تفريط جمال عبدالناصر في السودان خرافة منتهية الصلاحية

إفلاس الإسلاميين في مصر يدفعهم إلى نبش التاريخ لإحياء عقدة الوحدة من جديد.
الثلاثاء 2019/08/20
السودان للسودانين فقط

مع تدشين السودان مرحلة سياسة جديدة غداة توقيع اتفاق تاريخي بين المجلس العسكري والحركة الاحتجاجية، بهدف بدء مرحلة انتقالية مدّتها ثلاث سنوات تنقل البلاد إلى حكم مدني، يعود البعض إلى ذاكرة البلد خاصة في ما يخصّ علاقته التاريخية بالجارة مصر، وهناك من يلوم أو يتهم جمال عبدالناصر خاصة من التيار الإسلامي، بتسهيله عملية انفصال السودان عن مصر في عام 1956، في بكائيات ساذجة تسيء أساسا لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، كما تسيء للعلاقات القوية بين الشعبين، التي ظلت متماسكة دون إجبار الشعوب على وحدة قسرية.

تنكشف العورات الفكرية لمدّعي مناصرة الشعوب في تقرير مصيرها كلّما ذُكر السودان، فيصوّبون السهام إلى صدر جمال عبدالناصر، جزاء وفاقا على خرافة تفريطه في السودان، ومنحه الاستقلال عن مصر. ويشارك في هذا الادعاء المتهافت مراهقون من محدثي الوعي السياسي لا يعرفون عن السودان إلا أن عاصمته الخرطوم، وإسلاميون طيبون منهم قاتل متقاعد أُحبه وأصدق حُسْن توبته، هو ناجح إبراهيم الذي كتب في صحيفة المصري اليوم، في 2 أغسطس 2019، مقالا عنوانه “ثورة 23 يوليو ماذا لو لم تحدث؟!”، مستعرضا بكائيات ساذجة، مفترضا أن الثورة لو لم تقع لصار الوضع الاقتصادي لمصر “أفضل مما نحن فيه”، وأن “الثوار استلموا مملكة تضم مصر والسودان، ومات عنها ناصر دون السودان وسيناء”.

لم يرتفع صوت الإسلاميين في قضية استقلال جنوب السودان، لأنها تزامنت مع الهوس بما سمّي تطبيق الشريعة الإسلامية، منذ 1983، على يد الرئيس السابق جعفر النميري الذي أشعل نيران الحرب الأهلية، وخُلع عام 1985. وجرى الاستفتاء على استقلال الجنوب تحت حكم العقيد عمر البشير، وقد حصّنه رفع راية الشريعة من قيام مظاهرات في عموم السودان لرفض الاستقلال الذي تم عام 2011.

اتهام عبدالناصر

جمال عبدالناصر وجعفر النميري
جمال عبدالناصر وجعفر النميري

لا تصح مقارنة مصر والسودان من جهة، باليمن الشمالي والجنوبي، أو بالسودان كوحدة جغرافية قبل استقلال الجنوب. في كتاب الواثق كمير “جون قرنق.. رؤيته للسودان الجديد” (2005) ذكر قرنق زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان أن عجائب الدنيا ليست سبعا، ففي السودان عجيبة ثامنة، “رجل معتوه اسمه حسن الترابي” يرى العالم على هواه. وتساءل قرنق “هل يمكن لأي مسلم أن يكون فخورا بشريعة نميري؟”.

وقال إن السودان همّش جنوبه منذ الاستقلال عام 1956، وإن قرنق والجنوبيين يفتقدون “هذه الأمة ـ الدولة” في السودان، وإن “مهمتنا، وواجبنا، أن نخلق سودانا ننتسب له كلنا، رابطة اجتماعية سياسية ننتمي إليها جميعا ونُدين لها بالولاء الكامل بغض النظر عن العرق أو الدين أو القبيلة: وهو ما سيطلق عليه سلفا كير في وقت لاحق الوحدة الجاذبة.

فكيف يصدق البعض الصفة الرمزية لفاروق الأول “ملك مصر والسودان”، وهو العاجز عن حكم قصر عابدين؟ ففي 4 فبراير 1942 حاصرت القوات البريطانية قصر عابدين، وكاد “ملك مصر والسودان” يفقد عرشه، لولا رضوخه لأمر السفير البريطاني مايلز لامبسون بأن يشكّل مصطفى النحاس الوزارة، لكي تضمن بريطانيا خلال الحرب العظمى أن تكون للحكومة قاعدة شعبية بوجود النحاس الذي أنقذ عرش “ملك مصر والسودان”. فما علاقة فاروق والمصريين عموما بالسودان، لكي يتباكى الواهمون بتفريط مصر
عبدالناصر في السودان وتسهيل انفصاله عن مصر؟ المعادلة هنا استعلائية تستنسخ مفهوم الاحتلال، مع فقدان القدرة على تنفيذه ودفع تكاليفه، في ظل الاحتلال البريطاني لمصر، وللسودان بالطبع.

