تفجير جديد يهز بيروت.. إيران تتهم السعودية وجهاديون يتبنون الهجوم

الأربعاء 2013/11/20
لبنان مازال يلملم جراح الحرب الأهلية.. وقد باغتته حرب جديدة ورّطه فيها تاريخه مع سوريا وحزب الله وإيران

بيروت - استهدف تفجيران انتحاريان سفارة إيران، الحليفة الكبرى لسوريا، في بيروت تبنته جماعة جهادية وأسفر عن سقوط 23 قتيلا وحوالي 150 جريحا.

استفاقت العاصمة اللبنانية، بيروت، صباح أمس على وقع انفجارين، ذكّرا اللبنانيين بسلسلة طويلة من التفجيرات المشابهة التي شهدتها بيروت منذ اندلاع الحرب الأهلية وتواصلت بعد انتهائها، وزادا مخاوفهم من انزلاق لبنان نحو أخدود الصراع الملتهب في سوريا والذي يتسلّل شيئا فشيئا إلى لبنان.

أسفر التفجيران عن 23 قتيلا، من بينهم الملحق الثقافي الإيراني في لبنان، وأكثر من 150 مصابا، ووقعا بفارق دقائق، في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث يوجد مبنى السفارة الإيرانية ومكاتب لكل من (رئيس الحرس الجمهوري السابق في لبنان والمتهم باغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري) مصطفى حمدان و(الوزير السابق) وئام وهاب وشاكر البرجاوي، بالإضافة إلى مؤسسات تابعة لحزب الله، من بينها مبنى تلفزيون المنار وعدد من المكاتب الأمنية الخاصة بالحزب.

هذه العملية الأخيرة تعدّ الثالثة التي تقع في هذه المنطقة، التي تعد معقلا لحزب الله المتحالف مع النظام السوري وترعاه طهران، وقد شهدت الضاحية الجنوبية لبيروت، مؤخرا، تفجيرين بسيارتين مفخختين أودى الثاني بحياة 27 شخصا وتبنته جماعة جهادية صغيرة موضحة أنه رد على مشاركة حزب الله في القتال في سوريا. واتهم الأمين العام للحزب حسن نصر الله «متطرفين» بالوقوف وراءه. هذا الهجوم، أيضا، تبنته جماعة كتائب عبد الله عزام الجهادية مؤكدة أنها تهدف بذلك إلى الضغط على حزب الله لسحب مقاتليه من سوريا والإفراج عن معتقلين في لبنان.

وقال سراج الدين زريقات، أحد الأعضاء البارزين للجماعة المرتبطة بتنظيم القاعدة، على حسابه على «تويتر» إن «كتائب عبد الله عزام سرايا الحسين بن علي تقف خلف غزوة السفارة الإيرانية في بيروت»، موضحا أنها «عملية استشهادية مزدوجة لبطلين من أبطال أهل السنة في لبنان».

وهدّد زريقات بأن «العمليات ستستمر حتى يتحقق مطلبان، الأول سحب عناصر حزب الله من سوريا والثاني فكاك أسرانا من سجون الظلم في لبنان».

حسب بيان للجيش قام بتنفيذ التفجيرين "انتحاريان"

الشيخ سراج الدين زريقات كانت أوقفته عام 2012 عناصر استخبارات الجيش اللبناني بتهمة القيام بنشاطات إرهابية. لم يمكث زريقات موقوفا أكثر من ساعات. تُرك بعدها حُرّاً نتيجة تدخلات سياسية كبيرة لصالحه، أبرزها كانت وساطة مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني شخصيا، الذي اتصل من تركيا بقائد الجيش العماد جان قهوجي، معربا عن استنكاره لتوقيف الزريقات دونما اعتبار لدار الفتوى كمرجعية ولكرامة العمّة التي يعتمرها الشيخ الموقوف. إثر ذلك، أُخلي سبيله ليعود إلى منزله كأن شيئاً لم يكن. اختفى الشيخ منذ ذلك الحين، قبل أن يظهر في 13 آب-أغسطس 2012 في تسجيل لكتائب عبد الله عزام، وها هو اليوم يظهر على «تويتر» ليتبنى التفجير باسم كتيبة عبد الله عزام.

