تفعيل اتحاد المغرب العربي يصطدم بتعقيدات السياسة وتوازن المصالح

الأحد 2014/05/11
وزراء خارجية دول الاتحاد الخمس (المغرب، موريتانيا، ليبيا، الجزائر، تونس)

تونس - أجمع وزراء خارجية دول اتحاد المغرب العربي خلال افتتاح الدورة 32 لمجلس وزراء خارجية الاتحاد على ضرورة تكثيف الجهود من أجل إخراج الاتحاد من حالة الجمود التي يعيشها، بعد مرور ربع قرن على إنشاء هذا التكتل الإقليمي، وتعثر انعقاد أية قمة مغاربية منذ سنة 1994.

عاد ملف إحياء اتحاد المغرب العربي وتفعيل مؤسساته إلى واجهة الأحداث ليستأثر بقدر متزايد من الاهتمام السياسي والإعلامي في المنطقة، على ضوء الدورة 32 لمجلس وزراء خارجية الدول المغاربية الخمس التي بدأت أعمالها يوم الجمعة الماضي في العاصمة المغربية الرباط.

وذكرت وزارة الخارجية المغربية أن جدول أعمال هذه الدورة يتضمن بحث ومناقشة جملة من المواضيع، منها تعزيز التعاون الأمني المغاربي، والوضع في منطقة الساحل والصحراء، والحوار المغاربي الأوروبي، والحوار المغاربي الأميركي، والاندماج المغاربي.

وتأسس اتحاد المغرب العربي في السابع عشر من فبراير 1989 بمدينة مراكش المغربية، وهو يتألف من خمس دول هي تونس والمغرب والجزائر وليبيا وموريتانيا. غير أن مسيرة هذا الاتحاد تعطلت منذ العام 1994، حيث لم يتمكن من عقد قمة لرؤساء دوله بسبب الخلافات بين الدول الأعضاء وبشكل خاص الخلاف المغربي- الجزائري حول الصحراء.

ولم تفلح الاتّصالات المكثفة التي شهدتها العواصم المغاربية منذ عام 1994 في تجاوز هذه الخلافات، وعقد قمة لقادة دول الاتحاد، رغم تأكيد كافة العواصم المغاربية على أنها تعتبر الاتحاد المغاربي “خيارا استراتيجيا”.

نسبة المبادلات التجارية بين الدول المغاربية ضعيفة حيث لا تتجاوز حاليا 4 بالمئة من مجموع المبادلات مع الخارج

ويرى مراقبون أن هذه الدورة الجديدة لمجلس وزراء خارجية الدول المغاربية تأتي في ظروف وُصفت بـ”الدقيقة” تعيشها الدول المغاربية الخمس على الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية، ومع ذلك تغيّبت عنها الجزائر.

ولم توضح السلطات الجزائرية سبب تغيب وزير خارجيتها رمطان لعمامرة عن أعمال هذه الدورة، واكتفت بالإشارة إلى أن عبدالحميد سنوسي بريكسي الأمين العام لوزارة الخارجية الذي شارك في أعمال الدورة الـ49 للجنة المتابعة المغاربية التي بدأت أعمالها أول أمس، هو الذي سيُمثلها في اجتماع وزراء الخارجية.

وكان التونسي الحبيب بن يحيى، الأمين العام لاتحاد المغرب العربي، قد افتتح أعمال الدورة 49 للجنة المتابعة بكلمة اعتبر فيها أن الظروف الدقيقة التي تشهدها المنطقة “تحتم على الدول المغاربية مزيدا من التعاون وتعميق الحوار والتشاور، وتعزيز العمل المغاربي المشترك في مختلف المجالات”.

وشدد بن يحيى على أن الاندماج الإقليمي أصبح اليوم “الحل الأنجع والسبيل الأسرع لمواجهة التحديات المتشعبة التي تواجهها الدول المغاربية، والتي لا يمكن لأية دولة بمفردها أن تجد الحلول الناجعة لها”، على حد تعبيره.

ودعا المشاركون في هذه الدورة التي اندرجت في إطار التحضير لاجتماعات مجلس وزراء خارجية الدول المغاربية إلى تضافر الجهود من أجل إحياء اتحاد المغرب العربي وتفعيل هياكله، لمواجهة التحديات في المنطقة، على ضوء التهديدات المتزايدة لظاهرة الإرهاب، والجريمة المنظمة العابرة للحدود.

وتتطلع الأوساط السياسية المغاربية إلى أن تُساهم هذه الدعوات، وما رافقها من تصريحات متفائلة في تجاوز العقبات التي عطلت مسيرة الاتحاد المغاربي، والمضي قدما نحو تفعيل هياكله ومؤسساته لما فيه مصلحة الشعوب المغاربية.

ويُجمع المتابعون لمسيرة الاتحاد المغاربي على أن استمرار تأخير تفعيل مؤسسات اتحاد المغرب العربي له كلفة باهظة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، ذلك أن عدم بروز تكتل مغاربي قويّ ومتماسك يحد من قدرة الدول المغاربية على مواجهة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، كما أن عدم اندماجها يضعف قدرتها التفاوضية مع بقية التكتلات الأخرى.

ويُفوت غياب الاندماج الاقتصادي المغاربي على دول المنطقة فرصة نمو سنوي في حدود 2 بالمئة، إلى جانب بقاء نسبة المبادلات التجارية بين الدول المغاربية ضعيفة حيث لا تتجاوز حاليا 4 بالمئة من مجموع المبادلات مع الخارج.

يُجمع المتابعون لمسيرة الاتحاد المغاربي على أنّ استمرار تأخير تفعيل مؤسسات الاتحاد له كلفة باهظة على الصعيدين السياسي والاقتصادي

غير أن المتابعين للشأن المغاربي يعتقدون أن النوايا الحسنة المُعلن عنها وما رافقها من خطوات عملية لإحياء الاتحاد المغاربي، تبقى رهينة توفر إرادة قوية لتجاوز العقبة الرئيسية، أي ملف الصحراء بتعقيداته السياسية والأمنية التي تشعبت بامتدادات إقليمية وأخرى دولية.

ويذهب المراقبون إلى القول إن هذا الملف الذي يحظى باهتمام دولي خاصة من أميركا وفرنسا وإسبانيا إلى جانب طرفي الصراع أي المغرب والجزائر، بالإضافة إلى موريتانيا ودول الاتحاد الأفريقي، يصعب القفز عليه أو تجاهله لأنه مفتاح المدخل الرئيسي لإحياء المغرب العربي.

وبالنظر إلى التباين الواضح بين موقفي المغرب والجزائر، لا يمكن التفاؤل بإمكانية تحريك هذا الملف الذي لايزال طيلة السنوات الماضية عصيا عن الحل، وبالتالي تبقى النوايا الحسنة التي برزت على هامش اجتماعات الرباط معلقة في الهواء، لأن المسألة معقدة ومتشابكة ولن تتمكن من تفادي الاصطدام بألغام السياسة وتوازن المصالح.

2