تفخيخ مصر من الخارج

الاثنين 2015/05/25

إذا كان النظام المصري قد نجح في تجاوز مجموعة من العقبات وتطبيع علاقاته الخارجية مع قوى دولية مؤثرة، فإن الأيام والأسابيع الماضية شهدت محاولات جديدة لتفخيخ علاقاته مع قوى إقليمية ودولية، انطلاقا مـن توظيف قضايا حقوقية وسياسية معينة، والضغط على جراح قديمة، لتلقي بصديدها ومخلفاتها على الحكومة المصرية.

وقد جرى نثر الغبار حول عدد من القضايا ذات الأبعاد الخارجية، من قبل جهات لها مصالح سياسية، في استمرار إرباك النظام المصري، وإغراقه في تفاصيل وملفات يمكن أن تجلب له متاعب كبيرة، بعد أن نجح في تخطي الكثير من الأزمات الداخلية، واقتناع قطاعات واسعة من المواطنين بالانحياز إليه، وعدم تصديق الخطابات المناهضة.

لذلك طفت على السطح أخيرا ثلاث قضايا أساسية، لم يكن التركيز عليها وليد صدفة، بل جاء نتيجة اختيار بعناية فائقة، لأن تلغيمها وتفجيرها وتخريبها يمكن أن يفضي إلى انعكاسات سلبية، قد تعطل مسيرة النظام المصري نحو تحقيق المزيد من الأمن والاستقرار.

القضية الأولي الشائكة، تتعلق بملف الإعدامات المثير للصخب، والتي أصدرتها محاكم مصرية بحق عدد من قيادات وكوادر جماعة الإخوان المسلمين، بينهم الرئيس المعزول محمد مرسي، وقد شهد جملة كبيرة من المغالطات، وحوله الاهتمام والتركيز إلى ملف يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، وتمت إشاعة أجواء من التشكيك في القضاء المصري، لقطع الطريق على تثبيت الأحكام السابقة، ومحاولة منع إصدار أحكام لاحقة، لأن هناك المئات من المنتمين للإخوان وجماعات إسلامية متشددة ينتظرون نصيبهم من المحاكمات.

في الوقت الذي تم فيه تسليط الأضواء على الأحكام بوصفها “ظالمة” تجاهل الجميع عمليات استهداف القضاة، والتي وصلت إلى حد إعدامهم فعلا رميا بالرصاص، وليس افتراضا كما هو حاصل مع قيادات الإخوان، بغرض الضغط على الدول الغربية لوقف تطبيع علاقاتها مع القاهرة، وقد بالغت تركيا وقطر مثلا في الاهتمام بمسلسل الإعدامات، وضخمت الكثير من وسائل الإعلام في كلتيهما حجم الاعتراضات والتظاهرات، حتى بدا حكم الإعدام كأنه عقوبة سهلة وعادية في المحاكم المصرية.

هذا الملف كاد أن يتسبب في أزمة دبلوماسية بين مصر وألمانيا، كان من المخطط لها أن ترخي بظلالها القاتمة على عدد من الدول الأوروبية، بعد إدانة رئيس “البوندستاغ” إحالة أوراق الرئيس المعزول للمفتي، تمهيدا للحكم بإعدامه.

القضية الثانية، تخص قيام بعض الدوائر السياسية بفتح ملف واحة جغبوب التي تقع حاليا ضمن الحدود الليبية، والحديث عن مصريتها تاريخيا، ودون الدخول في تفاصيل النزاع للسيطرة على هذه الواحة بين البلدين، لكن تعمد الإشارة إليها في الوقت الراهن لم يكن بريئا، من قبل الجهات التي وقفت وراء محاولة تفجيره، حيث أرادت خلق فتنة بين النظام المصري والحكومة والبرلمان والجيش في ليبيا، ودق إسفين في العلاقة القوية التي تربط بين الجانبين.

