تفكك الأسرة ينتج تحولات نوعية في تركيبة المجتمع الإيراني

السكن الفردي والزواج دون أطفال من الظواهر الاجتماعية التي اقترنت بنمط العيش العصري في الدول الغربية لكنها لم ترق إلى أن تكون من الظواهر البارزة في المجتمعات المسلمة (حتى في تلك التي تبدو أكثر انفتاحا)، إلا أنها سرعان ما بدأت في الانتشار بقوة داخل المجتمع الإيراني لأسباب عديدة أهمها فشل السياسات الاجتماعية في تحسين مستوى عيش الفرد والأسرة ومعالجة المشاكل الاجتماعية.
الأربعاء 2016/01/06
طفل وحيد وقد نعجز عن إعالته

طهران- ما يجعل السكن الفردي والزواج دون أطفال من الظواهر اللافتة والمستغرب وجودها في الأسر الإيرانية، هو أنها تعيش في كنف نظام يعرّف نفسه بأنه جمهوري إسلامي، وهو ما يفرض عليه أن يكون من أكثر الأنظمة التي تقدس الروابط الأسرية وتسهر على تماسك العائلة وتصون الأفراد وفقا لطبيعتها المحافظة في العيش بمنأى عن الأسرة أو ترفض بناء أسرة وإنجاب الأبناء وفقا لمبادئ الإسلام التي تكرس تماسك الأسر وحماية الأبناء.

وكان مدير عام مكتب “إحصاء وعد السكان” في دائرة النفوس الايرانية علي أكبر محزون قد أعلن عن انتشار ظواهر جديدة في الأسر الإيرانية المعاصرة، ومن أبرزها نمط السكن الفردي والزواج دون أطفال.

علي أكبر محزون أضاف أن انخفاض معدل الزواج ظل مستمرا في السنوات الماضية، ورغم الارتفاع الطفيف الذي سجلته حالات الزواج في الأشهر الأولى من العام 2015، إلا أن ذلك لم يستمر لأسباب كثيرة وهو ما تأكد في شهر نوفمبر 2015 عندما أعلن مكتب إحصاء وعدّ السكان في دائرة النفوس الإيرانية أن معدلات الزواج للأشهر السبعة الأولى من العام 2015 انخفضت بنسبة 3 بالمئة في حين ارتفع معدل الطلاق بنسبة 1 بالمئة.

وأفاد مكتب إحصاء وعدّ السكان في دائرة النفوس الإيرانية بأنه تم تسجيل 437.205 حالة زواج منذ مطلع العام حتى أول شهر نوفمبر مسجلا نسبة انخفاض 3 بالمئة مقارنة بعام 2014، بالإضافة إلى تسجيل 90.070 حالة طلاق أي بارتفاع بنسبة 1 بالمئة.

وأضاف مكتب الإحصاء أن المستوى العمري للطلاق في صفوف الرجال يتراوح بين 30 و34 سنة، فيما يتراوح هذا المستوى في صفوف النساء بين 25 و29 سنة. وهذه الأرقام تأتي تأكيدا لنتائج العديد من الدراسات التي دقت ناقوس الخطر من الاختلال الذي بدأ يهز المجتمع الإيراني بعد تصاعد نسب العزوبية ونسب العزوف عن الزواج وكذلك ارتفاع نسب الطلاق، وهي نتائج تعكس تدهور الوضع المعيشي إجمالا بسبب بطالة الشباب وانتشار الفقر والخصاصة وتأزم الوضع الاقتصادي وغلاء المعيشة.

وأكد محزوني أن إحصائيات الجهاز المركزي تشير إلى تحول نوعي في تركيبة المجتمع الإيراني، حيث تبيّن أن 61 بالمئة من العائلات الإيرانية تتكون من (زوج وزوجة وولد)، في حين أن 14.6 بالمئة من العائلات تعيش في شكل ثنائي دون أطفال (زوج وزوجة) لتبقى نسبة ضئيلة تقدر بـ3.8 بالمئة من العائلات تعيش ضمن أسر كبيرة (تضم عدة أجيال).

المواطن الإيراني لم يعد قادرا ماديا على تلبية متطلبات أسرة كبيرة الحجم

إلى ذلك فإن الشباب الإيراني إما أن يكون عاجزا عن الزواج أو أنه في حال مكنته وضعيته الاجتماعية والمهنية من الزواج، فإن غالبيته تختار إما إنجاب طفل واحد أو تعزف عن الإنجاب نهائيا لإدراكها أنها لا يمكن أن توفر لأبنائها ضروريات العيش الكريم في ظل غلاء أسعار الخدمات والمواد الاستهلاكية والغذائية وغلاء المساكن والإيجار مقابل انخفاض مستمر للموازنات الاقتصادية التي أدت إلى انتشار الفقر وارتفاع معدل الاحتياج.

كما أشار المدير العام لمكتب إحصاء وعدّ السكان في دائرة النفوس الإيرانية إلى أن معدل العائلات التي تضم زوجين دون أطفال ارتفع في السنوات الأخيرة في حين انخفض معدل العائلات التي تعيش على شكل أسر كبيرة من نسبة 10 بالمئة إلى أقل من 4 بالمئة. ما مفاده أن المواطن الإيراني أو رب الأسرة لم يعد قادرا ماديا على تلبية متطلبات أسرة كبيرة الحجم، وهو ما يعكس تفككا للأسر الكبيرة وتشتتها.

العديد من الدراسات دقت ناقوس خطر بسبب الاختلال الذي بدأ يهز المجتمع الإيراني، بعد تصاعد نسب العزوبية

كما لفت مدير عام مكتب إحصاء وعدّ السكان في دائرة النفوس الإيرانية إلى أنه وفقا للإحصائيات الأخيرة، فإن معدل العائلات التي تتكون من شخص واحد ارتفعت في السنوات الأخيرة من نسبة 5.2 عام 2006 إلى نسبة 7.1 في آخر إحصائية لعام 2015.

ونوه محزون إلى ارتفاع نسب العائلات التي تفقد أحد الوالدين بسبب الطلاق أو الوفاة أو أسباب أخرى، مضيفا أن نسبة النساء المعيلات لعوائلهن تصل إلى 2.5 مليون امرأة.

جدير بالإشارة أن أوضاع الأسرة في إيران تزداد سوءا يوما بعد يوم، وهو ما تترجمه دراسة وإحصاء معدلات الزواج والطلاق والعزوف عن الزواج والإنجاب واختيار إنجاب طفل واحد وغيرها من الظواهر التي أدت إلى تفكك العائلة ورفع نسب السكن الفردي الذي ما يزال من الظواهر المسكوت عنها من قبل الحكومة، وهو ما ينبئ كذلك بنشأة تحولات اجتماعية عميقة وسط غفلة وإهمال السلطات الإيرانية التي لا تعير اهتماما للبحث عن الحلول الجذرية والمناسبة لتطوير المجتمع وتحسين أحوال الفرد والأسرة.

وبدل أن تركز السلطات الإيرانية اهتمامها على تحسين ظروف المعيشة لتدعم ترابط العائلة وبناء الأسرة التي تعد النواة الأولى لمجتمع متوازن فإنها تمضي في تجاهلها لمختلف الظواهر الإجتماعية التي تقف حائلا أمام تطور المجتمع الإيراني.

12