تفكيك معضلة المفاوضات الأفغانية: طالبان ليست القاعدة

توضيح الفوارق الجوهرية بين حركة التمرد المحلية والتنظيم الجهادي يضع أفغانستان على طريق السلام.
الخميس 2018/12/20
حركة تمرد محلية يمكن فتح نافذة للحوار معها

الحديث عن مفاوضات سلام بين طالبان والحكومة الأفغانية، ليس بالأمر الجديد، وهو أمر سعت إليه أطراف دولية كثيرة، بدءا من الولايات المتحدة، مرورا بروسيا وقطر وغيرها من الدول التي إما عرضت أن تكون وسيطا، وإما اخترقت طالبان، على غرار إيران، من أجل إبقاء جذوة الفوضى مشتعلة.

لكن في كل مرة كانت المفاوضات تنتهي بطريق مسدود. ومؤخرا، ظهر باب آخر بعث ببعض التفاؤل المشوب بالحذر، في تحقيق اختراق في هذا الملف المعقد، مع قرار نقل مقر الاجتماعات بين طالبان والحكومة الأفغانية من الدوحة إلى أبوظبي.

ولا ينفصل الحديث عن آمال إنهاء الصراع في أفغانستان بعد دخول الإمارات والسعودية على خط الوساطة والمفاوضات التي انخرطت فيها حركة طالبان، عن التحرر من تدخل أطراف مثلت عائقا رئيسيا أمام حسم النزاع والتوصل لتسويات بين فرقائه المحليين لفترة طويلة.

وتكشف مشاركة طالبان في إنجاح عملية سلام يعقبها إسهام في استقرار الأوضاع بأفغانستان عبر المشاركة في الانتخابات والسلطة، بقية التنظيمات والكيانات الأيديولوجية المسلحة النشطة في أفغانستان، بإظهارها بمفردها كغريبة عن هذا المشهد وساعية لتقويضه.

وعندما تنخرط الحركة الدينية الرئيسية ذات البعد المحلي في عملية سياسية، تصبح مسؤولة مع الفرقاء المحليين، وبدعم من الرعاة الساعين لإحداث نقلة حقيقية في أفغانستان نحو الاستقرار، عن إحداث تغيير جذري في التعاطي مع التنظيمات المتطرفة العابرة للدول، وجرى توظيفها طوال السنوات الماضية لتحقيق مآرب قوى خارجية وليس لمصلحة الأمن والبناء في أفغانستان.

ويؤثر التطور السياسي الجديد في توازنات القوى الإقليمية والدولية من جهة تحجيم أدوار دول دعمت تنظيمات عابرة للحدود في الساحة الأفغانية، الأمر الذي فاقم دورة العنف في البلاد وأعاق تحول الأطراف المحلية لتحقيق السلام.

ويعكس فشل التوصل لتسويات بأفغانستان طوال أعوام مضت برعاية ووساطات قطرية استحالة الجمع بين مصالح جماعات عابرة للدول لها أهداف أممية مع مصالح حركات نضال محلي، وإن تشابهت أفكارهم وسعى البعض لتحقيق أهدافه باستخدام العنف.

وترتبط الآمال المعقودة على المساعي الإماراتية والسعودية بهذا الشأن في الأساس بمعاكسة مسار قوى ودول ناورت بلعب أدوار السلام كي لا يتحقق فتصبح تنظيماتها في الداخل الأفغاني، خاصة تنظيم القاعدة، بلا قيمة ومن ثم تخسر نفوذها.

وتستشعر بعض الدول العربية والإسلامية المسؤولية حيال تطوير حضور ومساهمات الإسلام السني، ليس لتعزيز السلفية الجهادية والإسلام السياسي العابر للحدود على طريقة قطر وإيران وتركيا، بغرض خلق بيئة حاضة للأيديولوجيا والمذهبية وتعزيز النفوذ والتوسع، إنما للوصول لمستوى تمثيل وطني للكيانات المحلية، من شأنه طرد الثنائيات الطائفية المتصارعة وتحقيق الاستقرار والسلام.

