تقارب بكين وموسكو يعزز الصراع الجيوسياسي بين القوى الكبرى

الجمعة 2014/05/02
النفوذ الأميركي في المنطقة يزعج الروس والصينيين

لندن - تبحث دراسة صدرت عن مركز “روسي” للدراسات الدفاعية، عن حقيقة الدور الصيني في ما يجري في أوكرانيا اليوم، وخلفيات تدخّلها في الأزمة، رغم سياسة عدم الانحياز التي تتظاهر بها الحكومة الصينية. واعتبر معدّ الدراسة الباحث رفاييلو يانتوتشي أن موقف الصين أقرب إلى الإذعان منه إلى الدعم الفعلي للسياسات الروسية.

تسعى كل من الصين وروسيا إلى تشكيل تحالف إقليمي ليكون صدا في وجه الاختراق الأميركي للمنطقة، خاصّة في المناطق التي كانت واقعة تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي سابقا والتي فرط عقدها إثر انهياره. وقد عمدت الدولتان إلى تأسيس بعض المنظّمات الإقليمية و تفعيل البعض الآخر لهذا الغرض.

ومع تفاقم الأزمة الأوكرانية، ظلت الصين تدعم في هدوء الموقف الروسي، إلا أن موسكو ما فتئت تغالي وتبالغ في حجم الدعم الصيني لها، والذي كان أقرب إلى الإذعان منه إلى الدعم الفعلي للسياسات الروسية.

وقد اختارت الصين الوقوف جانبا على هامش النزاع الحالي في أوكرانيا. وذكر معلقون صينيون أن هذا النهج القائم على السلبية والحياد هو جزء من استراتيجية أكبر للتشجيع على بروز عالم متعدد الأقطاب. في المقابل، كان المحللون والمسؤولون في روسيا ينتهزون كل فرصة لتسليط الضوء على حقيقة أن بكين وموسكو يتقاسمان نفس المبدأ.

وكان هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، قدّ حذّر قائلا: “إنّ نُذُر الحرب العالمية الثالثة بدت في الأفق وطرفاها هما الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا وإيران من جهة أخرى”.

مؤخرا، وفي مقابلة مع التلفزيون الرسمي الروسي، وصف وزير الخارجية سيرغي لافروف الصين “بالحليف القريب جدا” من روسيا. وأكّد على ذلك الرئيس بوتين عند إعلانه عن ضم شبه جزيرة القرم في مجلس الدوما بشكل رسمي “نحن ممتنون لشعب الصين وقادته الذين كانوا دائما يأخذون في الاعتبار السياق التاريخي والسياسي الكامل عند تحليل الوضع في كل من أوكرانيا والقرم”.


القلق الصيني


قد تبدو هذه التفسيرات حول دعم الصين دقيقة من الظاهر، ولكن الواقع يعتبر أكثر تعقيدا بكثير، في الوقت الذي تشعر فيه الصين بعدم الارتياح إزاء تصرفات روسيا على الرغم من أنها قد تشاركها المخاوف. ويمكن القول إن الصين، وبالنظر إلى جميع خطاباتها الرنانة هناك في مياه المحيط الهادئ، لا تزال إلى حد كبير تستفيد من استمرارية النظام العالمي الحالي جنبا إلى جنب مع ما تعتبره مسارها الطبيعي لصعودها كقوة عالمية. وبالنسبة إلى صناع السياسة في بكين، فإن الوضع الحالي يمثّل أفضل مسار قد يفضي بها للتربّع على قمّة عدد من مراكز القوى الجديدة والقديمة على غرار مجلس الأمن الدولي ومجموعة العشرين ودول البريكس.

ويمكن للصين، بقوتها الاقتصادية وحجمها الجغرافي والبشري، أن تستفيد من الأوضاع العالمية الحالية. ولكن السؤال هنا يتعلق بكيفية إدارة هذا الصعود بطريقة سلسة تضمن للحزب الشيوعي المحافظة على تفوقه في خضم هذه الأوضاع العالمية المعقدة؟.

