تفوق تلميذة تونسية يغيظ أصحاب العقول الداعشية

التلميذة التونسية لاقت تعاطفا واسع النطاق من عدة نشطاء استهجنوا ما تعرّضت له مما اعتبروه دروسا أخلاقوية مصدرها عقول مريضة وحاقدة لم تستطع التخلّص من أدبياتها الإخوانية المتطرفة.
الأربعاء 2019/07/03
تلميذة ذنبها الوحيد تصالحها مع جسدها

بمجرّد ظهور التلميذة التونسية آمنة بالنور صاحبة أعلى معدّل في امتحانات البكالوريا، لكي تروي أدق التفاصيل التي جعلتها تتفوّق أو للحديث عن طموحاتها المستقبلية التي تؤهلها لتكون امرأة فاعلة في المجتمع، انهالت التعليقات الرجعية المتأسلمة التي نصّبت نفسها للنطق باسم الله للتشكيك في سلامة التنشئة الأسرية للتلميذة، لا لشيء إلا لأنها ظهرت رفقة والدها ووالدتها وهي ترتدي لباسا صيفيا متحرّرا. كل هذا الغُلو يميط اللثام عن قُبح وجه الدعششة الفيسبوكية ويكشف التناقض التام لشريحة من المجتمع التونسي الذي تروّج نخبته المثقفة بأنه انتصر للدولة المدنية والحديثة.

 تونس – ظهرت آمنة بالنور صاحبة أعلى معدل وطني 19.58 في امتحانات البكالوريا بتونس في اختصاص العلوم التقنية، في فيديو قصير لتتحدّث عن أسرار نجاحها وعن محطّتها ووجهتها القادمة، ولم تكن إطلالتها البريئة حاملة لأي نوع من التوظيف السياسي أو الأيديولوجي الذي قد يثير سخط وغيض شريحة واسعة من المتأسلمين في تونس.

تقول آمنة بكل بساطة وهي تسرد بعض التفاصيل الدقيقة عن الدوافع التي كانت وراء تفوقها، “منذ كُنت صغيرة اخترت التخصّص في شعبة العلوم التقنية لأن حُلمي الأول هو استكمال دراستي في علم ‘الميكانيك’ بألمانيا، لقد تفوقت وأنصح كل التلاميذ بالمزيد من الجهد والبذل والعطاء لتحقيق أهدافهم”.

وتشدد آمنة في الوقت ذاته على أنها من محبّي مطالعة الكتب بنهم كبير، وهو ما جعلها قادرة على التفوق في كل المواد المطروحة أمامها بامتحانات البكالوريا حتى وإن كانت أدبية.

إلى حد هنا، سارت كل الأمور بشكل عادي ليس به أي لُبس أو مؤاخذات يُمكن إطلاقها للتعليق على تصريحات فتاة لم تصل بعد سن العشرين ربيعا من عمرها، إلى أن تم نشر محتوى الفيديو على منصات التواصل، لتصطدم التلميذة بوابل من الشتائم والأحكام الأخلاقوية بسبب إطلالتها الإعلامية وهي ترتدي لباسا صيفيا متحرّرا لكنه غير خادش للحياء مثلما ردّد بعض المعلقين عليه، بل تلبسه جل الفتيات  التونسيات في عمرها داخل منازلهن وفي محيطهن الأسري.

درة محفوظ: مازال هناك من يعتقد أن المرأة غير حرة وجسدها عورة
درة محفوظ: مازال هناك من يعتقد أن المرأة غير حرة وجسدها عورة

لقد فرّطت المئات من التعليقات على الفيديو المذكور في التمعّن به لاستخلاص العبر من قصة نجاح كتبتها فتاة تائقة إلى أن تكون حاملة لمشروع امرأة تونسية حداثية ومتحررّة تريد النجاح، لتركّز في المقابل على إطلاق تعليقات لا تنطق إلاّ باسم أدبيات رجعية متأسلمة تحاول أن تكون في نفس الوقت وصيّة على الأخلاق ومستحوذة على الحديث باسم الله.

وعلى الرغم من أن المئات من التعليقات المضادة، جاءت مدافعة ومنبهرة بما قدّمته آمنة من إنجاز دراسي هام، فان جل التعليقات الحُبلى بالغلو والتطرف تمحورت كالآتي “لماذا تُظهرين شبه عارية؟ هذا النموذج لا أريده لأولادي”، وتُضيف ناشطة فيسبوكية أخرى “أتمنى أن ترتدي ثيابا لائقة أفضل من الحصول على أعلى معدل في البكالوريا”، لتُعلق ناشطة أخرى وهي تنصّب نفسها كواعظ يقدّم دروسا دينية في مسجد “لن يكون النجاح حليفك إلا أذا رضي الرب عليك.. مهما تفوقت في الدراسة لن تفلحي في المستقبل ما دمت بعيدة عن دينك”.

بالتوازي مع حملة التشكيك هذه، لاقت التلميذة آمنة بالنور تعاطفا كبيرا من عدة نشطاء في المجتمع المدني والإعلام والصحافة وحتى من بعض المفكرين، الذين استهجنوا ما تعرّضت له الفتاة لما وصفوه بدروس أخلاقوية مصدرها عقول مريضة وحاقدة لم تستطع التخلّص من أدبياتها الإخوانية المتطرفة.