وحسب بيان للجيش اللبناني قام بتنفيذ التفجيرين «انتحاريان» أحدهما على دراجة نارية والثاني جاء يقود سيارة جيب رباعية الدفع. وجاء في البيان «بعد كشف الخبراء العسكريين المختصين على موقع الانفجارين، تبين أن الانفجار الأول ناجم عن إقدام انتحاري يقود دراجة نارية على تفجير نفسه، والانفجار الثاني ناجم عن إقدام انتحاري آخر يقود سيارة جيب رباعية الدفع على تفجير نفسه أيضا». وقبل موجة التفجيرات الأخيرة، استهدفت بين عامي 2005 و2008 تفجيرات عدة شخصيات سياسية وإعلامية وأمنية ومناطق سكنية، كان أكثرها دموية الانفجار الذي أودى بحياة رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري و22 شخصا آخرين في 14 شباط-فبراير 2005 في وسط بيروت. وقال بعض المحللين إن الهجوم الأخير يهدف بوضوح إلى دفع لبنان إلى جولة جديدة من العنف. وهناك خوف من أن يجد لبنان، المكلوم من حرب أهلية عانى خلالها طيلة 14 عاما، نفسه مجرورا إلى حرب جديدة رغما عنه.

أبرز التفجيرات والاغتيالات التي شهدها لبنان منذ الحرب الأهلية
1975- 1990: الحرب الأهلية: عاش خلالها لبنان على وقع تفجيرات وسلسلة اغتيالات طالت الكثير من الوجوه البارزة على غرار الرئيس اللبناني بشير الجميل في 14 أيلول 1982

1983: تفجيرات بشاحنتين مفخختين استهدفتا مبنيين للقوات الأميركية والفرنسية في بيروت وأودت بحياة 299 جنديا أميركيا وفرنسيا في 23 من أكتوبر-تشرين الأول عام 1983

2005: 14 فبراير: اغتيال رفيق الحريري في عملية تفجير وسط بيروت أسفرت عن مقتل 22 شخصا آخرين

02 يونيو: اغتيال الصحافي المعارض للوجود السوري في لبنان سمير قصير في انفجار سيارته في بيروت

2006: 21 نوفمبر: اغتيال الوزير والنائب المعارض لسوريا بيار الجميل ومرافقه بإطلاق النار عليهما في ضاحية شمال بيروت

2007: 13 يونيو: اغتيال النائب اللبناني وليد عيدو من تيار المستقبل في الأكثرية النيابية في تفجير سيارة مفخخة في بيروت

2008: 25 يناير: اغتيال أحد مسؤولي الأمن وسام عيد ومقتل أربعة أشخاص في تفجير عند مرور موكب لقوى الأمن الداخلي في الضاحية الشرقية لبيروت

2012: 19+ أكتوبر: اغتيال مدير فرع المعلومات في قوى الأمن العميد وسام الحسن في تفجير سيارة مفخخة في بيروت، وأسفر الهجوم عن سقوط قتيلين آخرين

2013: 15 أغسطس 2013: مقتل 27 شخصا في انفجار سيارة مفخخة جنوب بيروت.

23 أغسطس 2013: مقتل أكثر من 40 شخصا وجرح 400 في انفجارين وقعا خارج بعض المساجد في طرابلس.


طهران تتهم الرياض


تشكّك جهات في صحّة ضلوع الجماعة الجهادية أو أي تنظيم آخر للقاعدة في هذا الهجوم، حيث وجه الحرس الثوري الإيراني أصابع الاتهام إلى المخابرات السعودية بالضلوع في التفجير المزدوج الذي تعرضت له السفارة الإيرانية في بيروت، وقال مصدر مقرب من قائد فيلق القدس المكلف بالعمليات الخارجية في الحرس الثوري اللواء قاسم سليماني إن الرد الإيراني على الهجوم لن يتأخر كثيرا.