لكن سياسة روسيا في أوكرانيا لا تقدم أي شيء يذكر لضمان سلاسة هذا المسار. بل إنها تتسبب في الواقع في الفوضى وعدم الاستقرار في عدد من الأسواق الرئيسية الصينية، سواء في روسيا أو أوروبا، فضلا عن إثارة المخاوف في دول شرق آسيا المجاورة.

وتشعر الدول السوفيتية السابقة في آسيا الوسطى بالقلق بشأن نوايا روسيا على المدى الطويل والآثار المترتبة على العقوبات التي فرضتها الدول الغربية عليها، وهي لا ترغب في التورط في المشاحنات الروسية مع الغرب و تشعر بالقلق من أن تقوم موسكو بممارسة نفوذها الكبير بطريقة تتعارض مع مصالحها.

وعلى الرغم من أن الصين تمثل القوة الصاعدة في المنطقة، فإن شعوب آسيا الوسطى لا ترغب كثيرا في إعادة مواءمة سياساتها بالكامل تجاه بكين. وفي كل الأحوال تفتقد الصين إلى الثقل الكافي (والرغبة كذلك) اللازمين حتى تصبح الضامن الرئيسي للأمن الإقليمي.

تعتبر الصين أكبر سوق للسلاح الروسي، وتستأثر وحدها بـ 40 بالمئة من صادرات السلاح الروسي

وفي أوروبا، تشهد الأسواق حالة من الاضطراب مع تباين مواقف القادة حول كيفية تسليط عقوبات على روسيا بشكل لا ينعكس سلبا على اقتصادياتهم في الوقت الذي تشعر فيه بعض الدول الغربية بالقلق إزاء الآثار طويلة الأمد المترتبة على التوترات المتزايدة بينها وبين روسيا.

وسيكون بالتأكيد لكل ذلك تأثير كبير على الأسواق الصينية وسينعكس إما من خلال انكماش التجارة العالمية أو تراجع التجارة الإقليمية، وقد تلحق هذه العوامل ضررا بالنمو الاقتصادي في الصين الذي يمر أصلا بحالة من التراجع . لذلك لا ترغب القيادة الصينية في مثل هذه التوترات التي لن يكون لها أي تأثير يذكر في مجريات السياسة العالمية ما عدا تعطيل الأسواق.

علاوة على ذلك، لا توافق الصين الأطراف التي تعترف بالدول الانفصالية. وتقليديا حافظت بكين، على الأقل في مستوى الخطاب، على المبدأ المقدس بعدم التدخل في الشأن الداخلي للدول (رغم أنه مبدأ قد تجاوزته الأحداث على نحو متزايد في الواقع).

وتخشى الصين من تبعات السابقة الخطيرة للاعتراف بالمقاطعة الانفصالية. ففي السابق، عندما قامت روسيا بسلوك مماثل في جورجيا في سنة 2008، كان موقف الصين واضحا في استخدام منظمة شنغهاي للتعاون بهدف منع الدعوة إلى دعم سياسات روسيا. وتشعر كل من الصين ودول آسيا الوسطى، الأعضاء في منظمة شانغهاي للتعاون، بجملة من المخاوف بشأن المجموعات الانفصالية أو الأقليات، وسيكون تشكيل تحرك دولي جديد يعمل على الاعتراف بالدول الانفصالية من آخر اهتماماتها.


أسباب الرضوخ الصيني


على الرغم من كل هذه المخاوف، هناك ما يشبه الانسجام مع سياسات روسيا، وهو الأمر الذي قد يساعد في توضيح موقف الصين الراضخ لسياسة روسيا في أوكرانيا. ويمكن تبين ذلك من خلال قراءة متأنية لتعليقات لافروف. وعلى حد تعبير هذا الأخير: “لقد أظهرت اتصالاتنا مع الشركاء الصينيين أنهم لم يتفهموا المصالح المشروعة لروسيا في هذه القضية برمتها فحسب، بل لدينا كذلك فهم متطابق حول الأسباب الرئيسية للأزمة العميقة في أوكرانيا في الوقت الحالي”.

