تفوق أبناء البسطاء يفرض مراجعة السياسة التعليمية في مصر

نتائج الثانوية العامة تسلط الضوء على إهمال الحكومة لمدارس المهمشين.
السبت 2020/08/08
الميزة الأهم القدرة على بذل الجهد تحت ضغط الظروف الصعبة

يتواصل النقاش في مصر حول التعليم في المدارس الخاصة مرتفعة التكاليف ومقارنته بما تقدمه مدارس القطاع العام من خدمات تتأثر بشكل أو آخر بتردي البنية التحتية لهذه المؤسسات الحكومية والمشكلات الكثيرة التي تعاني منها. وعاد الجدل بشكل أقوى في الفترة الأخيرة مع صدور نتائج الثانوية العامة التي أظهرت تفوقا بارزا لأبناء الطبقات المجتمعية البسيطة ذات الدخل المحدود، ما سلط الضوء على ضرورة مراجعة سياسات ومقاربات الحكومة بالاهتمام أكثر بمدارس المهمشين على اعتبار أن الاستثمار في العقول قوام تحسن أوضاع الأسر الفقيرة وارتقاء أبنائها في مسارهم المهني وفي المجتمع وضمان توازن التركيبة المجتمعية.

القاهرة – أظهر اكتساح أبناء البسطاء في مصر نتائج التخرج من الثانوية العامة قبل أيام أن السياسة التعليمية التي تطبقها الحكومة تشوبها الكثير من العيوب، بعدما دأبت خلال الآونة الأخيرة على التعامل مع التعليم كاستثمار من خلال فتح مدارس بتكاليف عالية مقابل إهمال المدارس الرسمية بذريعة أنها تحتاج إلى مبالغ ضخمة لتطويرها دون جدوى.

واعترفت وزارة التربية والتعليم، الثلاثاء، بأن قرابة 88 في المئة من المتفوقين في الثانوية العامة للعام الدراسي الماضي على مستوى كل البلاد من المدارس الحكومية التي يلتحق بها أبناء البسطاء، حيث تصدروا قائمة المتميزين بـ33 مركزا مقابل 6 مراكز فقط لطلاب المدارس الخاصة والدولية التي تشترط عشرات الآلاف من الجنيهات المصرية للالتحاق بها.

وتشير هذه النسبة إلى أن أبناء الكادحين ومتوسطي الحال سوف يكونون سببا في إعادة رسم السياسة التعليمية في مصر. وأكد طارق شوقي وزير التربية والتعليم، خلال مؤتمر إعلان النتائج أن الحكومة قررت أمام هذه المتغيرات الإيجابية إعادة المدارس العامة إلى سابق عهدها في أسرع وقت ممكن، باعتبارها مصنع إنتاج المواهب التي تحتاجها البلاد.

واعتادت أغلب الأسر المصرية التي يتعلم أبناؤها في مدارس توفر التعليم المجاني الاستماع إلى خطاب حكومي تسيطر عليه نبرة الامتعاض من المطالبة بإصلاح المؤسسات التعليمية الرسمية والرد على الانتقادات للسياسة الاستثمارية بنوع من النفور والاستعلاء، حتى أصبحت الحكومة مضطرة للتعايش مع الأمر الواقع ومن ثمة العدول عن موقفها تجاه أبناء الطبقة المهمشة.

وجرى خلال السنوات الأخيرة افتتاح مدارس حكومية ذات طبيعة خاصة لدرجة أنها أصبحت شريكة في مدارس دولية وتشترط دفع تكاليف مرتفعة لقبول الطلاب فيها، في حين تعاني بقية مدارس القطاع العام من ارتفاع الكثافات الطلابية ووصولها لمستويات قياسية بالإضافة إلى انهيار البنية التحتية وتجاهل النقص في أعداد المعلمين ما كرس الشعور الشعبي بأن الحكومة تريد رفع يديها عن مدارسها.

وقال رضا حجازي نائب وزير التربية والتعليم، لـ”العرب”، إن زيادة الاهتمام بالمدارس الحكومية صار ضرورة ملحة لأنها تُثبت كل يوم أنها قادرة على تخريج النوابغ والكفاءات التي تقود البلاد لتحقيق النهضة التنموية، فالتفوق فيها يُولد من رحم الجهد والشقاء والتعلم في ظروف بالغة الصعوبة.

الأسر الفقيرة تبني أحلامها على التفوق الاستثنائي لأبنائها لأنه البوابة الوحيدة لدخولهم جامعات دولية عن طريق المنح

وتتمسك الحكومة بتطبيق استراتيجية خاصة بتطوير التعليم، لكنها تركز الجهود على تنمية العقول دون تحسين البيئة التعليمية نفسها. في المقابل، لا يجد أبناء البسطاء بديلا عن تحمل المتاعب والصعوبات بسبب غياب البدائل حيث أنهم محرومون من أدنى متطلبات الحياة ناهيك عن دفع آلاف الجنيهات من أجل ارتياد مدرسة.

وعكست النشأة الأسرية للكثير من أوائل الثانوية العامة وصولهم إلى قمة التفوق الدراسي في ظروف قاسية، فمن بينهم أبناء مزارعين وحرفيين وأصحاب ورش وموظفين في مؤسسات حكومية برواتب هزيلة ما يعني أن هذه الفئة من الطلاب كان أمامها خيار واحد للهروب من هذا الواقع ومزاحمة أصحاب الخيارات المتعددة من أبناء الطبقة المرفهة.

