تقارب تركي – روسي غير مسبوق في سوريا

الجمعة 2016/12/23

في مثل هذه الأيام من العام الماضي، كان قد مضى شهر واحد فقط على قيام تركيا بإسقاط طائرة حربية روسية وقد أدّى ذلك إلى توتر شديد في العلاقات بين البلدين طال التعاون الاقتصادي الذي كان قد شهد ازدهاراً لافتا. إلا أن التحالف الروسي التركي لطالما كان قويا ولم يتأثر بالخلاف الذي بدا غير قابل للتسوية حول الملف السوري، وهو ما دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى وصف إسقاط الطائرة حينها بأنه “طعنة” في الظهر. ولأنه تحالف متين ومتعدد المستويات، أتت المصالحة بسرعة قياسية، بعد ستة أشهر فقط على إسقاط الطائرة، وعادت العلاقات إلى سابق عهدها.

أصبح ذلك التحالف أكثر صلابة بعد فشل محاولة الانقلاب العسكري في تركيا وتسليم الأخيرة بفشل سياستها الإقليمية وتنامي الأخطار من حولها. وللمرة الأولى، يبدو أن التحالف الروسي التركي بات يوازي، أو ربما يتفوق على التحالف الروسي الإيراني في سوريا.

خلال مفاوضات إخراج مقاتلي المعارضة وما تبقى من سكان القسم الشرقي لمدينة حلب، بدا أن طرفيْ المفاوضات، روسيا وتركيا، قد استبعدا الجانب الإيراني. وهو ما دفع طهران إلى عرقلة الاتفاق بطريقة تنمّ عن استيائها الشديد، إذ اختطفت الميليشيات الشيعية التابعة لها حافلة تقلّ مدنيين وقتلت أربعة منهم قبل أن تطلق سراح البقية وتوقف عمليات الإخلاء. طالبت طهران بإخلاء مماثل من بلدتي كفريا والفوعة، لكن، وعلى الأرجح، لم يكن ذلك هو المطلب الحقيقي. أرادت إيران أن تعبّر عن غضبها وتؤكد على سطوتها ونفوذها على الساحة السورية، وبأنها لاعب لا يمكن استثناؤه حتى من تفاهمات مناطقية. هنالك تسريبات أشارت إلى أن الاجتماع الثلاثي الذي ضمّ روسيا وتركيا وإيران والذي خرج بما يسمّى “إعلان موسكو”، كان من المقرر أن يقتصر على تركيا وروسيا. لكن ردّة فعل إيران أعادتها إلى طاولة المفاوضات التي تتطلع إلى تقرير مصير النظام السوري والسوريين.

الانعطافة التركية تجاه موسكو تؤكد هزيمتها في الحرب السورية. استثمرت أنقرة، بشكل ضخم جدا، في جزء محدّد من المعارضة السورية، السياسية والعسكرية، ولكنها لم تحصد سوى الخيبة في نهاية المطاف. على هامش الحرب، نما ما يشكل أكبر تهديد للقوميين الأتراك، وهي القوة العسكرية المتنامية لأكراد سوريا، وسعيهم الحثيث إلى انتزاع إقليم متصل يشكل دولة وليدة. ساهم ذلك في انعطافة تركيا التي اتضحت اليوم، إذ انتقل العداء الرئيسي من بشار الأسد إلى أكراد سوريا.

تركيا أدركت أن هنالك مصالح (ملموسة) يمكن تطويرها مع روسيا أهمها تطويق الأزمة الكردية، وقد حصلت على ما أرادت بسرعة قياسية، وأظهر الروس واقعية شديدة برسالة واضحة: من يتحالف معنا سوف يحصد مكاسب ملموسة

تعامل الغرب، وبشكل خاص الولايات المتحدة، مع تركيا بمماطلة وعدم وضوح وهو ما دفعها في نهاية المطاف إلى القفز من القارب الذي يبدو وكأنه يوشك على الغرق لتحطّ في القارب الروسي. أدركت تركيا أن هنالك مصالح “ملموسة” يمكن تطويرها مع روسيا أهمّها تطويق الأزمة الكردية، وقد حصلت على ما أرادت بسرعة قياسية. هنا يظهر الروس واقعية شديدة لطالما عرفت عن أميركا. رسالتهم واضحة: من يتحالف معنا سوف يحصد المكاسب الملموسة وليست الوعود المبهمة.

روسيا من جهتها أدركت أهمية تقاربها مع تركيا المتدخلة بعمق في تفاصيل المعارضة السورية وذلك لإبعاد الأخيرة عمّا يسمى بـ”مجموعة أصدقاء سوريا”. ولكن السبب الأهمّ هو إنجاز مهمة تسميها روسيا “فصل” المعارضة المعتدلة عن المتطرفين، فيما تكمن حقيقتها في “تفكيك” المعارضة السورية بوقف الدعم عنها. حصلت موسكو على ما تريد أيضا بسرعة، وذلك بسقوط حلب، وبتعهد تركي علني بوقف الدعم الخارجي للمعارضة المسلحة.

راهنت روسيا على قوتها العسكرية ووحشيتها المفرطة وخصوصا مع وصول حاملة الطائرات قبل نحو شهرين قبالة السواحل السورية. يعتبر خبراء عسكريون أن وصول حاملة الطائرات ساهم بدرجة كبيرة في قلب موازين القوى، إذ ضاعف من الإمكانيات العسكرية الروسية المتاحة لاستخدامها في دعم القوات المهاجمة. نجحت رهانات موسكو بسقوط حلب التي اتفق الجميع على أنها ستغيّر مشهد الحرب السورية.

ولكن، مع نجاح روسيا بتثبيت بشار الأسد في السلطة، باتت تواجه اليوم معضلة الحل في سوريا. إذ أدّت التحولات العسكرية الضخمة التي طرأت خلال الأعوام الماضية إلى تآكل مركزية النظام السوري وقوة وعدد جيشه، مقابل تكريس نفوذ ميليشيات كثيرة تتبع بصورة رئيسية لإيران. يقدّر حلف شمال الأطلسي “الناتو” تعداد القوات المقاتلة للجيش السوري بنحو 20 ألفا فقط. وهو رقم قريب من تقديرات روسية رسمية تقول إن العدد يبلغ 25 ألف مقاتل. في المقابل، يبلغ تعداد الميليشيات الشيعية نحو 30 ألف مقاتل، بالإضافة إلى مئة ألف مقاتل هو تعداد ما يسمى “قوات الدفاع الوطني”، وهو التشكيل العسكري المكافئ لقوات الحشد الشعبي في العراق.

رغم انفتاح أفق “الحل العسكري” للمرة الأولى منذ بداية الصراع، تتحدث روسيا عن ضرورة الحل السياسي في سوريا. إذ تريد تحويل مهمّة مواجهة ما تبقى من المعارضة السورية المسلحة إلى مهمة إقليمية دولية. ومن جهة أخرى، تتطلع موسكو إلى مباشرة تقويض الدور الإيراني في سوريا، والذي سيكون الرابح الاستراتيجي الأكبر من أيّ انتصار عسكري.

كاتب فلسطيني سوري

8