وهذا يعد تعليقا دقيقا أكثر مما قد يبدو، وهو يوضح في جزء منه اعتراف الصين بمشروعية المخاوف الروسية، ولكنه لا يعبر عن وجهات نظرها الخاصة والمتعلقة بالسياسات الروسية. وتؤكد الصين أن الحكم الفوضوي الذي أدى إلى انهيار نظام يانوكوفيتش وما لحقه من اضطرابات يعتبر أمرا سيئا. وهي تعتبر، على غرار روسيا، أن الاحتجاجات الشعبية التي تبلغ ذروتها عبر الإطاحة بالحكومات تعد خطرا محتملا كبيرا.

فلاديمير بوتين: نحن ممتنون للصين بخصوص موقفها من الوضع في كل من أوكرانيا والقرم

وقد شعر البلدان بالقلق من الفوضى الناجمة عن “الثورات الملونة” في كل من أوكرانيا (2004 ) وجورجيا (2003) وقيرغيزستان (2005) وزادت مخاوفهما في الوقت الذي يقف فيه الغرب متفرجا على العالم العربي ينهار بفعل الاحتجاجات العامة في أحداث الربيع العربي، وبالخصوص ما يحدث في سوريا. ولم يتعاف العالم العربي بشكل فعلي إلى الآن، كما أن إرهاصات “الثورات الملونة” في دول الاتحاد السوفيتي السابق لا تزال تتردد اليوم في ظل ما تشهده الدول الثلاث المذكورة من صعوبات في الحكم.

وفي ظلّ الأحداث الأخيرة، تبدو أوكرانيا اليوم مجرد إعادة أخيرة لهذا التوجه، وتخشى كل من الصين وروسيا من أن يؤدي ذلك إلى تبعات أو حتى محاكاة في الداخل.

وستعمل هذه المخاوف المشتركة، بالإضافة إلى عدم استعداد الصين لمعارضة موسكو باعتبارها الحليف الجيواستراتيجي على الأمد البعيد حول القضايا الدولية الهامة مثل إيران أو سوريا أو غيرها، على مزيد توثيق العلاقات الثنائية بين البلدين في نهاية المطاف، وستظل الصين تلعب دور المراقب بشكل عام في الأحداث الجارية في أوكرانيا. أما المراقبون في الخارج، فإنهم يرون أن الصين حليف سلبي لروسيا في ما يتعلق بالملف الأوكراني، وهو أمر نابع من المخاوف الأيديولوجية والجيوسياسية وليس تعبيرا عن الإعجاب بالسياسة الروسية.


ماذا يروق للصين


ذهب مراقبون آخرون إلى اعتبار الصين الرابح الأكبر من الأزمة الأوكرانية ودعم الموقف الروسي، حيث ستستفيد الصين بشكل مباشر من الأزمة بين روسيا والقوى الغربية حول أوكرانيا، فخلال العقد الماضي تفاوضت الصين مع شركة “غازبروم” الروسية، وهي واحدة من أكبر شركات استخراج الغاز الطبيعي من أجل الحصول على صفقة لمدة 30 عاما لتوريد 38 مليار متر مكعب من الغاز سنويا بدءا من عام 2018. وتعادل هذه الكمية 11 بالمئة من الطلب الصيني السنوي للغاز، و24 بالمئة من إجمالي الصادرات الروسية إلى أوروبا.

هذا الفرق يعد أمرا أساسيا لتبين ما إذا كان الغرب سيسعى إلى إيجاد طريقة تسمح للصين بأن تلعب دورا أكبر على الصعيد الدولي. والصين لا تعتبر من درجة القوة العالمية الصعبة مثل روسيا، بل هي القوة التي ترى أن التوجهات تسير وفق مصالحها ولن تتردد بالتالي في تغذيتها على الدوام. هذا يعني أنه من الممكن مراعاة مصالح الصين مع الحرص على فهم الدوافع لهذا البلد. وعلى المدى الطويل ترغب الصين في بناء علاقات مستقرة مع أوكرانيا وأوروبا والاتحاد الأوروبي وروسيا. وتمثل جميع هذه البلدان أطرافا وشركاء اقتصاديين يمكن أن تستفيد منهم لتحقيق نموها. وقد تكون الصين تقف موقف المتفرج على الأزمات الحالية، ولكن عينها تظل مفتوحة على المشهد العالمي على المدى الطويل، وتعتبره مكسبا كبيرا في المستقبل المنظور.

7