وتدافع الحكومة عن موقفها بأنها تحتاج مئات المليارات من الجنيهات لإصلاح مدارس القطاع العام ولا تدرك أن الاستثمار في العقول يجب أن يمنح الأولوية في البرامج الحكومية إلى جانب إنجاز المشروعات الكبرى، وأن أي جهود تنموية لا قيمة لها دون قدرات بشرية وأساليب مبتكرة في إدارتها.

وتتمثل أزمة الحكومة المصرية لكونها تساير الطبقة المرفهة في البحث عن مستوى تعليمي أوروبي لأبنائها من أجل الحفاظ على مظهر الوجاهة في المجتمع دون التركيز على جودة مخرجات التعلّم، وتتجاهل في المقابل حاجة وحق أبناء الفئات البسيطة لتجاوز أوضاعهم المعيشية الصعبة والطبقية المجتمعية والانتقال من دوامة الفقر إلى الحياة الكريمة من خلال استثمار التفوق الدراسي والآفاق الجديدة التي يفتحها للعائلة في المستقبل.

وبدأت تتعالى الأصوات المطالبة بحتمية تركيز دوائر صناعة القرار على دعم الطلاب من أبناء الأسر بسيطة الدخل والكف عن تحويل التعلم إلى سلعة تُباع وتُشتري يتم الاستثمار فيها لجني المكاسب المادية، لأن استمرار الواقع الراهن المعتمد على هذه المقاربة يقود إلى اختفاء المواهب ويحل مكانها أصحاب النفوذ المالي والاجتماعي.

وتختلف المدارس الخاصة التي تشارك الحكومة في ملكيتها أو تمتلكها بالكامل بين تجريبية ووطنية ودولية (يابانية أو أوروبية أو أميركية) وجميعها بتكاليف مرتفعة حتى أضحى الشعار العام للتعليم العصري “الدراسة للمقتدرين فقط”، وهو الواقع الذي تضطر العائلات الكادحة للتعايش معه لأن الظروف الحياتية لا تسمح لها بدفع مصاريف المدارس الخاصة.

ولدى غالبية أبناء الأسر البسيطة قناعة راسخة بأن التفوق الدراسي هو الحل الوحيد للوصول إلى قمة الهرم الاجتماعي واعتلاء المناصب الهامة والحيوية، بعيدا عن المال والوجاهة، ومجاورة أبناء الفئات الميسورة في الحقل الجامعي ومن ثم الوظائف القيادية. ويدرك هؤلاء العراقيل التي تعطل مسيرتهم أو تصعبها والناجمة عن عدم الاهتمام بالبيئة التعليمية التي تساعد على تفوقهم.

وتبني الأسر الفقيرة أحلامها على التفوق الاستثنائي لأبنائها على اعتبار أنه البوابة الوحيدة لدخولهم جامعات دولية وخاصة عن طريق المنح المجانية المخصصة للمتفوقين في الثانوية العامة سنويا.

ولأن هذه الجامعات غالبا ما يستحوذ خريجوها على النصيب الأكبر من الوظائف الحكومية والخاصة، وتصل تكاليف التعلم فيها لأرقام فلكية بالنسبة للأسر البسيطة، يكون التميز الدراسي الطريق المجاني للوصول إليها.

وتقول بثينة عبدالرؤوف، الخبيرة التربوية، إن الميزة الأهم عند أبناء الأسر البسيطة هي قدرتهم على بذل الجهد والعطاء تحت ضغط الظروف المعيشية الصعبة، في حين أن الذين نشأوا في جو عائلي هادئ ومترف لدى معظمهم قناعة بأن المال وحده كفيل بضمان المستقبل الآمن تعليميا ووظيفيا.

وأضافت عبدالرؤوف، لـ”العرب”، أن الحرمان المادي يولد عند أبناء الفئات المهمشة حافزا قويا على تغيير الواقع من خلال التحصيل العلمي بأقل الإمكانيات المتاحة من أجل مزاحمة الطبقة التي تظهر في صورة المستحــوذ الأكبر على المناصب والوظائف. وتوضح أنه في المقابل أبناء الطبقة الميسورة يفتقدون الحافز تجاه التفوق الدراسي لأنهم يشترون الوجاهة بالمال.

ويرتبط حافز أبناء المهمشين تجاه حتمية التفوق بمحدودية الإمكانيات المادية لأسرهم التي تمكنهم من دخول كليات خاصة، وبالتالي يضعون الجامعات الحكومية هدفا وحيدا طوال مسيرتهم التعليمية. ويجتهد هؤلاء تحت ضغط قلة الحيلة لأن الوصول إلى الجامعات الجيدة لا يكون إلا بالتحصيل الاستثنائي، وبالتالي إما التميز الدراسي أو انتهاء مسيرة التعليم مبكرا.

وقالت عبدالرؤوف إنه أصبح حتميا أن تتعامل الحكومة مع المدارس الرسمية باعتبارها أساس التعليم لأن عكس ذلك يقود إلى المزيد من الطبقية والظلم والضغط على الأسر البسيطة للتعايش مع ظروف بالغة الصعوبة، ما ينعكس تربويا وفكريا ونفسيا على أبنائهم فقد يصلون إلى مرحلة اليأس والإحباط وعدم القدرة على الابتكار.

وفي حال وصلت الأمور إلى هذه الحالة وصار الاعتماد على المدارس الخاصة والدولية كبديل أفضل عن المدارس الحكومية، فإن ذلك يقود لغياب التوازن المجتمعي بين الفقراء والأغنياء ويفضي لترهل المنظومة التعليمية وإهدار قدرات بشرية هائلة بإقصاء المتفوقين من أبناء البسطاء وبتحول التعليم إلى سلعة تُباع للمقتدرين.

21