تناقض المنطلقات

Thumbnail

يعود تصور نجاح الإمارات في تفكيك المعضلة التي أعجزت آخرين إلى الفوارق الجوهرية بين عواقب الخلط والتشبيك الذي أصر عليه وسطاء سابقون بين القاعدة وطالبان لتحقيق أهدافهم، مقابل نتائج تحرير الحالة الأفغانية من ممارسات تنظيمات دخيلة، تحمل أيديولوجيات وأهدافا وتصورات وتحالفات مثلت عبئا ثقيلا على الواقع الأفغاني المنهك.

وتجسدت مأساة أفغانستان الحقيقية في التدخلات الخارجية التي ولدت من الحرب معارك متعاقبة وأعاقت تحقق السلام، عندما تشكل جيل جديد من التكفيريين المسلحين اكتسب المهارات العسكرية وتبلورت رؤيته الأيديولوجية، الأمر الذي أطمع بعض الدول صاحبة المصالح في رهن الوضع في أفغانستان لمشاريع فتح البلدان وغزوها دينيا، بعدما انتشرت فروع القاعدة في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا وشرقها حتى ربوع أوروبا.

ويكمن الفارق الجوهري بين طالبان، وتنظيم القاعدة، الذي تأسس في فبراير 1998 في اجتماع عقد بمعسكر خوست وقندهار وضم رموز وممثلي شبكة أسامة بن لادن من باكستان وكشمير وبنغلاديش ومصر، في هدف الجهاد ضمن إطار “الحرب ضد اليهود والصليبيين في العالم في أي زمان وأينما وجدوا”.

في حين يقتصر نشاط طالبان على الداخل المحلي وتلتزم الحركة بكونها جماعة محلية، ولا تنحصر توجهات تنظيم القاعدة في نطاق دولة واحدة، إنما تمتد لتشمل كل بلاد العالم لخوض حرب وجودية مقدسة بين المسلمين والكفار من اليهود والصليبيين، وفق ما ذكره بن لادن في البيان التأسيسي، عندما أوضح أن المعركة بين المؤمنين والعالم الصليبي وليست فقط بين تنظيم القاعدة والعالم الصليبي.

ووسع تنظيم القاعدة نطاق المواجهة لتصبح شاملة زمانيا ومكانيا في حرب مفتوحة لا أفق لها ولا نهاية، وأوهم زعماؤه أعضاءه بفرضية الانتصار فيها بإعادة تقسيم العالم إلى فسطاطي كفر وإيمان متحاربين وبتنزيل النصوص الدينية الخاصة بحروب المسلمين الأولى على الواقع المعاش، علاوة على استحضار النصر الذي حققه المجاهدون على الاتحاد السوفييتي، الذي أتاح لقادة القاعدة فرصة ترويج مزاعم تكراره ضد أي قوة عظمى أخرى في العالم.

ونتج عن هذا فارق جوهري آخر يتمثل في أن القاعدة يخوض حروبا مفتوحة لا تنتهي، دون مدى زمني ودون أهداف محددة إنما لتحقيق تصورات إطلاقية غير واقعية، بينما تخوض حركة طالبان صراعات مؤقتة لتحقيق أهداف سياسية محددة، الأمر الذي يجعلها توقف القتال متى تحققت أهدافها ومطالبها السياسية.

تبني العمل السياسي

ترتبط حركة طالبان بجغرافيا أفغانستان وحدودها، بينما يهدف تنظيم القاعدة إلى إقامة خلافة عالمية، وعندما سنحت له الفرصة لتحقيق هدفه انطلاقا من أفغانستان لم يتردد، ثم أعاد المحاولة عندما أعلن عن تأسيس الدولة الإسلامية في العراق في أكتوبر 2006 تحت زعامة أبومصعب الزرقاوي ثم أبوعمر البغدادي.

ولا تنحصر حدود الدولة المتخيلة داخل العراق أو أفغانستان فحسب، فتنظيم القاعدة يتخذ من بؤرة استراتيجية ما مركزا ومنها يمتد التأثير إلى جميع البلدان والمناطق المحيطة، ولا تقف مطامعه عند حدود منطقة الشرق الأوسط فقط، فقادته الذين تحججوا بطرد الأميركيين من العراق تمهيدا لإخضاع الأنظمة العلمانية المجاورة وضمها لدولة الخلافة، ضربوا أميركا في عقر دارها في سبتمبر 2001 لأهداف أكثر شمولا تتعلق بإخضاع العالم بأسره.

