تفكيك التفكيك

الأربعاء 2013/08/14

يرى كارل دويتش أن الإعلام السياسي يساهم مساهمة فاعلة في تقليل احتمالات الخطأ في اتخاذ القرارات السياسية لأن المفترض فيه أن يكون إعلاماً هادفاً حسب ماكنير براون. هذه هي الصورة المثالية للإعلام السياسي والتي يحاول المخلصون لهذه المفاهيم أن يقوموا بها لصالح الأمن القومي لأوطانهم وأهدافه الاستراتيجية بعيدة المدى من خلال ما يتميز به من قدرة على التأثير والتغيير. إلا أن جولة في وسائل التواصل الاجتماعي وتحديداً (التويتر) تكشف عن كم لا بأس به ممن ذيلوا معرّفاتهم بأستاذ الإعلام السياسي ويمارسون عكس ما يمليه عليهم تخصصهم في معارضة لأسس هذا النوع من العمل الإعلامي.

اللافت للنظر أن أحدهم ركز جهده على صرف الانتباه عن الحقائق التي تصب في مصلحة الوطن والعمل على إخفائها بمختلف وسائل الإعلام التضليلي من اجتزاء في نقل المعلومة، أو نقلها عن حدث معين في ظرف زمني أو مكاني معين وإسقاطها على حدث آخر أو توقيت ومكان آخرين. المتتبع لمثل هذه العينة من العاملين في الحقل الإعلامي الأكاديمي يجد أن جميع الرسائل بلا مبالغة تصبّ في مصلحة جهات أخرى تعمل سراً وعلانية لتقويض دعائم وطنه. ومن الملاحظ أن هذه العينة المختارة والمشهورة في فضاء التويتر بـ (المفك) تعمل على صناعة فرد شاذّ عن التوجه الوطني يتصف بضيق الإدراك السياسي والاستعداد السلوكي المغاير للنسق السياسي القومي، وذلك بإكسابه تصورات وآراء جديدة مبتورة عن السياق العام للحراك السياسي والاجتماعي والأمني في المنطقة بشكل عام وفي الوطن بشكل خاص. يمكن للمتابع المحايد أن يختار ما شاء من الرسائل الموجهة من العينة المختارة في وسمه الذي أسماه تفكيك الخطاب المتصهين ليفاجأ بأنها تتصف بأمرين رئيسين.

الأمر الأول أنها موجهة نحو أجهزة معينة ركزت جهودها على خلخلة الفكر الإرهابي دون تحفظات وتعاملت مع الأحداث الإرهابية بتجرد كامل خال من العاطفة وركزت في خطابها على مخاطبة عقل المتلقي.

والأمر الثاني أن رسائل ذلك الأكاديمي خالية من أي توجيه بالانتماء والولاء الوطني وهو ما يخالف أحد أهم أهداف الإعلام السياسي الذي يسعى إلى خلق هذا الولاء والانتماء. وهذا يشير بوضوح إلى أن تفكيك التفكيك سيجعلنا أمام شخصية ليست فقط تمارس ما يتعارض مع مفهوم الإعلام السياسي وهدفه الذي يزعم أنه مجال تغريداته، بل انحرفت إلى الدعاية السوداء ضد الإعلام التنموي بأجهزته المختلفة بهدف واحد يتمثل في هز الثقة في تلك الأجهزة، لأن سياستها الإعلامية تتعارض مع مصالح مجموعات أو جهة ما تدير تلك الشخصية «التويترية» وتوجهها. وعادة ما تتصف تلك الرسائل بتضخيم القصور البشري المعتاد في العمل الإعلامي وتحويل سياسات الجهاز المستهدف عن أهدافه الفعلية إلى أهداف مُتخيلة تصفها تلك الشخصية بالتصهين.

المشكلة التي تواجه الشخصية المستهدفة، اعتبارية كانت أو فعلية، تبدأ عندما تنساق رموز مجتمعية معروفة «مع أو ضد»، مع انتفاء القصدية عند البعض منهم، خاصة إذا كانت هذه الرموز ذات تأثير على المجتمع أو من قادة الرأي فيه. وتزداد المشكلة تعقيداً حينما يتم استخدام وسائل تشكيل الرأي العام الظاهرة وغير الظاهرة من شبكات اجتماعية وإعلام رقمي أو بث الشائعات.

وليس أدل على ذلك من مساهمة الكثير من متابعي العينة المختارة أو من يتفق معه في التشغيب على قرار منع جمع التبرعات بغير الطرق النظامية، كمثال لحالة من مجموعة كبيرة من الحالات. هذه المشاركة نابعة من اهتزاز الثقة ليس فقط في جهاز إعلامي بعينه، بل اتسعت عدم الثقة حتى شملت الرسائل الموجهة من منظومة الأجهزة الرسمية والأجهزة شبه الرسمية، لأن ضرب جهاز يملك هامشاً أكبر من الحرية يعني تلقائياً سقوط أي رسالة إعلامية موجهة للرأي العام من الأجهزة الرسمية التي لا تملك ذلك الهامش أساساً. وبالتالي يصبح توجيه الرأي العام للثقة في حملة تبرعات رسمية، توجيهاً غير موثوق به مما يعني سهولة اختراق الرسالة وعدم الاستجابة للتوجيه.

السؤال الذي قد يثيره المتلقي المحايد هو لماذا لا يمكن لمتابعيه اكتشاف أهدافه الفعلية خاصة وأن الذكاء لا ينقصهم؟ خاصة وأن تناقضات تلك الشخصية لا تكاد تُحصى فهو في رسائله الدائمة لإثبات تصهين أهدافه لا يُشير إطلاقاً إلى الممارسات والعلاقات التي تربط جهازه الإعلامي المفضل أو الدولة التي تستضيفها بالصهاينة كالعلاقات التجارية أو الزيارات المتبادلة، أو تخصيص مساحات لعرض وجهة نظر الكيان الصهيوني، أو زيارات مسؤولي الدولة الراعية والكيان الصهيوني، أو تملك بعض مسؤولي تلك الدولة لأراض وقصور في دولة الكيان، أو القواعد العسكرية التي لا تبعد سوى أمتار عن جهازه الإعلامي المفضل، إضافة إلى الممارسات المتناقضة للشخصية «التويترية» ذاتها ولعل آخرها تقديم الشكر لجون ماكين وهو الشخص الذي قال ذات يوم أن الأمر لو كان بيده لهدم الكعبة. السؤال الآخر: ما هو السبب خلف ما يقوم به من دعاية سوداء؟ وأترك إجابته لذكاء القارئ.

9