واتهم المصدر، الذي قال إنه يتحدث باسم سليماني، المخابرات السعودية بقيادة الهجوم المزدوج قرب السفارة الإيرانية في بيروت في ضوء الصراع غير المعلن على النفوذ في سوريا ولبنان والعراق.

وفيما اتهمت وزارة الخارجية الإيرانية إسرائيل بالوقوف وراء التفجيرين، قال الحرس الثوري الإيراني إن السعودية وإسرائيل تخططان لزعزعة استقرار لبنان وجره إلى نار الحرب الأهلية لعلاج الهزيمة في سوريا وفي مفاوضات جنيف النووية التي ستستأنف الأربعاء.

من جانبها دانت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الإيرانية «مرضية أفخم» بشدة التفجيرين قرب السفارة الإيرانية في بيروت، موجهة أصابع الاتهام إلى إسرائيل وعملائها بارتكاب «هذا العمل الإرهابي» على حد قولها.

ولفتت المتحدثة باسم الخارجية الإيرانية إلى أنه نظرا إلى قرب مكان الانفجار من سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان، فإن طهران ستتابع هذه القضية.


تفجيرات بيروت 1983


وإيران هي أكبر حليف لجماعة حزب الله اللبنانية الشيعية، التي يشارك مقاتلوها الموجودون في سوريا قوات الحكومة في قتالها مسلحي المعارضة. وبداية وجودها الرسمي في لبنان وتأثيرها في الساحة هناك، يعود بالأساس إلى الثمانينات من القرن الماضي، وبالتحديد في الفترة التي أعقبت تفجيرات بيروت في 23 أكتوبر – تشرين الأول 1983، والتي استهدفت مقر القوة متعددة الجنسيات في لبنان وقتل خلالها العشرات من الجنود الأميركيين. واستهدف التفجير أيضا معسكر القوات الفرنسية وقتل 42 جنديا فرنسيا. وتسبب أيضا الهجوم في أكبر خسائر بشرية يتكبّدها الجيش الفرنسي في يوم واحد منذ انتهاء حرب الهند – الصينية عام 1954.

ويعد تفجير بيروت 1983 أسوأ استهداف تعرضت له المصالح الأميركية قبل تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر- أيلول 2001. ونجح الرئيس الأميركي في ذلك الوقت، رونالد ريغان، الذي لم يخرج رهائن السفارة الأميركية في طهران من أسرهم إلّا بعد انتخابه رئيسا، في استعادة هيبة الولايات المتحدة في العالم، لكنّ عهده شهد بداية توسّع النفوذ الإيراني في لبنان بعدما انسحب عسكريا من الوطن الصغير إثر تفجير مقر المارينز في بيروت.

وكان هذا الانسحاب للقوات الدولية بداية اختراق إيران للبنان، عن طريق دعم حزب الله، الذي رفع شعار «المقاومة» ضد إسرائيل. وقد وجّهت أصابع الاتهام في تفجيرات 1983 إلى حزب الله.

ويقول محللون إن الهجوم الذي نفذه حزب الله كان بمثابة إعلان فعلي من الحزب الشيعي اللبناني عن بداية وجوده القوي في لبنان خاصة بعد أن اكتسب معركة الولاء لطهران في معركته التي كانت على أوجها في تلك الفترة ضد حركة أمل الشيعية، حيث خصت طهران الحزب بكل دعمها المالي والعسكري دون غيره من الجماعات والشخصيات الشيعية الأخرى إلى أن أصبح على ما هو عليه من القوة.

وتطور حزب الله على مدار العقود الماضية، ليصبح قوة عسكرية وسياسية هائلة أهلته لأن يكون دولة داخل الدولة في لبنان وربما دولة خارجها أيضا بعد أن طور الحزب من استراتيجياته للتدخل في دول الجوار إذا ما أحس بأن وجوده بات في خطر تماما مثلما حصل ويحصل في سوريا.

واليوم، وبعد 30 عاما من التدخّل الإيراني في لبنان، وبعد مرور حوالي 14 عاما على انتهاء الحرب الأهلية، يبدو لبنان، الذي يشهد اضطرابا سياسيا داخليا، مقبلا على صراع جديد أصله في سوريا وفرعه في لبنان.

7