وقالت أستاذة علم الاجتماع التونسية درة محفوظ إن التعليقات المصاحبة لفيديو الفتاة المتفوقة على دفعتها في البكالوريا تشير إلى تواصل وجود البعض في المجتمع التونسي وبقية المجتمعات العربية ممن يعتقدون أن المرأة ليست حرة في جسدها، مضيفة أن هذا الملف الحارق لا يزال إشكاليا حتى في صفوف التقدميين بين من يقول إن موضوع اللباس والجسد حرية شخصية وبين من يدعم الأفكار الرجعية التي تقول عن جسد المرأة إنه عورة.

وأكّدت درة محفوظ في تصريح لـ “العرب” على أن هذا الجدل مازال قائما في تونس خاصة مع وجود اتجاهات سياسية وفكرية تريد العودة بالمجتمع إلى الوراء عبر توخي سلوكيات وظواهر تجاوزناها منذ الاستقلال تريد اختزال المرأة في جسدها فقط وهي أقلية في المجتمع التونسي المعروف عنه انفتاحه، لكن أيضا يحافظ على احترامه في الأماكن العامة.

هذه المشكلة الجديدة – القديمة الوافدة على المجتمع التونسي وهو يصارع ويحارب الإرهاب بما توفر لديه من تجهيزات أمنية ومن عقول مثقفة تكابد للقضاء على الرواسب التي زرعها داعش في النسيج المجتمعي، لا تخص فقط التلميذة آمنة بقدر ما تفتح مرّة أخرى الجدل حول مسألتين هامتين، الأولى تتعلّق بمفهوم الإرهاب، حيث لا يقتصر التطرف على الممارسة الميدانية أو لا مشاركة في القتال بل يمكن أن يظهر في شكل أفكار يتم ترويجها بين الناس، أما الثانية فتتعلق بالمأزق الاجتماعي الخانق الذي تعيش على وقعه شريحة هامة من التونسيين، بما لا يتناسق مع خطابات النخبة المتشبثة بخطابات تؤكّد بأن تونس دولة مدنية تحترم الحقوق والحريات الفردية.

ممدوح عزالدين: ما دخل اللباس في التفوق الدراسي للتلميذة المتألقة
ممدوح عزالدين: ما دخل اللباس في التفوق الدراسي للتلميذة المتألقة

وتتزامن هذه الهجمة الفيسبوكية الأخيرة بكل ما تحمله من مقاصد متأبّطة بموروث فكري وثقافي مُتأسلم، مع تواتر بيانات رسمية صادرة عن السلطات التونسية وتحديدا وزارة الداخلية تفيد باعتقال العشرات من النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب تمجيدهم للإرهاب وتحديدا لتنظيم الدولة الإسلامية. وكان من آخر هذه العمليات إلقاء القبض على شاب مجّد العمليتين الإرهابيتين اللتين تم تنفيذهما وسط العاصمة تونس الأسبوع الماضي.

وهنا يقول المتخصص في علم الاجتماع التونسي ممدوح عزالدين إن “الفيسبوك هو فضاء مفتوح للجميع للتعبير عن الآراء.. والتعليقات تكشف حجم المكبوت النفسي لأن من يدخل هذا الفضاء يرى نفسه حرا، خاصة وأن أدوات الضبط والمراقبة غير موجودة ولا نستطيع محاسبته”.

ويضيف ممدوح في تصريح لـ”العرب” أنه بالنظر لكل هذه المطبات، فإن المستخدم لمواقع التواصل الاجتماعي يجد حرية كبيرة للكلام، فهناك من يضخم الأحداث ومن يستغلها لمهاجمة الآخر.. وهي تدخلات انفعالية مزاجية ليست قائمة على النقد أو التحليل آو تقديم السلبيات آو الايجابيات آو قائمة على خلفية فكرية بل حسب المزاج آو الطباع.

ويؤكّد عزالدين أن ظهور الفتاة المتألقة في البكالوريا لم يرق للبعض لباسها والأحكام التي تم إطلاقها هي انطباعية نمطية، متسائلا ما دخل اللباس في تفوقها الدراسي؟ هؤلاء النشطاء ربطوا بين تفوقها الدراسي وبين لباسها الذي يجب أن يعكس بالمثل تفوقها الأخلاقي والتربوي وهذه وجهة نظر خاطئة لأنها قائمة على حكم انطباعي وأيضا تعد تعدّيا على حريتها الشخصية.

وتطالب العديد من القراءات المصاحبة لهذا الجديد، بضرورة أن تضرب الدولة بقوة عبر مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت بمثابة منصات لترويج الفكر المتطرف أو لبث الإشاعة، مثلما حصل مؤخرا عقب ترويج أخبار مغلوطة مفادها وفاة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي.

اللباس المتحرّر يميط اللثام عن الوجه القبيح لشريحة من المتأسلمين
اللباس المتحرّر يميط اللثام عن الوجه القبيح لشريحة من المتأسلمين

 

13