تفضلي يا ست.. العلامة التجارية لسوق النسوان في دمشق

النساء يحرصن على زيارة السوق دائما ويشترين في المناسبات، والتجار ينتظرون عودة السياح العرب والأجانب.
السبت 2019/03/23
كل ما تحتاجينه للبيت

تشكل الأسواق القديمة المغطاة أحد أبرز معالم دمشق القديمة، إضافة إلى معالمها الدينية والتاريخية البارزة الأخرى، حيث تتجمع هذه التحف النادرة في بقعة صغيرة من الأرض يستطيع الزائر أن يجوبها في فترة واحدة قصيرة، لكن ما يثير الانتباه سوق يكاد زبائنها يكونون من النساء فقط، حتى سمّيت “سوق النسوان”.

دمشق – “تفضلي يا خانم… تفضلي يا ست” هي العبارات اللافتة التي يرددها التجار في سوق الحرير التي يقع مدخلها في آخر سوق الحميدية بالقرب من الجامع الأموي، وسميت بتسميات عديدة منها سوق “تفضلي يا ست” أو “سوق النسوان”. يقول التاجر أبوعبدو “يطلق عليها سوق النسوان لأنها تحتوي على كل ما تحتاج إليه النساء من لباس وماكياج وعطور وأدوات لهن ولمنازلهن، فهي تضم كافة أنواع الأقمشة الدمشقية العريقة”.

لا عمر محددا للمنادي، والهدف هو كيف يلفت السيدات والشابات ممن يعبرن أمام العشرات من المحال، ليدخلن هذا المحل أو ذاك المنافس له بحثا عما يلزمهن أو للفرجة فقط ومتابعة البضائع الجديدة.

سوق النسوان تسمى أيضا سوق الجمرك، حيث كانت في الماضي خانا لجمركة البضائع التي تدخلها القوافل التجارية إلى دمشق وتحوّلت في ما بعد إلى سوق تجارية تميزت باحتوائها الأقمشة النسائية وأدوات الخياطة إلى جانب أقمشة الداماسكينو والأغباني والبروكار الفاخرة التي ذاعت شهرتها الواسعة في أرجاء العالم.

وتعتبر هذه السوق من أقدم الأسواق في مدينة دمشق القديمة، حيث يعود تاريخها إلى العهد الروماني.

يقول الباحث حسن الصواف عن سوق “الحرير” أو سوق النسوان، “إن جادة سوق الحرير عبارة عن سوق ضيقة مسقوفة بساتر هرمي، جدد بناء السقف من التوتياء، ويمتد من الطرف الشرقي إلى سوق الحميدية عند أعمدة جوبيتر إلى سوق القلبقجية المؤدية إلى سوق الخياطين باتجاه شمالي جنوبي، فيما كانت التسمية القديمة للموقع باب بريد، وله تسمية أخرى هي الطواقين”.

أما السوق الموجودة اليوم فقد تم تجديدها من قبل والي دمشق العثماني درويش باشا في النصف الثاني من القرن السادس عشر، فهدم المحال التجارية القديمة، وجدد بناءها ووسع الطريق ورفع السقف، لكن لا يزال من الممكن رؤية الحجارة الرومانية التي استخدمت في بناء هذه السوق الأثرية.

أقمشة دمشقية بسمعة عالمية
أقمشة دمشقية بسمعة عالمية

وبقيت السوق محافظة على طابعها القديم، إلا أن بعض التجار حرصوا على مواكبة الموضة من خلال افتتاح محال للألبسة الجاهزة ومحال لأحدث الإكسسوارات وأدوات الزينة والمستحضرات التجميلية ومستلزماتها.

وهناك أيضا محلات مختصة في بيع التمائم مثل تعويذة أصابع الكف المفتوحة التي يعلقها سكان دمشق في بيوتهم وتُكتب فيها عبارات مثل “عين الحاسد تبلى بالعمى” أو “الحسود لا يسود”، كما تباع الخرزة الزرقاء التي تطرد الحسد.

ويضع السوريون هذه التمائم في ثياب الأطفال لحمايتهم من الأذى، كما انتشرت ظاهرة تعليقها في السيارات لحمايتها من الحوادث وكل مكروه.

وفي محاولة لاستقطاب السيدات يقول نبيل عابدين صاحب محل في السوق لوكالة الأنباء السورية (سانا)، “يعمل التجار على دعوتهن إلى الشراء والاطلاع على البضاعة المعروضة من خلال عبارات محببة تجذبهن لدخول المحلات مثل ‘شرفينا يا ست’ أو ‘تفضلي يا ست’ التي باتت أحد أسماء السوق في ما بعد”.