الحديث عن هذه الواحة الآن، يرمي إلى تأليب الشعب على النظام الشرعي في ليبيا، وتصوير علاقته الجيدة بمصر في الوقت الحالي على أنها تنطوي على خيانة سياسية، لأنها سوف تؤدي إلى ما يوصف بالتنازل والإقرار بمصرية واحة جغبوب، خاصة أنها تقع في شـرق ليبيـا، التي تمثل منطقة نفـوذ رئيسية للحكومة الراهنة، ولتبـرئة ساحتهـا وتأكيـد وطنيتهـا من الممكن أن تضطر إلى الدخول في تفاصيل جانبية، حصيلتهـا تـؤدي إلـى فتنـة مع القـاهرة، تقود إلى توتير العلاقـات، ووضع عراقيل جديدة أمام مصر في ليبيا، تحول دون مشاركة الأولى مباشرة في آليات التسـوية المنتظرة للأزمة المتفاقمة في الثانية.

القضية الثالثة، تمس العلاقات مع السودان، فقد بدأت بعض القوى السياسية، مستفيدة من سيطرتها على عدد من وسائل الإعلام، محاولات لتفجير ملف مثلث حلايب وشلاتين، وتوجيه اتهامات للرئيس السوداني عمر البشير، والإمعان في ذكر انتقادات لاذعة لنظامه، في وقت وصلت فيه العلاقات بين القاهرة والخرطوم إلى درجة متقدمة.

وهنا بيت القصيد، حيث يهدف التحريض إلى جر وسائل الإعلام السودانية للرد على ما يمكن تسميته بـ“الاستفزازات المصرية”، والعودة إلى سيناريوهات الحرب الكلامية، التي يمكن أن تفرمل التقدم الحاصل في العلاقات بين البلدين، والذي على صلة مباشرة بقضايا إقليمية ذات أهمية إستراتيجية بالنسبة إلى مصر، فالخرطوم لعبت دورا جيدا في تقريب المسافات بين القاهرة وأديس أبابا خلال الفترة الماضية.

الواضح أن من يقفون وراء إثارة هذه النوعية من الزوابع، هما فريقان متنافران في الظاهر، لكن تجمعهما جملة من الأهداف السياسية في الباطن، ففريق الإخوان المسلمين لا يتوانى عن السعي وراء اصطياد أي قضية يمكن أن تسبب متاعب لنظام الرئيس عبدالفتاح السيسي، وتحاول الجماعة إيهام الرأي العام في الداخل والخارج أن هذا النظام ليس مستقرا، وتتعمد نشر شائعات حوله، أملا في إرباكه سياسيا، ولشحذ الروح المعنوية التي بدأت تفتر لدى أنصار الجماعة، وتوصيل لرسالة تطمين زائفة بأن الحكم في مصر غير آمن، ومن الضروري الاستمرار في السمع والطاعة لقيادات الجماعة خلف أسوار السجون، وعدم التهاون في عمليات العنف لتأكيد الصمود السياسي.

الفريق الثاني، الذي يهمه عدم استقرار الأوضاع في مصر، ينتمي إلى بقايا نظام حسني مبارك الأسبق، ورغم التأييد الذي يبديه أنصار هذا الفريق للرئيس المصري، غير أن أفراده غير مطمئنين تماما لنواياه خلال الفترة القادمة، لذلك لا يريدون أن تتوافر له جميع أنواع الأمان السياسي، لكنهم أيضا من المؤكد ليس من مصلحتهم توسيع نطاق المتاعب، بما يمنح جماعة الإخوان الفرصة لإحراز أهداف سياسية فات أوانها.

محاولات تلغيم الأجواء الخارجية قد تفضي إلى إثارة بعض القلق، لكنها لن تؤدي إلى تحقيق أغراض أصحابها في حدوث انفجار مدوّ يعرقل مسيرة النظام المصري، لأن العلاقات بين الدولة تحكمها حزمة كبيرة من المصالح، تتجاوز الحسابات الضيقة للألعاب النارية.

كاتب مصري

9