تفجير الكويت عنوان جديد للمأساة الدينية

السبت 2015/07/04

التطرف الكثيف في الفترة الأخيرة دلالة على عبث ديني وعقدي متراكم، فهناك فراغات فقهية وعقلية يتم توظيفها بصورة فوضوية تحدث التباسا في تفسير الأشياء، وطالما احتفظ التطرف بحيوية كالتي ينشط بها في المرحلة الدينية والتاريخية المعاصرة، فإننا نظل في خضم موجة من العنف المتبادل واستباحة كثير من المحرمات وتصويرها بغير حقيقتها.

تفجير مسجد الإمام الصادق الأخير في الكويت لا يتوقع له أن يكون الأخير في سلسلة العنف الديني الذي استشرى كوباء فكري في مجتمعاتنا، في ظل حالة السيولة العقدية التي تظهر من خلالها جيوش من المفتين وأصحاب الرأي الديني القاطع الذين لا يتورعون عن الفتوى رغم خطورتها ومسؤوليتها العظيمة، ذلك يضعنا في حالة استسهال لا واعية للتداعيات التي تلي الرأي الخاطئ والاجتهاد الخاطئ.

عند عموم الإسلاميين، والمتطرفين بصورة أكثر دقة، فإن الدين يعتبر سلة فقهية ونظاما سياسيا واجتماعيا يختلط فيه الحابل بالنابل، الأمر الذي يعزز ما ظللنا ندعو له، دوما، بأهمية فصل الدين عن الدولة، بحيث يتم اعتماد نظام علماني يحيّد أولئك المصادرين لحق غيرهم في تعبدهم واعتقاداتهم، دون أن تترتب عليهم مسؤولية أي أخطاء يمكن أن تصدر عن غيرهم.

الذين يتولون الدين كحماة له هم الأخطر عليه، والأكثر تشويها له، لأنهم في سبيل حمايته، وهو لا يحتاج تلك الحماية لأنه ليس ضعيفا، يمكنهم أن يسفكوا الدماء باسمه ويستحلوا الحرمات، فأولئك الذين اقتحموا مسجد الإمام الصادق وقبله القديح والعنود، إنما فعلوا جرمهم بدم بارد وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وهنا تأتي المفارقة، ذلك الظن الواهم بحسن ما يفعلون عن طريق الموت والدم والقتل وانتهاك حرمة المساجد.

في الواقع لا يمكن لدين أن ينتصر، أو يتم الانتصار له، بوسائل في غاية البشاعة والقبح العقلي، أولئك المتطرفون الطائفيون يتبادلون القتل في سوريا والعراق، ويسعون إلى التمدد في السعودية والكويت وغيرهما من المجتمعات الآمنة التي يمكن أن يشوشوا عليها بهذا الإرهاب الذي يتغطى بالدين، ذلك كفيل بأن يؤثر على قيمة الدين ودوره في تحقيق الأمن والأمان.

لا يعرف الطائفيون، أو يدركون، أنهم التائهون والضالون وليس أولئك الأبرياء الذين حصدوا أرواحهم غدرا وغيلة، ولا يمكن لمثل هذه الجرائم أن تحقق عز الدين، حينما فعل الخوارج ذلك في فجر الإسلام إنما عبثوا بقيمته وانتهوا نهايات سيئة أمكن تداركها، وإن بقيت جزءا من الموروث السالب الذي استمر مع الزمن إلى أن شمل خوارج العصر الحالي.

من المهم أن توجد معالجات لإيقاف النزيف العقدي والتشويه المريع للدين، ذلك يبدأ بمعالجات فكرية تعمل على إقصاء الطائفية من المعادلة السياسية والاجتماعية، وتجفيف الفكر المتطرف الذي لا يخدم أمن الناس واستقرارهم، فالدين إيمان وقناعات وخيارات تجلب الطمأنينة، وحينما يكون قتلا وكراهية ووحشية مدمرة يصبح عبئا فكريا وإنسانيا.

التطرف اعتلال عقلي يتطلب تسوية عقلية تتعاطى مع أمراء الظلام وتجار الدين والدم والموت، والطائفية عامل مساعد ومحفز لنشوئه يمكن القضاء عليها بفتح مساحات للحوار والتعايش والتقارب على ذات النهج الديني الذي يدعو إلى التآلف والحسنى واحترام القواسم المشتركة، والحق الإنساني في الأمن والسلام، وتلك هي الفجوة التي بين الصحيح الديني وأفكار التطرف التخريبية، وحين تتسع تنظيمات قاتلة مثل “داعش” في أعمالها الإرهابية فلأنها تجد فسحة من التراخي في التعاطي معها، في ظل وجود خلايا نائمة وداعمين لها يتوافق هواهم مع تطرفها وسعيها لنشر المزيد من الكراهية والأحقاد والاحتفاظ بأسوأ ما في الموروث من مرارات، وهؤلاء يجب عزلهم وفصلهم عن هذا الواقع المرير حتى يتم الانفراد بتلك الكيانات الطفيلية الدينية.

كاتبة سعودية

9