ولتحقيق تلك الأهداف الخيالية نوّع القاعدة في تحالفاته وغيّر من استراتيجياته واستخدم أساليب ومناهج مختلفة، منها الاشتباك في العديد من الصراعات والحروب العرقية والإثنية كما حدث في حرب البوسنة والشيشان، علاوة على التنقل في أكثر من ساحة لتعويض فقدان معسكرات التدريب، والتحول إلى اللامركزية واستغلال الأحداث السياسية والانتفاضات الشعبية والمراوحة بين نظريتي قتال العدو البعيد والعدو القريب.

وفي المقابل ليست لدى حركة طالبان طموحات خارج حدود بلادها أو تطلعات دولية متعلقة بنشر الأيديولوجيا الدينية على المستوى العالمي، لذا لم ترد بخاطر قادتها فكرة النهوض بأدوار استهداف القوى الدولية وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، ولم تدخل في تحالفات سوى على أرضها متى رأت أنها تخدم مصالحها وتعزز موقفها في مواجهة خصومها ومنافسيها المحليين.

تخوض حركة طالبان صراعات مؤقتة لتحقيق أهداف سياسية محددة، الأمر الذي يجعلها توقف القتال متى تحققت أهدافها ومطالبها السياسية

ولم تحمل طالبان السلاح لتحقيق مطامع أو لنشر أيديولوجيا، فقد اضطرتها أوضاع ما بعد انتهاء الحرب من انفلات أمني واضطرابات اجتماعية وما قام به أمراء الحرب السابقون من فرض للإتاوات وابتزاز واغتصاب للنساء واعتداء على الممتلكات، إلى الدفاع عن سكان المناطق التي لا تصلها سيطرة الدولة، ما دعا أحد علماء الدين وأحد قادة الجهاد ضد الاتحاد السوفييتي وهو الملا محمد عمر لجمع طلبة المدارس الدينية الخاصة للقيام بهذه المهمة.

حضور طالبان على خلفية سخط قادتها وأعضائها على الفساد القيمي والأخلاقي الذي تغلغل في أوساط الجهاديين وتركيزها على معاكسة مسار الاقتتال الذي دار بين فصائلهم بداية من العام 1993 والذي أوقع الآلاف من المدنيين، جعلها حركة قريبة من تصحيح الأخطاء والمرونة وتغيير المواقف بحسب الظروف وطبيعة التحديات لتعزيز مواقفها السياسية في أفغانستان.

وفي حين يرفض تنظيم القاعدة آليات العمل السياسي ويتبنى المواجهة المسلحة فقط في تعامله مع الحكومات والأنظمة، تتبنى حركة طالبان العمل السياسي وتستخدم آلياته المتاحة لتحقيق أهدافها وفق طبيعة المرحلة التي تمر بها، وما كان الالتقاء بينهما في فترة من الفترات سوى لانحياز أيديولوجي عاطفي لبعض قادتها، وهو ما سبب الكارثة للحركة، التي يتضح من مواقفها مدى قابليتها للتعلم من الأخطاء وعدم تكرارها.

ولذلك لا تتردد طالبان في التخلي عن أي كيان رغم التقارب الأيديولوجي، إذا تعارض توجهه وممارساته مع مصلحتها، والمثال الأوضح كان موقفها الرافض لتفجيرات 11 سبتمبر 2001 التي تبناها تنظيم القاعدة من وراء ظهر قائد الإمارة التي وفرت له المحضن، تأسيسا على أن طالبان لا ترغب في الانخراط في مسارات خارج حدودها.

وعندما ضغط المجتمع الدولي على الحركة لتسليم أسامة بن لادن وفق قرارات الأمم المتحدة، اتفقت طالبان على نقل بن لادن إلى باكستان التي رفضت تسليمه بحجة عدم ضمان سلامته، الأمر الذي ترك قناعة لدى المراقبين والأطراف المعنية بأن حدود مصالحها الوطنية لا يمكن التضحية بها في سبيل التعاون مع تنظيم القاعدة أو غيره.

