول عبور شاحنة شركة الكفيل دون تفتيشها، وإفادة شهود عيان نجوا من الانفجار بمشاهدتهم لها مركونة بجانب المجمع التجاري المستهدف، تخلو من سائقها، وتساءل كثيرون باستهجان حول كيفية تمكن إرهابيّ من تنظيم داعش من استخدامها مع تصاريحها الأمنية، وكشوف حمولتها الممهورة بأختام الشركة التابعة لها، والتي لا بد أنها تحمل اسمه كسائق مخوّل من قبل شركة معروفٌ عنها أنّها شركة “شيعيّة”؟

كل ذلك لا تعيره الأجهزة الأمنية والسياسية العراقية أي اعتبار، وهي لم تُجرِ طوال تاريخها على رأس مهامها الأمنية في “العراق الجديد”، أي تحقيق وفق الأصول المرعية في دول العالم، حتى تلك المهلهلة من الناحية الدولتية، وتشبه العراق في تركيبته السياسية والأمنية الضعيفة، حيث رأينا أكثر من مرة اعتماد تلك الدول للجان تحقيق بأدوات جنائية لتولي مهام الكشف عن هوية الانتحاريين المنفذين لعمليات طالت بلادهم عبر تحليل الحمض النووي، وليس العراق بما يمتلك من موازنات أمنية ضخمة، بعاجز عن الاستعانة بخبراء دوليين ومعامل جنائية لدول صديقة في حال تعذر امتلاكها. ليظهر الأمر حسب قناعات عراقيين كثر، بأن ينابيع الدماء البريئة لم تُفتح إلا بفعل فاعل من المافيات السياسية الحاكمة، وبظروف سياسية معينة.

هذا ما فتحته تفجيرات الأحد الدامية في وعي العراقيين، الذين باتوا يقرأون الأحداث بعين السياسة، أي بعيون خصومهم من المافيات الحاكمة، والتأشير بتلقائية بأصابع الاتهام على المستفيدين الأوائل، الذين استنفدوا كل حيل تثبيت مواقعهم على رأس السلطة، والاستثمار في الحرب على الإرهاب تارة، وفي الأزمات الأمنية تارة أخرى، التي طالما علّقوا عليها فشلهم في إنجاز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وستروا خلف دخانها صفقات النهب والفساد غير المسبوقة في تاريخ البشرية وليس في تاريخ العراق فحسب.

وحتى تبني تنظيم داعش للعمليات الإرهابية، يعلق عليه أحد نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي باللهجة العراقية “دواعش المنطقة الخضراء يفجرون، وداعش الأصلي يستثمر بالصيت والسمعة”.

كاتب عراقي

9