تفكيك منظومة احتكار الإعلام المصري بالاعتماد على شخصيات متخصصة

اتفاقيات تعاون مصري – سعودي في مجال الترفيه والإعلام والدراما.
الاثنين 2021/05/31
تغيرات واتفاقيات تستهدف تلبية احتياجات الجمهور

القاهرة - تتسارع التطورات في ملف الإعلام المصري بمختلف أنشطته، الصحافية والتلفزيونية والإعلانية والفنية والدعائية، وذلك بالتزامن مع ظهور وجوه جديدة أصبحت مسؤولة عن إدارة وتطوير وتصحيح مسار المنظومة في الشركة “المتحدة للخدمات الإعلامية” المالكة والمسؤولة عن إدارة أغلب المؤسسات الصحافية والقنوات وشركات الإنتاج في مصر.

وأعلنت “المتحدة للخدمات الإعلامية” خلال مؤتمر صحافي السبت إعادة تشكيل مجلس إدارتها، ليضم شخصيات متخصصة في الاقتصاد والإعلان والدراما والاستثمار والعلاقات العامة، وإنشاء شركة قابضة لإدارة الصحف والمواقع التابعة لـ”المتحدة”.

وشهد التشكيل الجديد لمجلس إدارة الشركة إقصاء رئيسها تامر مرسي من منصبه ليكون عضوا، مع تكليف الخبير المصرفي حسن عبدالله بالمهمة، إلى جانب أربعة آخرين هم محمد السعدي المخضرم في الإنتاج والإخراج، وعمرو الفقي أحد المهيمنين على سوق الإعلانات، وأشرف سلمان وزير الاستثمار الأسبق، والخبير الاقتصادي محمد سمير، ومعهم تامر مرسي مستشارا فنيا.

كما وقعت الشركة مع مجموعة قنوات “أم. بي. سي” السعودية الأحد مذكرات تفاهم للتعاون المشترك في عدة مجالات، بينها تطوير الإعلانات بأحدث التقنيات، ومواجهة القرصنة بتوفير الموارد الفنية والتكنولوجية اللازمة، والشراكة في إنتاج الأعمال الدرامية الكبرى، مع حصول “أم. بي. سي” على حقوق استغلال وتوزيع مصنفات فنية من إنتاج “المتحدة”.

وتستقطب قناتا “أم. بي. سي مصر” و”أم.بي. سي مصر2″ مجموعة من أبرز مقدمي البرامج في مصر، وتحظى بنسبة متابعة عالية وفق تقارير مصرية سابقة.

ويأتي هذا الاتفاق بعد أيام من لقاء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي المستشار تركي آل الشيخ رئيس الهيئة العامة للترفيه في السعودية، وتأكيد الطرفين على الشراكة الاستراتيجية في مجالات عدة، بينها الاستثمار في الترفيه، بالتزامن مع زيارة كرم جبر رئيس مجلس تنظيم الإعلام المصري للسعودية، والاتفاق مع ماجد القصبي وزير الإعلام المكلف بالمملكة على توسيع التعاون الإعلامي بين البلدين خلال الفترة المقبلة.

وأكدت مصادر إعلامية قريبة من إعادة هيكلة الملف، لـ”العرب”، أن الفترة المقبلة ستشهد تغيرات في بعض الوجوه الإعلامية على مستوى البرامج وإدارات الشركات المتداخلة في المنظومة برمتها، وإعداد خارطة برامجية تستهدف بالمقام الأول تلبية احتياجات الجمهور وإقرار سياسة إعلامية ترضي الشارع والترويج لنجاحات الحكومة بشكل عقلاني متزن.

وقالت المصادر ذاتها إن مغادرة خالد صلاح، رئيس تحرير صحيفة وموقع اليوم السابع، منصبَه وتكليفه برئاسة الشركة القابضة للمؤسسات الصحافية التابع للشركة “المتحدة” بدايةٌ لضخ دماء جديدة في شرايين بعض المنابر الإعلامية ولإقناع الجمهور بأن هناك رغبة في التطوير والإصلاح، لأن هناك دوائر حكومية معنية بالإعلام متيقنة من أن تحسين الأداء داخل بعض المؤسسات لن يتحقق مع استمرار نفس الوجوه والسياسات لفترات طويلة.

