تفكيك غوغل

أكبر مسؤولين في غوغل يحذران من الفوضى التي ستعم العالم وتدمر العلاقات بين الدول والشركات، إن لم توجد قيادة مسؤولة وقوانين تلزم التعامل عبر العصر الرقمي. ألا يحمل ذلك رسالة إلى الاتحاد الأوروبي على اعتبار غوغل الملجأ الذي لا غنى عنه للمجتمع العالمي برمته؟
السبت 2018/03/31
تفكيك غوغل إلى شركات أصغر خيار يجب أن يبقى مطروحا

تلك فكرة ستالينية بامتياز يلجأ إليها الاتحاد الأوروبي اليوم، بعد أن أبدى “شكوكا خطيرة” إزاء السيطرة التكنولوجية لمحرك البحث العملاق غوغل، ولم يستبعد تفكيك الشركة التي باتت تضع المعلومات عند أطراف الأصابع.

تهديد مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون المنافسة، مارغريت فيستاغر، بتفكيك غوغل إلى شركات أصغر، باعتباره خيارا يجب أن يبقى مطروحا، وفقا لصحيفة تليغراف البريطانية، يبدو موقفا سياسيا في مجتمع رقمي يسود العالم. وإن عبارة جوزيف ستالين التي أخبر الكتّاب السوفييت بها ذات مرة، وجدت صدى لها في تحذير مفوضة الاتحاد الأوروبي!

فقد حث ستالين الكتاب على أن يصبحوا “مهندسين للأرواح البشرية” على اعتبار أن القوة الأيديولوجية لها أهمية أكبر من القوة العسكرية، وها هو الاتحاد الأوروبي يرى في غوغل موضع تهديد سياسي له وقوة تنذر بالخطر في انتهاك سيادة الدول.

من المهم استعادة المواقف السابقة للاتحاد حيال شركة غوغل، على اعتبار أنها متواصلة وفق قواعد جديدة للاتحاد الأوروبي بشأن الممارسات التجارية، بعد أن فرضت غرامة بلغت 2.4 مليار دولار، على محرك البحث وطلبت التوقف عن محاباة خدمتها الإعلانية.

هناك شعور سياسي لدى الدول أن المجتمع الرقمي يهدد سيادتها، الأفضل هنا استخدام سطوتها، فهذه الدول ليست محبة عطوفة للديمقراطية عندما يتعلق الأمر بقبضتها.

لا يمكن تجاهل أن غوغل كان أكبر المستفيدين مما قامت به شبكة الإنترنت في حقل الإعلانات، بعد أن سحبها من الصحافة المطبوعة. لكنه أيضا مثال للديمقراطية التي قام من أجلها الاتحاد الأوروبي، كما نصت مبادئ الاتحاد على ذلك.

هناك شعور سياسي لدى الدول أن المجتمع الرقمي يهدد سيادتها، الأفضل هنا استخدام سطوتها، فهذه الدول ليست محبة عطوفة للديمقراطية عندما يتعلق الأمر بقبضتها.

لقد أصبح غوغل بمثابة دولة رقمية قائمة وبلا حدود، فيما تتصاعد الأسئلة عما إذا كان محرك البحث العملاق يخضع للمساءلة من شعبه المكون من مليارات المستخدمين.

الآن البيانات الشخصية تعتبر مثل غبار الذهب، ونحن نستسلم لها في كل مرة نوافق فيها على شروط وأحكام موقع إلكتروني على الإنترنت. الدول تريد مثل هذه البيانات بيدها وحدها لا أن تبقي أمنها تحت رحمة شركات موزعة بين القارات.

سبق وأن عرض مشاركون في مؤتمر عقد بإحدى ضواحي العاصمة البريطانية لندن التحديات المتعلقة بالبيانات التي تنتجها أجهزتنا وإمكانية أن يجري تنظيم هذا التدفق. ووجدوا أن الأخلاقيات والسيطرة المحيطة بالاستخدام المتزايد للبيانات تعتبران فوضى حقيقية في عالم المُلكية. وعدوا النقاش العام حول كيف ينبغي جمع وتخزين تلك الكميات الضخمة من المعلومات ومن ثم مراجعتها واستغلالها، أمرا ملحا.

إلا أن جاريد كوهين مدير التخطيط في شركة غوغل رفض أن تحل التكنولوجيا محل الحكومات.

وقال كوهين في إجابة على أسئلة قراء صحيفة الغارديان البريطانية بعد صدور كتابه المشترك مع المدير التنفيذي لشركة غوغل إريك شميدت “العصر الرقمي الجديد: إعادة تشكيل مستقبل الناس والأمم والأعمال” إن الثورات في المستقبل ستكون أسهل مما مضى بفضل التواصل التكنولوجي، لكن لا يمكن أن تحل التكنولوجيا محل قادة البلاد في تسيير الأمور، بل تكون الدولة بحاجة إلى مؤسسات، وقد يستغرق الأمر سنوات.

