تفشي ظاهرة غسيل الأموال يهدد مستقبل الاقتصاد التونسي

أكد خبراء تونسيون لـ”العرب” أن تونس تعاني من ظاهرة غسيل الأموال التي انتشرت بشكل مقلق منذ سنوات حكم الترويكا التي قادتها حركة النهضة وأشاروا إلى أن استغلال شبكات محلية ودولية لأموال قذرة في عمليات مالية مشبوهة قد يفاقم أزمات البلاد الاقتصادية والمالية.
الخميس 2017/08/10
رقابة مضنية للتحويلات المالية المشبوهة

أعطى تقرير حديث صادر عن اللجنة التونسية للتحاليل المالية صورة مفزعة للقطاعات التي يعتقد أنها بيئة مناسبة للعمليات المالية المشبوهة، والتي تكبد تونس خسائر سنوية تقدر بأكثر من مليار دولار، وفق البنك الدولي.

وكشف التقرير، الذي بدأت في إعداده اللجنة بالتعاون مع وزراتي الداخلية والعدل في 2014، أن مستوى المخاطر المنجرة عن غسيل الأموال “مرتفع نسبيا” وذلك وفق قائمة تهديدات تصدرها الفساد والتهرب الجمركي والتهرب الضريبي والجرائم الإلكترونية.

وللمرة الأولى منذ سنوات يتم الكشف عن معلومات من هذا النوع، وهو ما يعتبر خطوة إيجابية تحسب للحكومة التي أطلقت قبل أشهر حربا على الفساد ضمن استراتيجية بعيدة المدى لإنقاذ اقتصاد البلاد المتعثر.

وتتصدر قرصنة الحسابات البنكية وبطاقات الائتمان المصرفية تلك المخاطر التي تشكل تهديدا حقيقيا بالنسبة للقطاع المالي والاقتصادي التونسي الهش، بحسب خبراء شاركوا في إعداد التقرير.

وأوضحوا أن تجارة العملة في السوق السوداء وتحويلات الجمعيات الخيرية وشركات التجارة الدولية غير المقيمة، إلى جانب قطاعي العقارات والذهب من بين القطاعات ذات المخاطر المرتفعة.

ويعزو الخبراء ذلك إلى سهولة الدخول فيها بعيدا عن مراقبة الدولة رغم التدابير الاحترازية التي اتخذتها تونس.

وقام الخبراء في مجال مكافحة الجرائم المالية بتحليل لأكثر من 460 ملفا يتعلق بغسيل الأموال وتمويل الإرهاب ونحو ألفي حساب بنكي مشبوه والآلاف من العمليات البنكية من إيداع وسحب وتحويل فاقت قيمتها 10 مليارات دينار (نحو 4 مليارات دولار).

لجنة التحاليل المالية: ارتفاع مستوى المخاطر الناتجة عن تفشي ظاهرة غسيل الأموال

وطالت عملية التقييم التي أشرف على تنفيذها خبراء من اللجنة التونسية للتحاليل المالية والبنك المركزي وقضاة ومسؤولون في جهازي الأمن والجمارك، أكثر من 150 جهة في القطاعين العام والخاص.

ويعتبر القطاع البنكي من القطاعات المعرضة لمخاطر مرتفعة في مجال غسل الأموال، مما يتطلب من البنوك دعم الموارد البشرية المكلفة بالمراقبة، علاوة على وضع برامج تدريبية متطورة ودعمها بالوسائل التكنولوجية والأنظمة التقنية المتطورة.

ويأتي هذا التقييم في إطار التزامات تونس بتوصية مجموعة العمل المالي الدولية التي تطلب من الدول تحديد وتقييم مخاطرها المتصلة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب واتباع استراتيجية لتحديد المخاطر ومن ثم توجيه موارد نحو القطاعات ذات المخاطر العالية لخفضها.

ويقول التقرير إنه رغم وجود ترسانة متماسكة من القوانين في هذا المضمار، إلا أن هناك ضعفا في ما يتعلق بالتنفيذ، وهو ما يطرح العديد من التساؤلات بشأن إرادة الدولة في دعم اقتصاد البلاد من خلال التصدي لهذه الظاهرة المستفحلة.

ويتجسد ذلك الخلل في نقص فهم العاملين بمختلف القطاعات لمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب وضعف فعالية الإجراءات والممارسات الخاصة بالرقابة وتأخر تطبيق العقوبات الإدارية من قبل الأجهزة الرقابية والهيئات التعديلية.

ومن الواضح أن محدودية مستوى التنسيق بين الأطراف المتداخلة وضعف القدرات التحليلية لدى عدة جهات، فضلا عن غياب إدارة رقابية مختصة في هذا الجانب، تعيق كثيرا مكافحة غسل الأموال.

وقالت الخبيرة القانونية هندة اللواتي لـ”العرب” إن “غياب البيانات الدقيقة المتعلقة بعمليات غسيل الأموال وتأخر صدور أحكام قضائية ضد مرتكبي تلك الجرائم يتسببان في إرباك خطط الحكومة”.

وأشارت اللواتي، وهي محامية لدى المحكمة الابتدائية في ولاية بن عروس، إلى أن القضاء على هذه الآفة يحتاج إلى إرادة سياسية بما أن هناك أرضية قانونية صلبة تخول لها القيام بذلك.

ورغم أن تونس من أبرز الدول العربية، التي لديها قانون يكافح جرائم غسل الأموال، وهو صادر منذ 2003، لكن هناك مؤشرات تؤكد أن تنامي هذه الجرائم تزايد بشكل لافت منذ يناير 2011.

1 مليار دولار خسائر تونس سنويا بسبب غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وفق البنك الدولي

ودعمت تونس من ترسانتها القانونية في أواخر يوليو 2015 في أعقاب مصادقة البرلمان على مشروع قانون لمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال بعد نحو شهرين من هجوم إرهابي استهدف منتجعا سياحيا في مدينة سوسة أدى إلى مقتل 38 سائحا معظمهم بريطانيون.

ويعتقد الاستشاري الاقتصادي، أنيس القاسمي، أن مكافحة جرائم غسيل الأموال أمر معقد وهو يتطلب جهودا كبيرة حتى يتمكن اقتصاد البلاد من التعافي لا سيما وأنها تمر بأزمة مالية حادة.

وقال لـ”العرب” إن “التجارة الموازية تمثل نصف الاقتصاد التونسي وهي من بين المخاطر التي تفتح الباب على مصراعيه أمام استفحال جرائم غسيل الأموال رغم جهود الدولة للحد من التهريب”.

وتعد تونس أول بلد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي حددت ذاتيا تهديدات جرائم غسيل الأموال ونقاط ضعف منظومتها ووضعت لكل القطاعات المالية وغير المالية استراتيجية لمراقبتها.

واحتلت تونس العام الماضي، المركز 129 على مؤشر بازل للحوكمة والمتعلق بمكافحة غسيل من بين 149 دولة شملها التصنيف.

10