وتهيمن الشركة “المتحدة للخدمات الإعلامية” على كل ما يظهر على الشاشات أو تبثه الصحف والمواقع الإخبارية التابعة لها منذ عام 2017، سواء أكان ذلك في صورة برنامج أو مسلسل أو إعلان أو مادة تحريرية، واحتكرت المشهد وصارت تحت ملكيتها ثلاث عشرة قناة وعشر صحف ورقية ورقمية، وست محطات إذاعية، وشركتان متخصصتان في الإنتاج والتوزيع السينمائي والدرامي.

وتشكلت آنذاك عقلية إدارية واحدة مسؤولة عن كل الصحف والقنوات والإذاعات وشركات الإنتاج التابعة لـ”المتحدة”، وظلت الرسالة التي تصل إلى الجمهور واحدة ومكررة وتفتقد الحد الأدنى من الاحتراف والابتكار والقدرة على التطوير والمنافسة الإعلامية، وترتبت على ذلك هيمنة الصوت الواحد وعدم تحقيق أهداف الدولة.

قناة إقليمية

أيمن منصور ندا: إصلاح مسار الإعلام في مصر يبدأ بوقف الإملاءات
أيمن منصور ندا: إصلاح مسار الإعلام في مصر يبدأ بوقف الإملاءات

وتراجع تأثير الإعلام المصري محليا وإقليميا خلال السنوات الماضية ووصل إلى مستويات من التدني غير مسبوقة، لعدم القدرة على إنتاج خطاب مقنع ومعتدل، في ظل اقتناع الجهة الوحيدة التي تحتكر المشهد بحتمية استمرار الصوت الواحد، وعدم التغريد خارج السرب، والتركيز فقط على تلميع صورة النظام الحاكم بطريقة غير متقنة وعلى حساب القضايا الجماهيرية.

وأعلنت الشركة “المتحدة” خلال مؤتمرها عن إطلاق قناة فضائية ذات بعد إقليمي من المقرر بدء بثها في الربع الأول من العام المقبل، في خطوة تشير إلى وعي الحكومة بضرورة توصيل صوت مصر عبر قناة فاعلة ومؤثرة، بعد التراجع الملحوظ لدور الإعلام المصري في مخاطبة الخارج واستمراره في التحدث مع نفسه.

وكشف أيمن منصور ندا، الذي أقيل من رئاسة قسم الإذاعة والتلفزيون بكلية الإعلام جامعة القاهرة على خلفية سلسلة المقالات التي طالب فيها بحتمية إنهاء احتكار المشهد الإعلامي، أن “مصر لديها إمكانيات بشرية وفنية هائلة لإطلاق فضائية إقليمية، لكن المشكلة تكمن في الخوف من فرض سياسة تحريرية ضيقة الأفق على برامجها”.

وأوضح لـ”العرب” أن إصلاح مسار الإعلام في مصر يبدأ بوقف الإملاءات التي تعرقل حرية الكلمة وتؤثر على مصداقية الرسالة، لافتا إلى أن تغيير الأشخاص لا يكفي لتطوير المنظومة، بل يتطلب ذلك حرية السياسة الإعلامية والسماح بتعدد الأصوات والمنافسة على أساس مهني وطني يخدم تطلعات الدولة ويلبي احتياجات الجمهور المستهدف من الخطاب الإعلامي.

وتشعر دوائر صناعة القرار السياسي في مصر بخيبة أمل في الواقع الإعلامي المتردي، فرغم هيمنة الشركة “المتحدة” على أغلب الصحف والقنوات والمواقع التي كانت بحوزة رجال أعمال استمرت هجرة شريحة كبيرة من الجمهور لمتابعة منابر خارجية. حتى منسوب الوعي في الشارع ضعف إثر غياب البرامج التي تستهدف توعية الناس وإقناعهم بالإنجازات، مقابل استمرار أخرى لا جدوى منها.

ورأى صفوت العالم، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة القاهرة، أن الهيكلة الإدارية على مستوى رؤوس المنظومة الإعلامية والدرامية والإعلانية بحاجة إلى توسيع الاعتماد على الخبراء الذين بإمكانهم أن يضعوا خطة واقعية قائمة على تحديد المشكلات بحيادية وشفافية وعلاجها، وإقصاء كل الوجوه غير المؤهلة مهما كانت دوائر معارفها.

