تقارب الحكومة واتحاد الشغل في تونس: إعلان هدنة أم بداية لمرحلة جديدة؟

هشام المشيشي يبحث مع الطبوبي وضع الفئات الهشة المتضررة من كورونا.
السبت 2021/06/19
أجواء من التفاهم رغم التصعيد مؤخرا

يثير التقارب بين الاتحاد العام التونسي للشغل والحكومة برئاسة هشام المشيشي تساؤلات بشأن ما إذا كان هذا التقارب إعلانا لهدنة بين الطرفين أم بداية لمرحلة جديدة، خاصة أنه يأتي بعد اقتراب المنظمة النقابية ذات النفوذ الواسع من صدام حقيقي مع الحكومة إثر إجراءات أقرتها في سياق رفعها التدريجي للدعم عن المواد الأساسية، ما أثار حفيظة الاتحاد.

تونس – تطرح اللقاءات الأخيرة بين رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي والأمين العام لاتحاد للشغل (أكبر منظمة نقابية في البلاد)، تساؤلات بشأن حدود التقارب بين الحكومة والاتحاد اللذين كانا على وشك الصدام بسبب إجراءات المشيشي للإصلاح الاقتصادي.

لكن يبدو أن الضغوط الاجتماعية والسياسية المسلطة على كلا الطرفين ستجعلهما يحتكمان إلى هدنة أو استئناف مرحلة جديدة في العلاقات خاصة في ظل المزيد من تأزم الأوضاع في تونس.

والتقى المشيشي في قصر الحكومة بالقصبة الجمعة مع الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نورالدين الطبوبي.

عبدالعزيز القطي: ننتظر حسما نهائيا من الاتحاد ضد المنظومة التي أثبتت فشلها
عبدالعزيز القطي: ننتظر حسما نهائيا من الاتحاد ضد المنظومة التي أثبتت فشلها

وبحث اللقاء الوضع العام في البلاد وأهمية العمل المشترك بين الحكومة والاتحاد بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والانصراف إلى حل الإشكاليات التي تهم التونسيين، بالإضافة إلى المزيد من الإحاطة بالفئات الهشة المتضرّرة من جائحة كورونا.

ونوّه المشيشي بأهمية الحوار والتشاور بين الطرفين والذي حقق نتائج إيجابية لصالح التونسيين كان آخرها الاتفاق الحاصل مؤخرا، إثر اجتماع جلسة 5 زائد 5 بين الحكومة والاتحاد، على تسوية وضعية عملة الحضائر وإصدار الأوامر الترتيبية وتفعيل اتفاق 6 فبراير الماضي.

وثمّن الأمين العام للاتحاد حرص الحكومة على الالتزام بالتعهدات السابقة والإيمان المشترك للطرفين بضرورة العمل المشترك والتشاور المتواصل لإيجاد حلول لكل الإشكاليات العالقة، مضيفا أن اللقاء مثل فرصة لتدارس الآليات الكفيلة بالتسريع في تطبيق مخرجات اجتماع 5 زائد 5.

وأشادت شخصيات سياسية بأهمية دور اتحاد الشغل في خلق التوازنات السياسية والاجتماعية في البلاد باعتبار دوره النقابي المدافع على الفئات الضعيفة، مطالبة إياه بأخذ موقف رسمي وحاسم مما وصفته بالمنظومة الفاشلة على امتداد عشر سنوات وليس الحكومة الحالية فقط.

وأفاد الناشط السياسي عبدالعزيز القطي بأن “الاتحاد لم يقطع مفاوضاته مع الحكومة، ويسعى لتحقيق مطالب منظوريه في علاقة بمخلفات الجائحة الصحية وارتفاع الأسعار، وعند قيامه بهذا الدور هو يشارك كوسيط في إيجاد حلول سياسية واجتماعية، ونحن في حاجة إلى منظمة كالاتحاد لإدارة الأزمات”.

وأضاف القطي في تصريح لـ”العرب”، “من المؤكد أن الاتحاد يفاوض مع الأخذ بعين الاعتبار ما يجري من أحداث في البلاد، ويبقى دوره مرتبطا بالمواقف الوطنية، وهو يعي جيّدا أن تحقيق المطالب المالية والاقتصادية وإخراج المواطن من الأزمة الحالية يبدأ عبر حلحلة الأزمة السياسية التي كانت سببا مباشرا في تردي الأوضاع”.