لا يخفي متن هذا الكتاب القلق من انحراف العصر الرقمي وخشية أن يدار بلا قيادة مسؤولة. لكنه يؤكد على أهمية وجود اليد البشرية التوجيهية في إدارة الدولة الافتراضية الرقمية.

فكوهين سياسي تمرس بقواعد الجغرافيا السياسية أثناء عمله لسنوات كخبير رقمي في وزارة الخارجية الأميركية في عهد الوزيرتين كوندوليزا رايس وهيلاري كلينتون، وانتقل في سبتمبر 2010 إلى شركة غوغل كمدير للتخطيط.

أكبر مسؤولين في غوغل يحذران من الفوضى التي ستعم العالم وتدمر العلاقات بين الدول والشركات، إن لم توجد قيادة مسؤولة وقوانين تلزم التعامل عبر العصر الرقمي. ألا يحمل ذلك رسالة إلى الاتحاد الأوروبي على اعتبار غوغل الملجأ الذي لا غنى عنه للمجتمع العالمي برمته؟ من دون تجاهل أن المخاطر المرافقة لشبكة الإنترنت باعتبارها أكبر تجربة تنطوي على تغيير التاريخ، قد تودي بالعلاقات القائمة بين الدول والشعوب.

لذلك يطالب شميدت وكوهين دول العالم بتوثيق علاقاتها مع محرك البحث غوغل من أجل مستقبلها ومصالحها الأمنية.

 المتحكمون بسيرفرات غوغل يدركون أن التقنيات الحديثة تقوم على تغيير الطريقة التي نعيش بها، ومحكوم علينا بالخضوع إليها في إدارة شؤون حياتنا وأعمالنا.

في مؤتمر “مستقبل الأخبار” الذي نظمته صحيفة فايننشيال تايمز في نيويورك الأسبوع الماضي، طالبت كامبل براون، رئيسة الشراكات الإخبارية في فيسبوك، بتحمل مسؤولية تقع على عاتقنا جميعا تتلخص بالاعتراف بأن هذا هو العالم الذي ندخل إليه، متوقعة تطورات أسوأ مما يحدث اليوم بقولها إن “التكنولوجيا أصبحت متطورة لدرجة أنه سيكون هناك فيديو على الأرجح بحلول انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2020 لن تتمكن فيه من معرفة ما إذا كان المتحدث سياسيا حقيقيا أم سياسيا مزيفا”.

يدرك المتحكمون بسيرفرات غوغل أن التقنيات الحديثة تقوم على تغيير الطريقة التي نعيش بها، ومحكوم علينا بالخضوع إليها في إدارة شؤون حياتنا وأعمالنا.

ويفسرا مؤلفا كتاب “العصر الرقمي الجديد: إعادة تشكيل مستقبل الناس والأمم والأعمال” كيف أن التكنولوجيا محايدة، والإنسان هو من يستخدمها لأغراض جيدة أو سيئة، يمكن أن تكون لها عواقب مؤذية.

وعبر الكاتبان بصفتهما يشتركان في صنع قرار محرك البحث العملاق عن عدم خشيتهما من مساهمة غوغل في حل المشكلات الأمنية العالمية المستعصية على الدول والحكومات.

مثل هذا الكلام لا يقنع ريتشارد ثيمي الكاتب في أثر التقنيات الجديدة على المجتمع، عندما يقول “صناعتنا برمتها قائمة على التواري والغموض… وما لدينا هو شيء محطم في أساسه… فكتابة الشفرات هي خيار الإنسان الساذج، لذلك كيف يمكننا استخدام كلمة أمن عندما لا نعني ذلك؟”.

وعلى جانب آخر يتساءل جون ثورنهيل الكاتب في صحيفة فايننشيال تايمز: ما الذي يمكن فعله أيضا لإيقاف مزيد من هذا الانزلاق نحو عالم رقمي مختل؟ اليوم الإنترنت تعد أداة تكنولوجية لثني العقول، لديها من القوة المطلقة ما لا يقاس بقوة المطبعة. وغوغل الطريق الأسرع للوصول إلى أعماق شبكة متباعدة وزاخرة بمعلومات وبيانات تفوق العقل البشري وأكبر بكثير من حاجة العالم، ومستمرة في توليد وخزن المعلومات.

من الصعب على غوغل أن يعيد اختراع نفسه دون أن يقضي على أنموذج أعماله المدفوع بالإعلانات.

يقول جون ثورنهيل: الحقيقة موجودة أصلا في مكان ما. السؤال: هل نريد العثور عليها؟ هذا ربما يقتضي إعادة هندسة للأرواح البشرية على نحو مختلف عما كان يريده ستالين.

18