الحذر، واستعلاء البعض من المصريين على فهم الجار السوداني، لا يمنع الواهمين أن يطالبوا ببقاء السودان في وحدة قسرية مع مصر. ويصرّون على أن عزل نجيب كان سببا في "انفصال" السودان، وكأن هذا البلد الكبير من الممتلكات المصرية

 يتهمون عبدالناصر بالتفريط في السودان زاعمين أن شعبه رغب عن الوحدة مع مصر، ردّا على عزل مجلس قيادة الثورة في مصر للرئيس المعيّن محمد نجيب. وكان نجيب قد ولد ونشأ في السودان، وعاد إليه ضابطا شابا بالكتيبة 17 مشاة بالخرطوم عام 1921.

وهذا الافتراض يسيء إلى ذكاء الشعب السوداني، ويرهن خياره في الاستقلال بهوى لا تقرر الأوطان مصائرها به، أو بصراع في مصر على الحكم لا علاقة للسودانيين به. وينسف هذا الادعاء قول محمد نجيب، في كتابه “كنت رئيسا لمصر”، إنه سافر إلى السودان في 1 مارس 1954 للمرة الأول بعد الثورة، “للمشاركة في احتفالات السودان بافتتاح أول برلمان هناك”، وتوقّع الحفاوة من السودانيين الذين لم يزر بلادهم منذ ثلاثين عاما، وخفق قلبه قبل هبوط الطائرة، ولكنه فوجئ باحتشاد الآلاف في مطار الخرطوم يتظاهرون ويهتفون في وجهه “لا مصري ولا بريطاني.. السودان للسوداني”، وسقط الكاب، فأتوا به إلى نجيب الذي لم يعتبر الهتاف “معاديا، أو مثيرا، فقد كان هذا ما نريده فعلا.. السودان للسوداني.. لا لمصري ولا لبريطاني”. وحاول الحاكم العام البريطاني إقناع نجيب بأنها “مظاهرات خطيرة”، وهتافات معادية “ضد بلدينا”، فأجابه نجيب بأنهم محقون، “فما يقولونه هو الحقيقة”، وأثناء النقاش كان المتظاهرون قد أحاطوا بالقصر.

لرافضي حق الشعوب في تقرير مصيرها، أعود إلى ما كتبه محمد نجيب عام 1943 وهو برتبة “مقدم” في سلاح الحدود. تحت عنوان “ماذا يجري في السودان؟”، وقد سجل فيه “جهل الشعب المصري” بالسودانيين الذين يحيطون بأمور مصر، ويتوافدون عليها طوال العام، في حين “يندر أن يفكر مصري في زيارة السودان أو حتى في قراءة الصحف السودانية لمعرفة أحواله… يأخذون علينا جهلنا بأمور السودان، من لغة ودين ومدنية وجغرافية وتاريخ واجتماع إلى آخره”.

 لكن العزوفين عن زيارة دولة يريدون ارتهانها، وإجبارها على وحدة قهرية مع بلادهم، لكي يتباهى الجالس على العرش في القاهرة بأنه “حاكم مصر والسودان”.

وحدة قسرية مع مصر

Thumbnail

في تقديمه لكتاب “السودان وأهل السودان” تأليف الكاتب المصري يوسف الشريف، يضرب الدكتور حيدر إبراهيم رئيس مركز الدراسات السودانية مثالين دالين يسميهما “معركتيْ الهيكلين”.

في يناير 1926 نشر الدكتور محمد حسين هيكل كتاب “عشرة أيام في السودان” أغضب السودانيين، حتى أن المؤرخ محمد عبدالرحيم ردّ عليه بكتاب عنوانه “النداء في دفع الافتراء”.

وبعد ثورة أكتوبر 1964، زار رئيس تحرير صحيفة الأهرام محمد حسنين هيكل السودان، وكتب مقالا عنوانه “ثم ماذا بعد السودان؟”، رآه السودانيون في خضم ثورة شعبية ضد الحكم العسكري “انتقاصا وتبخيسا لقدرات الشعب السوداني. ومن وقتها قرر هيكل الصيام عن تناول الشأن السوداني”.

ويضيف أن “المصريين هم الأقرب من السودان جغرافيّا، ولكنهم ـ للأسف ـ الأبعد في فهم السودانيين ثقافيا ونفسيا واجتماعيا”، على العكس مما كتبه وصوّره الأجانب من مراجع مهمة، ولم يذكر منها كتاب ونستون تشرشل “حرب النهر” الذي صدرت ترجمته في القاهرة بعنوان “تاريخ الثورة المهدية والاحتلال البريطاني للسودان”.

 رئيس مركز الدراسات السودانية يؤكد أيضا أن لدى الشعبين المصري والسوداني حساسية خاصة تجعل كليهما يحجم عن التدخل في شؤون جاره، “يعني أن الحذر من الجانبين، ومن هنا يأتي سوء الفهم أو عدم الرغبة في الفهم”.

 ولكن الحذر، واستعلاء البعض من المصريين على فهم الجار السوداني، لا يمنع الواهمين أن يطالبوا ببقاء السودان في وحدة قسرية مع مصر. ويصرّون على أن عزل نجيب كان سببا في “انفصال” السودان، وكأن هذا البلد الكبير من الممتلكات المصرية.

6