وتابع “الاتحاد يعرف أن إمكانيات الدولة الآن محدودة، لكننا نطالب بكلمة حق منه بالقطع مع هذه المنظومة بعد فشلها لمدة 10 سنوات في إدارة الشأن العام، وننتظر حسما نهائيا منه ضد المنظومة والوقوف في صفّ الشرفاء”.

ويبدو أن حكومة المشيشي المتخبطة أساسا في الأزمات تسعى لبناء مرحلة جديدة مع المنظمة النقابية الأولى في البلاد، لكنها تصطدم في كل مرة بصعوبات ومطبّات مالية واقتصادية تعجّل بتعثّرها.

فريد العليبي: الحكومة لا تسير نحو الهدنة وهي مورّطة محليا ودوليا
فريد العليبي: الحكومة لا تسير نحو الهدنة وهي مورّطة محليا ودوليا

ووجدت الحكومة نفسها مشتتة بين الاهتمام بالشأن الداخلي وضرورة الانكباب على معالجة الملفات الاجتماعية الحارقة وفي مقدمتها تحسين القدرة الاجتماعية للمواطن في علاقة بالأسعار وجبر ضرر الفئات المتضررة من الجائحة الصحية التي عمّقت مشاكل الفقر والبطالة والتنمية.

وقال المحلل السياسي فريد العليبي في تصريح لـ”العرب”، إن “اللقاء بين الحكومة والاتحاد ليس باعتباره تقاربا سياسيا، بل في علاقة بالمشاكل المتعلقة بملفات تهم قطاعات مختلفة وتهم الزيادات الأخيرة في الأجور”.

ورأى العليبي أن “الحكومة تجاوزت الخطوط الحمراء، واللقاء بقدر ما يتعلق بإشعال أضواء حمراء أمام المشيشي الذي يبدو أنه تحت ضغوط كبيرة (صندوق النقد الدولي والاحتجاجات..)”.

وتابع “الحكومة وجدت الطريق لكي تعقّد الوضعية الاجتماعية والاتحاد يدافع عن منظوريه، وهي غارقة في مشاكلها المالية، والمالية العمومية في شبه إفلاس، فضلا عن التضخّم المالي والقروض والزيادة في الأسعار وإمكانية عدم دفع أجور الشهر القادم”.

وأردف “الحكومة لا تسير نحو الهدنة بل ستواصل التخلص من العمال والزيادة في الأسعار وستقول إن صندوق النقد الدولي يضغط عليها، بينما يقول الاتحاد إن صندوق النقد بريء من ذلك والحكومة تتحمّل مسؤوليتها”.

واعتبر أن “الحكومة مورّطة من جهتين، الأولى محلية من ناحية الزيادة في الأسعار، والثانية دولية لأنها غير قادرة على تسديد ديونها الخارجية، وحتى تحلّ هذه الأزمة ينبغي أن تأتي بالأموال، فذهب راشد الغنوشي رئيس البرلمان مؤخّرا إلى قطر والقطريين لم يدفعوا شيئا إلى حدّ اللحظة، وهناك بعض الهبات التي تأتي من هنا وهناك لكنها لن تحلّ مشكلة الضائقة المالية”.

وتم خلال جلسة 5 زائد 5، التي انعقدت مساء الثلاثاء الماضي بين رئاسة الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل، إمضاء محضر اتفاق نهائي يقضي بنشر الأمر الخاص بعمال الحضائر في نهائية الأسبوع وفق ما أكده الطبوبي.

ويأتي ذلك في خضم أزمة سياسية حادة غذّتها التجاذبات والمناكفات والتصريحات التصعيدية بين مختلف الأطراف السياسية مع تواصل حالة العطالة في الحكومة بسبب أزمة التعديل الوزاري وقانون المحكمة الدستورية. واقترح الطبوبي على المشيشي إعادة إجراء تعديل وزاري بأسماء جديدة كليا والتخلي نهائيا عن الأسماء التي منحت الثقة من البرلمان.

4