اختلاف الأيديولوجيا

Thumbnail

الأساس الأيديولوجي الذي قاد به تنظيم القاعدة مسار عولمة الجهاد وتحريك نشاط الجهاديين في مختلف بلدان العالم تم اقتباسه من تنظيرات عدة مرجعيات للسلفية الجهادية على رأسها عمر عبدالرحمن وعبدالله عزام وسيد إمام ومحمد عبدالسلام فرج، وهي عبارة عن تطوير منوع لأفكار سيد قطب ومناهج جماعة الإخوان، علاوة على التشبع بروح السلفية الأصولية النصية، ويتعلق بكون الجهاد واجب الوقت كفرض عين لإقامة الشرع المعطل من قبل طواغيت يجب قتالهم.

وجاءت حشود المتطوعين إلى الساحة الأفغانية من خلفيات ومذاهب فكرية متنوعة، فحرص قادة ومنظرو القاعدة على توحيد المناهج الأيديولوجية في سياق نمط فكري موحد، عبر تدريس مناهج إلزامية بمعسكرات التدريب، تم إضفاء القداسة عليها بزعم تأليفها وقت الحرب بواسطة علماء مجاهدين حال التطبيق العملي لأيديولوجيا الجهاد.

وتعود الأصول الفكرية لطالبان إلى مدرسة دينية مركزها الهند ويطلق عليها الديوبندية، أشرف على تدريسها شاه ولي الله في القرن السابع عشر الميلادي، وتتشابه تعاليمها مع بعض المدارس السنية، مثل نهضة العلماء في إندونيسيا ومشيخة الأزهر بمصر، وتعتنق المعتقد الأشعري والماتردي وتتبع المذهب الفقهي الحنفي وتنتشر في الهند وباكستان وبنغلاديش وأفغانستان.

وعلى الرغم من تأثر الديوبندية ببعض أفكار ابن تيمية إلا أن معتنقيها تحلوا بالكثير من المرونة والمقدرة على التأقلم السياسي بالنظر لما فيها من تأثر مقابل بالصوفية وبالتقاليد القبلية، لذا لم تخضع طالبان لمناهج القاعدة وفكرها العابر للحدود.

وفرقت تصورات وأفكار القاعدة من جهة، وطالبان من جهة أخرى، بين مسارات وطبيعة حضور ونفوذ كليهما؛ فأسامة بن لادن الذي زعم بأنه قادر على هزيمة الولايات المتحدة وفور إخضاعها ستنهار الحكومات والأنظمة العميلة لها على طريقة الدومينو، يتراجع تنظيمه وسرعان ما يُطرد ويلاحق في أي ساحة يسجل فيها حضوره.

وواصلت طالبان الحرب داخل حدود بلادها. وإن شابت ممارساتها المتشددة الكثير من الأخطاء والتجاوزات، فقد فرضت نفسها كطرف لا يمكن تجاوزه في أي معادلة أو تسوية سياسية مستقبلية، وهي التي تسيطر على ما يقارب الستين بالمئة من مساحة أفغانستان اليوم.

وليس مستغربا أن يصل عدد أعضاء طالبان إلى ثلاثين ألفا بعد بضعة أشهر من تشكيلها في أكتوبر عام 1994 لأنها لم تؤسس للقيام بعدوان خارجي أو بغزو أيديولوجي، إنما نشأت من رحم واقع محلي أوشك على الانهيار في ظل الفوضى الشاملة بعد الحرب.

وصارت حركة طالبان كيانا سياسيا مؤثرا تحرص مختلف القوى على التعاون معه لتحقيق الاستقرار الذي طال انتظاره بأفغانستان، على أمل أن يكون ذلك بداية خطوة نحو طريق لإعادة أفغانستان كبلد طبيعي مثلما كان قبل السبعينات، وترميم الصورة التي صارت مرتبطة بتاريخ ما بعد الحرب على السوفييت وصعود القاعدة وطالبان.

7