وأشار في تصريحات لـ”العرب” إلى أن خطوة تفكيك منظومة احتكار المشهد ليتم توزيع الأدوار على شخصيات متخصصة كانت ضرورية، والمطلوب الكف عن الاستمرار في السياسة الإعلامية التي تستفز الناس، وعلى رأسها الدعاية الفجة للسلطة وتجاهل معاناة المواطنين وعدم التوازن في مناقشة القضايا الحيوية وتجاهل الأصوات المختلفة في الرأي.

ويرى مؤيدون لوقف الاحتكار وتوزيع الأدوار على أكثر من عقلية مخضرمة داخل الشركة التي تهيمن على الدراما والإعلام والإعلان، أنها خطوة يمكن البناء عليها لإصلاح مسار المنظومة برمتها من خلال إعادة الهيكلة على المستوى الإداري والتحريري والمادي والفكري كمدخل لوضع قواعد راسخة تحقق أهداف الدولة.

وقالت المصادر ذاتها لـ”العرب” إن الإعلان عن طرح أسهم الكيان المسؤول عن الصحف والقنوات والإنتاج، أي الشركة “المتحدة للخدمات الإعلامية”، في البورصة المصرية مستقبلا يستهدف طمأنة الجمهور المتلقي للرسائل الإعلامية ومنحه الحق في ملكية المنبر الذي يتحدث بلسانه مع رقابته ومحاسبة المقصرين في خدمته، وهذا توجه سياسي يرمي إلى إقناع الرأي العام بأن نوايا إصلاح الإعلام صادقة ونزيهة.

بعد اقتصادي

Thumbnail

ويبني بعض المراقبين للتغيرات التي يشهدها ملف الإعلام مخاوفهم على شقين؛ الأول: إسناد المهمة الأكبر في الإدارة والتطوير لشخصيات اقتصادية قد يعيد إنتاج الماضي عندما اعتمدت الحكومة على داليا خورشيد، وزيرة الاستثمار السابقة، في رئاسة مجموعة إعلام المصريين عام 2017 التي كانت مالكة للصحف والقنوات، وأخفقت في مهمتها ولم تحقق المرجو منها. والشق الثاني: أن يكون الدفع بعقليات استثمارية هدفه رفع العبء الاقتصادي للمؤسسات الصحافية والفضائية عن كاهل الحكومة، واقتصار التطوير على مجرد جلب رؤوس أموال قادرة على انتشال هذه المنابر من عثراتها المادية دون أن تكون لدى هذه الأسماء القدرة الكافية على تطوير المحتوى والهيكلة على المستوى التحريري وتظل الرسالة الإعلامية روتينية دون تغيير.

لكن الكثير من العاملين في المهنة رأوا أن مجرد الفصل بين التمويل والإنتاج والإعلان والشق التحريري للصحف والقنوات سيكون كفيلا بوجود هامش حرية بعيد عن هيمنة الصوت الواحد، لأن من كانوا يتحكمون في الشقين الاقتصادي والإداري استثمروا الفرصة في الجانب التحريري لإملاء التعليمات وتضييق الخناق بشكل قتل المنافسة والابتكار.

وقال محمد (ش)، وهو مسؤول بقطاع الأخبار في إحدى قنوات “المتحدة”، لـ”العرب” إن مهنة الإعلام دفعت فاتورة باهظة بسبب احتكار عقلية واحدة كل شيء، وتعدد الوجوه والتخصصات وتوزيع الأدوار حسب التخصص والخبرة يسهمان في إحداث تغيير جذري لطبيعة الرسالة التي تصل إلى الجمهور، لأن المنظومة تفتقد للعقلية المتخصصة التي تضع الحلول للقطاع المسؤولة عنه.

ولفت إلى أن ضعف التأثير الإعلامي جزء منه استمرار الخسائر المادية لبعض الصحف والقنوات وتسريح عناصر مخضرمة في المهنة بدعوى ترشيد النفقات، وعدم إنتاج برامج ضخمة بشبكة مراسلين في أماكن حيوية، وتوجيه الإنفاق الأكبر ناحية الدراما، والتعويل عليها لتقوم بمهام الإعلام في توصيل الرسائل، وهذا التخبط سببه غياب التخصص على مستوى الإدارة والتخطيط.

18