نادرا ما تجد في هذه السوق غير النساء ومن مختلف الأعمار يتسوقن من محلاتها التي تخصصت في كل ما له علاقة بحاجات النساء، تقول أم رامي أثناء زيارتها للسوق “منذ أن كنا صغارا كانت والدتي تأخذنا أنا وأختي معها أثناء شراء الأقمشة خصوصا إذا كانت هناك مناسبة احتفالية مثل الأعراس، وكانت تشتري ما يعجبها من الأنواع الكثيرة الموجودة في السوق وتخيطها بنفسها لحضور العرس”.

وفي بدايات القرن الماضي كان من النادر أن تذهب النساء إلى الأسواق وإن ذهبن يكن خلف أزواجهن أو أبنائهن أو أخواتهن بخطوتين أو ثلاث لوجود اعتقاد في أنه لا يجوز للمرأة أن تسير بجوار الرجل أو تتقدم عليه، لكن اليوم اختلفت الأوضاع وصارت النساء هن زبائن محلات هذه السوق، كما يقول التاجر أبوعبدو.

وتضيف أم رامي أنها “بعد أن كبرت وتزوجت داومت على شراء الأقمشة الممتازة من هذه السوق لأنها تجد فيها كل ما تريده للتحضير للمناسبات وهي اليوم تصطحب ابنتها معها لتختار بنفسها لون ونوع القماش الذي تحبه”.

أما السيدة أم أحمد التي تمتهن مهنة الخياطة فتقول إنها “اعتادت على زيارة السوق لشراء كل ما يلزمها من الأقمشة ومستلزماتها”، مضيفة “أمتهن مهنة الخياطة للسيدات والصديقات المقربات مني إلا أنهن يعتمدن على ذوقي في شراء الزينة الخاصة بالفستان، إضافة إلى البطانات الجيدة التي أجدها في هذه السوق، ولا مانع في أن ألقي نظرة عميقة على الأنواع الجديدة من الأقمشة التي وصلت حديثاً إلى السوق”.

تفضلي ياخانم
تفضلي ياخانم

وتعرف النساء في دمشق بالمقايضة عند الشراء والإلحاح على التخفيض، حتى أن البعض من التجار كانوا يثنون على الزبائن العرب والسياح، لأنهم وإن تعلموا المقايضة هم أيضا فإنهم أقل إلحاحا من السوريات، كما يقول التاجر أبوعبدو الذي تعلم كيف يسايرهن لأنهن من زبائنه الدائمين.

ويشير أبوعبدو إلى أن الإقبال على شراء الأقمشة تراجع مع ظهور الألبسة الجاهزة منخفضة التكاليف مقارنة مع الأقمشة التي تحتاج إلى خياطة وتفصيل ومستلزمات وأجور عمل وقد لا تلبي الذوق المطلوب، لكنه يأمل أن تنتعش تجارته في فصلي الربيع والصيف حيث تكثر الأفراح والأعراس.

ويضيف “أعمل في السوق منذ سنوات ودخلي فيها يزداد خلال فترات معينة وخاصة مع اقتراب مناسبات الأعياد والأفراح، حيث تقبل النساء على اقتناء ما يحتجن إليه في هذه المناسبات”.

ويختم حديثه قائلا “يبقى لهذه السوق سحرها الذي ينبثق من حجارتها القديمة وجدرانها العتيقة ورائحتها الفريدة التي يصل عبيرها حتى نهاية السوق”.

وتقول أم عادل “ابني سيتزوج قريبا، ونقوم بشراء بعض الحاجيات المناسبة للعروس”، متمنية أن يتحسن الوضع الاقتصادي في البلاد لتنخفض الأسعار ويصبح السوريون قادرين على شراء مستلزماتهم.

ويشير أحد التجار إلى أن المواطنين كانوا يأتون للسوق من أجل التجول فقط بسبب الغلاء، أما اليوم فالوضع مختلف قليلا، فالناس يتشجعون ويشترون ولكن ليس كما كان الحال قبل الأزمة، مؤكدا أن كل التجار ينتظرون عودة السياح العرب والأجانب على حد سواء.

وحرصا على تراث السوق القديمة عملت اللجنة المختصة فيها بالتعاون مع أصحاب المحال على إجراء أعمال ترميم وصيانة لبعض أجزائها كأرضيتها وسقفها بما يضمن الحفاظ على طابعها الأصيل وروحها الحضارية.

وأخذت بعض هذه الأسواق القديمة في دمشق اسمها من المهنة التي يمتهنها الناس فيها، مثل سوق الحدادين وسوق الخياطين، أو المنتج الذي يباع فيها كسوق الحرير، أو من ولاة دمشق كسوق مدحت باشا وسوق مردم بك، لتبقى شاهدة على تاريخ كبير يذخر بالعراقة والحضارة عبر العصور.

17